بسم الله الرحمن الرحيم


قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله



كذلكم الله -جل وعلا - أمرنا بالتثبت حينما يبلغنا شيء عن جماعة من الجماعات ، أو عن قبيلة من القبائل ، أو عن فئة من المسلمين إذا بلغنا خبر سيئ يقتضي قتال هذه الجماعة، أمرنا الله - جل وعلا - أن لا نتسرع في هذا الأمر حتى نتثبت .

يقول الله - سبحانه وتعالى- : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ . يعني إن بلغكم خبر عن جماعة أو قوم أو عن قبيلة أو عن فئة من الناس أنها فعلت فعلاً تستحق به أن تقاتل ، فلا تتعجلوا في الأمر ، ولا تعلنوا الحرب عليهم، ولا تداهموهم حتى تتأكَّدوا من صحة الخبر .

سبب نزول قوله - تعالى - : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ . الآية

وسبب نزول هذه الآية كما ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - وغيره أنها نزلت في بني المصطلق ، قبيلة دخلت في الإسلام ، وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم- إليهم من يجبي الزكاة منهم كغيرهم من المسلمين ولكن جاء الخبر أن هذه القبيلة منعت الزكاة ، وأبت أن تُسَلِّمها لمندوب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتسرّع في الأمر ولم يُداهم القوم حتى أنزل الله هذه الآية .

ثم جاء رئيس القبيلة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتذرًا ، وبيَّن للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن مندوبه لم يصل إليهم واستبطئوه، والله - جل وعلا - حمى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يتعجل وأن يتسرع وأن يداهم القوم وهم لا ذنب لهم ، وإنما الذي أُرسِلَ إليهم لم يصل إليهم لسبب من الأسباب الله أعلم به ، فهم لم يمتنعوا عن أداء الزكاة ، وما خالفوا أمر الله ورسوله ، وهذه الآية ليست مقصورة على هذه الحادثة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فهي قاعدة يسير عليها المسلمون إلى يوم القيامة .

وجوب التثبت
فالتثبت واجب إذا بلغنا عن قوم أو عن جماعة أنهم ارتكبوا ما يستحقون به القتال ، والله أمر ولي الأمر ومن بيده الحل والعقد أن يتثبت من شأن هؤلاء لعل لهم عذرًا ، ولعله لم يصح ما نُسِبَ إليهم ، ولهذا قال - تعالى - : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ .

تعريف الفاسق - ومفهومه عند أهل السنة
والفاسق معناه : هو الخارج عن طاعة الله .

لأن الفسق في اللغة هو : الخروج عن طاعة الله .

والفاسق عند أهل السنة والجماعة : هو من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب دون الشرك ، فهو يُسَمّى فاسقًا ساقط العدالة، لا تقبل شهادته ولا يُقبَلُ خبره .

وهو ليس بكافر ، بل هو مؤمن ولكنه ناقص الإيمان ، لا تقبل شهادته ولا يعتبر عدلاً حتى يتوب إلى الله - عز وجل - مما ارتكب ، ثم تعود إليه العدالة، كما قال - سبحانه وتعالى- : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

حرص علماء الأمة على التثبت في الرواية وقبولها
ولهذا كان علماء المسلمين وعلماء الرواية لا يقبلون الرواية إلا ممن توفرت فيه شروط العدالة والضبط والإتقان ، فهم لا يقبلون الرواية من المجروح أو المجهول الحال، هذا من باب التثبت في أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- .

هذا شأن هذه الأمة : التثبت في الرواة، التثبت في المخبرين؛ لأن المخبر قد يكون فاسقًا لا يهمه الصدق، أو قد يكون كافرًا يريد الإيقاع بين المسلمين، أو منافقًا، أو يكون رجلاً صالحًا ولكن فيه نزعة التسرع وشدة الغيرة ، فيبادر بالأخبار قبل أن يتثبت ، فالواجب علينا أن نتثبت من الخبر حتى ، ولو كان الذي جاء به من الصالحين .




المصدر :
موقع الشيخ حفظه الله