حول فتوى القراءة على الأموات
لماذا التذييل، بدل التدليل والتأصيل؟

-2 -


كان أصل السؤال عن القراءة عند تشييع الجنازة وحول الميت وعند القبر. وكان جوابه عنه هكذا: ( إن السنة في المحتضر وفي تشييع الجنازة وفي الدفن هو الصمت والتفكر والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكن نطقه بالدعاء للميت والرحمة فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوة الإجابة. وأما قراءة القرآن عن الميت حين موته وحين تشييع جنازته وحين دفنه فلم تكن معمولا بها في زمن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وزمن الصحابة. إذ لم ينقل ذلك في الصحيح من كتب السنة والأثر مع توفر الدواعي على نقله لو كان موجودا. إلا الأثر المروي في قراءة سورة يس عند رأس الميت عند موته على خلاف فيه. ولهذا كان ترك القراءة هو السنة وكان أفضل من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة).
ثم أخذ بعد هذا الجواب الواضح البين يقاوم ما فيه من صريح السنة مما فرغنا من رده عليه. وأما في تذييل الفتوى فإنه قال هكذا: (اعلم أن موضوع الفتوى الصادرة منا هو أن قول مالك أن السنة في تشييع الجنازة السكوت. والقراءة في الجنازة مكروهة عنده وأنها عند فريق من العلماء مستحبة غير مكروهة لقصد انتفاع الميت بثوابها).
وهذا كلام قاصر على خصوص القراءة عند التشييع فلنقصر كلامنا اليوم معه فيه. وقد زعم أن القراءة عند التشييع عند فريق من العلماء مستحبة. ونقول أنه لم يقل باستحبابها واحد من الأئمة- رضي الله عنهم- ولا من شيوخ مذاهبهم ولا ذكرها متن من المتون التي يدرس بها فقههم في الأمصار. فهو مطالب بأن يثبت هذا الفريق ولو بواحد من هؤلاء ولن يستطيع- ولا محالة- إثبات المعدوم، وفيما نقلناه في كلامنا السابق ما يدل على الاتفاق على بدعتها، ونزيد هنا قول الإمام ابن شامة الشافعي ([1]) المتوفى سنة 665هـ في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) قال: (وفيما يفعله الناس اليوم في الجنائز بدع كثيرة ومخالفة لما ثبت في السنة من ترك الإسراع بها والقرب منها والإنصات فيها ومن قراءتهم القرآن بالألحان)([2]).
ثم قال فضيلته: (فمدرك مالك هو التيمن بقصد التأسي بالفعل الواقع في زمن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وزمن أصحابه فالمراد بالسنة عنده الطريقة التي كان عليها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-).
نعم السنة هي الطريقة التي كان عليها- صلى الله عليه وآله وسلم- فيما يفعل ويترك، ونحن مأمورون باتباعه في هذه الطريقة، بقوله تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }[آل عمران:31]([3]) والتأسي به فيما فعل وفيما ترك يمن ومخالفته شؤم، ولنا به أسوة حسنة فالقراءة عند التشييع تركها فتركها من سنته أي من طريقته فهو سنة وفعلها ليس من طريقته فهو بدعة. والخير في الاتباع، والشر في الابتداع
.

وخير أمور الناس ما كان سنة *** وشر الأمور المحدثات البدائع.

