الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم.
جزاك الله خيرا وبارك فيك ، ولا حرمك الله من أجر الدال على الخير كفاعله .
وإتماما للفائدة أقول :إن للعلم طريقان لا ثالث لهما كما قال الشيخ العلامة - عبيد الجابري - حفظه الله ومتع الأمة بعلمه .وبكليهما جاء الدليل من القرآن والسنة .
الأولى : طريقة التلقي والتلقين ، وهي أن يملي الشيخ على الطلاب ، من مسموعاته ، من حفظه أو كتابه ، أو يقرأ الطالب على الشيخ والبقية تسمع ، وهكذا ، وقد أرسل الله جبريل بالقرآن الكريم فلقنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا لقنه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهكذا تلقته الأمة جيلا عن جيل بالتلقي والتلقين ...
ومنه النفرة في الطلب والتحصيل والأخذ عن الأشياخ وأهل العلم المشهورين المعرفين يرحل إليهم ويؤخذ عنهم ثم يرجع إلى قومه فيعلمهم مما علمه الله ..قال تعالى :{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(122) التوبة .
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح دار السعادة (ص 56) : الْوَجْه الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا اليهم لَعَلَّهُم يحذرون ندب تَعَالَى الْمُؤمنِينَ الى التفقه فِي الدّين وَهُوَ تعلمه وانذار قَومهمْ إِذا رجعُوا اليهم وَهُوَ التَّعْلِيم وَقد اخْتلف فِي الاية فَقيل الْمَعْنى ان الْمُؤمنِينَ لم يَكُونُوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل يَنْبَغِي ان ينفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة تتفقه تِلْكَ الطَّائِفَة ثمَّ ترجع تعلم القاعدين فَيكون النفير على هَذَا نفير تعلم والطائفة تقال على الْوَاحِد فَمَا زَاد قَالُوا فَهُوَ دَلِيل على قبُول خبر الْوَاحِد وعَلى هَذَا نفير تعلم والطائفة تقال على الْوَاحِد فَمَا زَاد قَالُوا فَهُوَ دَلِيل على قبُول خير الْوَاحِد وعَلى هَذَا حملهَا الشَّافِعِي وَجَمَاعَة وَقَالَت طَائِفَة أخرى الْمَعْنى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا إِلَى الْجِهَاد كلهم بل يَنْبَغِي ان تنفر طَائِفَة للْجِهَاد وَفرْقَة تقعد تتفقه فِي الدّين فَإِذا جَاءَت الطَّائِفَة الَّتِي نفرت فقهتها الْقَاعِدَة وعلمتها مَا انْزِلْ من الدّين والحلال وَالْحرَام وعَلى هَذَا فَيكون قَوْله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة الَّتِي نفرت مِنْهَا طَائِفَة وَهَذَا قَول الأكثرين وعَلى هَذَا فالنفير نفير جِهَاد على أصله فَإِنَّهُ حَيْثُ اسْتعْمل إِنَّمَا يفهم مِنْهُ الْجِهَاد قَالَ الله تَعَالَى {انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ} وَقَالَ النَّبِي لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة وعَلى الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ ترغيب فِي التفقه فِي الدّين وتعلمه وتعليمه فَإِن ذَلِك يعدل الْجِهَاد بل رُبمَا يكون أفضل مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي الْوَجْه الثَّامِن وَالْمِائَة أن شَاءَ الله تَعَالَى . وأعلام الموقعين (2/178):
وأما الأحاديث في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» البخاري (79)باب فضل من عَلِمَ وعَلّم .ومسلم (2282)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن مسعود عن النَّبِي أنه قَالَ :<< من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدَّين >> لا يتأتى ذلك إلا بالتعلم والغربة في الطلب والتحصيل ، أما من لا يتعلم ولا يرغب ولا يتعب في تحصيل العلم فهذا كيف يريد الخير ؟؟ وإذا لم يرد الخير لنفسه كيف يريد الله به الخير ؟؟؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم : << إنما العلم بالتعلم >> قال الشيخ الألباني في مختصر صحيح البخاري (1/46) وهو طرف من حديث رواه أبو خيثمة (114) بسند صحيح عن أبي الدرداء موقوفاً، ورواه غيره عنه مرفوعاً، وله شاهد من حديث أبي هريرة، وآخر من حديث معاوية، وقد خرجته في"الأحاديث الصحيحة" (342).
وقوله : (إنما العلم. .) لا يحصل العلم إلا بالتعلم قال في الفتح هو حديث مرفوع أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية - رضي الله عنه - بلفظ (يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). إسناده حسن.
والطريق الثانية هي السؤال والجواب : يذهب الطالب إلى العالم فيسأله أسئلة تفقه وتعلم ، لا أسئلة تعنت وتكلف ، وهذا كما جاء جبريل يعلم الصحابة دينهم عن طريق السؤال والجواب في الحديث الطويل المشهور .فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ» البخاري (4777) وفي مسلم (8)بلفظ :<< فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ>>.
وفي كتاب الله تعالى :{...فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }(07) الأنبياء.
قال الشيخ السعدي – رحمه الله - وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر وهم أهل العلم فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم ولم يؤمر بسؤالهم إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم ونهي له أن يتصدى لذلك.
وقال في نفس الآية من سورة النحل (43):وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل. فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.قلت : قسم الله تعالى الناس في الآية السابقة إلى قسمين أهل ذكر وأهل سؤال وأوجب على كلا الفريقين واجب ، فأوجب على من جهل أمر دينه أن يسأل عن دينه ، وأوجب على أهل الذكر وهم أهل العلم أن يعلموا ويرشدوا ويبينوا للسائلين ما تصح به عقيدتهم وعبادتهم ، أفاده ابن القيم فيما قرأته عنه وقد نقلته عنه بالمعنى وتحريت لفظه ما استطعت لأنه ما يحضرني في مجلسي هذا .
هذا في تحصيل العلم وأخذه من أهله ، عند أهل السنة والجماعة ، وإلا فهناك طرق أخرى عند غير أهل السنة والجماعة وطرق حديثة كالدراسة النظامية وما يسمى بالجامعات الإسلامية التي تعطي شهادات تدل على مستوى أصحابها ، وفي الحقيقة ما جيء بها إلا لضرب الألقاب الشرعية التي كان عليها العلم عند السلف من الحافظ إلى المحدث إلى الحجة إلى الإمام ...
أما متى يستغني ويستقل بنفسه عن الطلب ، ليعود إلى أهله وقومه أو المكان الذي يُعلم فيه ؛ فهذا يختلف باختلاف نبوغ الطلاب وقدراتهم على الاستيعاب والحفظ والفهم .. وطول الملازمة والتحصيل ، وقصدهم من الطلب وطموحاتهم من التحصيل ، ولا يتوقف ذلك على الإجازات التي تعطى دون ملازمات ، ولا الشهادات من المعاهد والجامعات وإنما يتوقف ذلك على تزكية الطالب لنفسه بالعلم والعمل بما تعلم فتظهر ثمرة العلم وآثاره عليه ، في حياته ودينه ويثني عليه بعض العلماء ممن عرفوه وعرفوا ما عنده من بضاعة ويوصوه بملازمة تقوى الله والتعلم والعمل بما تعلم والدعوة إلى الله ونشر ما تعلم من علم .
والله أعلى وأعلم . وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى ىله وصحبه وسلم .