الفصل الأول
في بيان خروج كلامه عن دائرة الأدب المرعية وتهجمه على الحضرة النبوية
قال:
إنْ مت بالشوق منكد *** ما عذر ينجيك
أي حق للعبد الحقير، على السيد الجليل الكبير، حتى يطالبه بالاعتذار إليه إذا لم يأته، أم كيف ساغ لهذا المسكين أن يقول له لا عذر ينجيك، مم ينجيه هذا العذر؟ إن لو كان ينجيه، أمن اللوم في شأنك والعتاب لأجلك؟ من أنت يا هذا حتى يعتذر سيد الأولين والآخرين لك، ثم لا ينجيه من التقصير في حقك عذر عندك، لقد وضعت نفسك والله في غير محلها وجهلت مقام النبوة وجلالة منصبها.
قال:
إن تبق في هجري زائد *** للمولى ندعيك
من هو بالملك موحد *** ينطر في أمرك
أي حق لك على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- حتى صرت تخوفه بأنك تدعوه وتشكو به إلى الله- تعالى- لينظر في أمره، وهل يتصور منه- صلى الله عليه وآله وسلم- تقصير في حق أحد حتى يشكو به إلى الله- تعالى- حاشا ذلك الجناب الكريم، والنبي الرؤوف الرحيم ، أن يقصر في خير لأحد في حال حياته وبعد مماته وكيف ذلك وهو الذي قال له الله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء:3]. وهو الذي لما تعرض عليه في قبره أعمال أمته يستغفر للمذنبين([1])، لكنك يا مسكين توهمته كعظماء الدول الذين يقصرون مع من دونهم فيخوفون بمن فوقهم على أنه لم يكن من أدب العبيد أن يهددوا الوزير بسلطة الأمير فأين أنت يا هذا حتى من آداب الوزراء والسلاطين بله الأنبياء والمرسلين.
قال:
عبس بالقول تساعد *** ما نرجوه فيك
هذا تعريض للنبي- صلى الله عليه وسلم- بما خاطبه الله تعالى في سورة ابن أم مكتوم([2])، وتخويف له بما يلحقه أن قصر مع هذا المسكين من العتاب واللوم، واحتجاج عليه بالقرآن، وإلزام له بالقبول والإتيان، وهذا تهجم عظيم، وتجاسر شديد، لا يقدم عليه عامة المؤمنين، فكيف بمن يزعم أنه خاصة العارفين.
- يتبع-
=====
[1] : يقصد حديث : (حياتي خير لكم ، تحدثون و يحدث لكم ، و وفاتي خير لكم ، تعرض علي أعمالكم ،فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، و ما رأيت من شر استغفرت الله لكم ) .
قال الألباني رحمه الله: ( ضعيف . رواه الحافظ أبو بكر البزار في " مسنده " : حدثنا يوسف بن موسى :حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " . قال : و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حياتي خير لكم ... " ، ثم قال البزار : " لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه " . ذكره الحافظ ابن كثير في " البداية " ( 5 / 275) ثم قال : " قلت و أما أوله و هو قوله عليه السلام : " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " ، فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب به " .
قلت الحديث عند النسائي في" سننه " ( 1 / 189 ) كما ذكر الحافظ من طرق عديدة عن سفيان عن عبد الله بن السائب ، لكن ليس عنده و عن الأعمش، و إنما رواه من طريقه أيضا الطبراني في المعجم الكبير ( 3 / 81 / 2 ) . و أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ( 2 / 205) و ابن عساكر (9/ 189 / 2 ) .
قلت : فاتفاق جماعة من الثقات على رواية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث " حياتي .... " ، ثم متابعة الأعمش له على ذلك مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة ، لتفرد عبد المجيد بن عبد العزيز بها، لاسيما و هو متكلم فيه من قبل حفظه ، مع أنه من رجال مسلم و قد وثقه جماعة و ضعفه آخرون و بين ...... ، فقال الخليلي : " ثقة ، لكنه أخطأ في أحاديث ، و قال النسائي : " ليس بالقوي ، يكتب حديثه " . و قال ابن عبد البر : " روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها " . و قال ابن حبان في " المجروحين " ( 2 / 152 ) : " منكر الحديث جدا ، يقلب الأخبار ، و يروي المناكير عن المشاهير ، فاستحق الترك " .