هذا هو البيان الواضح لمدرك الإمام- رحمه الله- لا كما توهمه عبارة فضيلته من تهوين أمر الاتباع بأنه قصد التيمن والتبرك وأن الترك لا يدخل في لفظ السنة لأنها هي الطريقة.
ثم قال: (ولما كان مالك لا يرى وصول ثواب القراءة للميت لم يوجد في نظره ما يعارض مقصد التأسي فلذلك قال بكراهة القراءة فيها).
مذهب مالك أن ما تركه النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من الطاعات في موطن مع وجود المقتضي لفعله بحسب الظاهر فإنه يترك دون التفات إلى ذلك الذي يظهر أنه مقتضى إذ يترك النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- تبين أنه ليس بمقتضى في الشرع ففعل تلك الطاعة عليه اعتبار لما ألغاه الشارع واعتداد بما طرحه. وفي هذا معاندة له وافتيات عليه، ولهذا منع الذي أراد أن يحرم من المسجد النبوي وقرأ عليه قوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[النور:63]. وقد تقدم تفصيل هذا في سابق كلامنا، فلو أن مالكا كان يقول بوصول ثواب القراءة لما قال بها في التشييع لأن السنة فيه هي تركها، والدعاء المتفق على نفعه لا يقول به مالك في الركوع لأن السنة فيه هي تركه، وهكذا ما هنا.
ثم قال: ( وأما الذين خالفوه فمدركهم أن السكوت ترك فلا يدل على استحباب السكوت ولا على كراهة ضده).
قد علمت مما تقدم أن هؤلاء الذين يزعم أنهم مخالفون لمالك في سنة ترك القراءة في التشييع لا وجود لهم في الأمة ولا في شيوخ مذاهبهم ومع ذلك فقد أخذ فضيلته يقرر في مدركهم فزعم أن السكوت ترك وأن الترك لا يدل على استحباب السكوت ولا على كراهة ضده، ومقتضى هذا الاستدلال من السنة النبوية يكون بالفعل دون الترك وهذا باطل والحق أنه كما يستدل بفعله- صلى الله عليه وآله وسلم- يستدل بتركه. والتقرب إلى الله بترك ما تركه كالتقرب إليه بفعل ما فعله. ومن فعل ما تركه كمن ترك ما فعله وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعله كذلك لا يتقرب إليه بفعل ما تركه، وهاك من كلام الأئمة ما يثبت لك هذا الأصل ويعرفك بدليله:
قال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- شيئا وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه- صلى الله عليه وآله وسلم- لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله، أمسك عنه الصحابة وتركه إلى أن قال لهم: أنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه. وأذن لهم في أكله([4])]، نقله الشوكاني ([5])في (إرشاد الفحول)([6])، وفي أوائل الجزء الرابع من (الموافقات) للإمام الشاطبي بحث واف في الاستدلال بتركه - صلى الله عليه وآله وسلم- وذكر أنواعه، وقال القسطلاني ([7]) في كتابه (المواهب اللدنية): (وتركه- صلى الله عليه وآله وسلم- سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الوضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله) ([8]) وقال ابن حجر الهيتمي: (ألا ترى أن الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهي، وكرهوا استلام الركنين الشاميين، والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف. وكذا تركه - صلى الله عليه وآله وسلم- مع قيام المقتضى فيكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة)([9]).
و النقول على هذا الأصل- وهو الاستدلال بتركه- كثيرة والأدلة فيه ثابتة واضحة وقد اعتنى ببسطة الأستاذ (محمد أحمد العدوي)([10]) حفظه الله في كتابه (أصول في البدع والسنن) بسطا كافيا لمن هدَاه الله ([11]).


-يتبع-

======

[1] : هو الإمام الحافظ العلامة شهاب الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد المقدسي ، الدمشقي ، الشافعي المعروف بـ: (أبي شامة) لشامة كبيرة كانت فوق حاجبه الأيسر.
[2] : الباعث على إنكار البدع والحوادث ، فصل : بدع الجنائز (ص:270) بتحقيق مشهور آل سلمان.
[3] : قال الحسن البصري وغيره من السلف : (زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية) . انظر : تفسير ابن كثير.
[4] : جاء هذا الحديث عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم منهم ابن عباس رضي الله عنه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الهبة و فضلها و التحريض عليها ، باب قبول الهدية ، رقم (2575) ، و مسلم ، كتاب الصيد و الذبائح ، باب إباحة الضي ، رقم (5039)، و أبو داود ، كتاب الأطعمة ، باب في أكل الضب ، رقم (3793) ، و غيرهم.
[5] : هو أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن محمّد الشوكاني ثمّ الصنعاني اليمني الفقيه المحدّث الأصولي النظّار، عرف بالإمام المجتهد، ولد بهجرة شوكان سنة (1172 هـ ‑ 1758م) ونشأ بصنعاء، كان فريد عصره ونادر دهره، له مؤلّفات في التفسير كفتح القدير، والحديث كنيل الأوطار، والأصول كإرشاد الفحول، توفّي سنة (1250- 1834 م).لإعلام بمنثور تراجم المشاهير و الأعلام للشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله (ص:371).
[6] : إرشاد الفحول ، المقصد الثاني في السنة : البحث العاشر تركه صلى الله عليه وسلم (1/225) ط. دار الفضيلة.
[7] : أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين: من علماء الحديث. مولده ووفاته في القاهرة. له (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط) عشرة أجزاء. و (المواهب اللدنية في المنح المحمدية - ط) في السيرة النبوية.
انظر ترجمته في كتاب الأعلام للزركلي.
[8] : المواهب اللدنية (4/73) ط. المكتب الإسلامي.
[9] : انظر هذا الكلام في الفتاوى الحديثية للهيثمي .
[10] : شغل منصب المفتش العام للوعظ والإرشاد بالأزهر.
[11] : آثار ابن باديس (100/3-104).