غلا البوصيري في هذا البيت فاتحا به باب الشرك ـ الذي هو بحر لا ساحل له ـ حيث قال:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم:
تعليق: هذا مخالفا لقوله عليه السلام: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد, قولوا: عبد الله ورسوله ) :
كيف يكون عظيما عند الكاتب محمد الهادي الحسني من يحلف بغير الله ويقترف ما نهى الله ورسوله عنه إذ قال البوصيري:
أقسمت بالقمر المنشق إن له * من قلبه نسبة مبرورة القسم:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ): سمع النبي صلى الله عليه وسلم عمر يحلف بأبيه وهو في ركب فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) :
لم تمنعه صلى الله عليه وسلم عظمة عمر أن ينهاه ويبين له التوحيد الذي بعث من أجل تحقيقه وحمايته:
أين عظمة البوصيري في تخرصه وكذبه على نفسِه لما قال:
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدا * وهو أوفى الخلق بالذمم
تعليق: هذا فتح لباب المعاصي وترك للشريعة بمجرد أن يكون المقترف ممن سمي بمحمد، فكم من المحمدين لا يحمدون:
أين عظمة من هو غارق في أوحال الشرك والمخالفات في قوله الذي تقشعر منه جلود الموحدين حين قال:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * سواك عند حلول الحادث العمم:
تعليق: أليس هذا مما يُسخط الله تبارك وتعالى ويسخط رسوله صلّى الله عليه وسلم ؟ ؟:
أيكون مشركو العرب أحسن حالا من هذا الشاعر ؟ ؟:
قال الله تعالى: ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ ( سورة العنكبوت: 65 )
أين إخلاص البوصيري من إخلاص هؤلاء ؟ ؟:
قال الشوكاني رحمه الله ردا على البوصيري: فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وغفل عن ذكر ربه ورب رسل الله عليهم السلام إنا لله وإنا إليه راجعون: الدر النضيد: ص 26:
قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى... الحديث, فنهانا عن إطرائه في المدح وهو المبالغة والغلو بوصفه بما لا يجوز كما غلت النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام فادعت فيه الألوهية ونسبت إليه ما لا يكون إلا لله، وبيّن لنا طريق مدحه صلى الله عليه وسلم بذكر كل ما لا يخرج به عن كونه عبدا من كل كمال، وبذكر كل ما يليق برسالته من عظيم الخصال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: مجالس التذكير من حديث البشير النذير: ص: 241 - 242:
وصف الكاتب محمد الهادي الحسني قصيدة البردة بقوله: التي اعتبرت درة ديوان شعر المديح في الإسلام:
تعليق: كيف تكون درة وصاحبها عظيما وهو غارق في بحر من الشرك والغلو الذي لم يأذن به الله ؟ ؟:
ألم يمدح أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم بحق وصدق من غير غلو فيه ولا إفراط، ومع ذلك لم يشفع له ذلك أن ينجو من أهل النار ؟ ؟:
قال ابن كثير رحمه الله: وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها، وما تضمنته من العيب والتنقص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد, ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه: البداية والنهاية: 4/313 ـ 315:
من غريب ما في المقال ذكر الكاتب محمد الهادي الحسني للسبب الذي جعل البوصيري يكتب هذه الأبيات في المدح بالباطل، ولم يذكر الكاتب القصة بكاملها إذ يكفي الإنسان قراءتها حتى يعرف هراء هذا الرجل وبعده عن العلم وأهله، فكيف يلحق بركب العظماء ؟ ؟:
قال البوصيري: كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خلط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بُردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدا، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أيها ؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردةً، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام:
أيُعظَّم من لا يعظم شرع الله ولا يعظِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسول الله عليه الصلاة والسلام أتقى لربه من أن يكون متمايلا تمايل السكارى:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرا اضطرارا لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستُجيب له لصدق توجهه إلى الله وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا، ولو استُجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعفُ الله عنه، كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له فكم مِن عبد دعا دعاء غير مباح فقُضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة: اقتضاء الصراط المستقيم: 2/698:
خاتمة: ألا فليبك من كان باكيا على غربة الإسلام والدين، ورحم الله الإمام الرباني العلامة الطيب العقبي الذي تنكر لدعوته ودعوة أصدقائه كثير ممن يدعي اقتفاء آثارهم حيث قال: إننا نعتقد ولم نزل نعتقد في إيمان وإخلاص بأن الدين وحده هو الذي ينهض بهذه الأمة حديثا كما نهض قديما، وبالدين فقط نصل إلى حيث نأمل ونبلغ كل ما نرجوه ونتمناه، والدين هو رأس مالنا الذي لا خسارة معه، ولا ندامة تلحق العاملين به والمعتصمين بحبله المتين، وإذن فالدين قبل كل شيء: جريدة الإصلاح العدد: 46:
فليتذكر الكاتب محمد الهادي الحسني مقولة لشيخ المسلمين محمد البشير الإبراهيمي إذ قال رحمه الله: وأكبر جرحة دينية فيهم ـ عندي ـ إقرارهم - أي مشايخ الطرق - لتلك الأماديح الشعرية الملحونة التي كان يقولها فيهم الشعراء المتزلفون وينشدونها بين أيديهم في محافلهم العامة، وفيها ما هو الكفر أو دونه الكفر مِن وصفهم بالتصرف في السموات والأرضين وقدرتهم على الإغناء والإفقار وإدخال الجنة والإنقاذ من النار، دع عنك المبالغات التي قد تُغتفر، كل ذلك وهم ساكتون بل يعجبون لذلك ويطربون ويُثيبون المادح، علما منهم أن ذلك المديح دعاية مثمرة تجلب الأتباع وتدر المال ولو كانوا على شيء من الدين لما رضوا أن يسمعوا تلك الأماديح، وهم يعلمون كذبها من أنفسهم ويعلمون أن فيها تضليلا للعامة وتغريرا بعقائدها: سجل مؤتمر جمعية العلماء: ص: 39:
إن أخوف ما يخافه المشفقون على الإسلام جهل المسلمين لحقائقه وانصرافهم عن هدايته، فإن هذا هو الذي يُطمع الأعداء فيه وفيهم، وما يُطمع الجار الحاسد في الاستيلاء على كرائم جاره الميت إلا الوارث السفيه: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: جريدة البصائر: عدد 13:
قال محمد البشير الإبراهيمي رحمة الله: ونحن إذ نُنكر الفاسد من الأعمال والباطل من العقائد سواء علينا أصدرت من سابق أم من لاحق، ومن حي أم من ميت لأن الحكم على الأعمال لا على العاملين: الآثار:1/174:
والحمد لله رب العالمين