قلت : و لهذا قال فيه الحافظ في " التقريب : " صدوق يخطىء " . و إذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في " المجمع " ( 6 / 24 ) : " رواه البزار ، و رجاله رجال الصحيح " . فهو يوهم أنه ليس فيه من هو متكلم فيه ! و لعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في " الخصائص الكبرى " ( 2 / 281 ) : " سنده صحيح " . و لهذا فإني أقول : إن الحافظ العراقي - شيخ الهيثمي - كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في " تخريج الإحياء " ( 4 / 128 ) : " و رجاله رجال الصحيح ، إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد و إن أخرج له مسلم ، و وثقه ابن معين و النسائي ، فقد ضعفه بعضهم " .
قلت : و أما قوله هو أو ابنه في " طرح التثريب في شرح التقريب " ( 3 / 297 ) : " إسناده جيد " . فهو غير جيد عندي ، و كان يكون ذلك لولا مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق بيانه ، فهي علة الحديث ، و إن كنت لم أجد من نبه عليها ، أو لفت النظر إليها ، إلا أن يكون الحافظ بن كثير في كلمته التي نقلتها عن كتابه " البداية " ، و الله أعلم . نعم ، قد صح إسناد هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني مرسلا ، و له عنه ثلاث طرق : الأولى عن غالب القطان عنه . أخرجه إسماعيل القاضي في " فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " ( رقم 25 بتحقيقي ) و ابن سعد في " الطبقات " ( 2 / 2 / 2 ) . و رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين . الثانية : عن كثير أبي الفضل عنه . أخرجه إسماعيل أيضا ( رقم 26 ) ، و رجاله ثقات رجال مسلم غير كثير ، و اسم أبيه يسار و هو معروف كما بينه الحافظ في " اللسان " ردا على قول ابن القطان فيه : " حاله غير معروفة " . الثالثة : عن جسر بن فرقد عنه . أخرجه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " ( 230 من بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ) ، و جسر ضعيف .
قلت :فلعل هذا الحديث الذي رواه عبد المجيد موصولا عن ابن مسعود أصله هذا المرسل عن بكر ، أخطأ فيه عبد المجيد فوصله عن ابن مسعود ملحقا إياه بحديثه الأول عنه . و الله أعلم . و قد وقفت عليه من حديث أنس ، و له عنه طريقان : الأولى : عن أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن صالح العدوي البصري : حدثنا خراش عن أنس مرفوعا مختصرا نحوه و فيه " تعرض علي أعمالكم عشية الاثنين و الخميس " . أخرجه ابن عدي(2/124) و أبو منصور الجرباذقاني في " الثاني من عروس الأجزاء " ( ق / 139/2) و عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي في " جزء له " ( 2 / 2 ) و عزاه الحافظ العراقي ( 4 / 128 ) للحارث بن أبي أسامة في " مسنده " بإسناد ضعيف ، أي بهذا الإسناد كما بينه المناوي في " فيض القدير " بعد أن نقل عنه تضعيفه إياه بقوله : أي و ذلك لأن فيه خراش بن عبد الله ساقط عدم ، و ما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب ، و قال ابن حبان : لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار ، ثم ساق له أخبارا هذا منها " . قلت : فالإسناد موضوع ، فلا يفرح به . الثانية : عن يحيى بن خدام : حدثنا محمد بن عبد الملك بن زياد أبو سلمة الأنصاري : حدثنا مالك بن دينار عن أنس به نحوه و فيه : " تعرض علي أعمالكم كل خميس " . أخرجه أبو طاهر المخلص في " الثاني من العاشر من حديثه " ( ق 212 / 2 ) : حدثنا يحيى(يعني ابن محمد بن صاعد ) : حدثنا يحيى بن خدام به . قلت : و هذا موضوع أيضا آفته الأنصاري هذا قال العقيلي : " منكر الحديث " ، و قال ابن حبان : " منكر الحديث جدا ، يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم ، لا يجوز الاحتجاج به " . و قال ابن طاهر : " كذاب و له طامات " . و قال الحاكم أبو عبد الله : " يروي أحاديث موضوعة " . و الراوي عنه يحيى بن خدام روى عنه جماعة من الثقات ، و ذكره ابن حبان في " الثقات " . و قال الحاكم أبو أحمد في ترجمة الأنصاري المذكور : " روى عن يحيى بن خدام عن مالك بن دينار أحاديث منكرة ، فالله تعالى أعلم الحمل فيه على أبي سلمة أو على ابن خدام " . و جملة القول أن الحديث ضعيف بجميع طرقه ، و خيرها حديث بكر بن عبد الله المزني و هو مرسل ، و هو من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين ، ثم حديث ابن مسعود ، و هو خطأ ، و شرها حديث أنس بطريقيه ). ا هـ أنظر : السلسلة الضعيفة و الموضوعة ( 2 / 404- 405- 406) ، رقم (975).
[2] : أي سورة عبس.




رد مع اقتباس