بسم الله الرحمن الرحيم
وقال الإمام النووي:[ قال العلماء:معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل، فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور. قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع، ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصفٌ بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه، فهذه ثيابُ زورٍ ورياءٍ. وقيل هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له... وحكى الخطابي قولاً آخر: أن المراد هنا بالثوب الحالة والمذهب، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن] شرح النووي على صحيح مسلم 4/291.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قوله"المتشبع"أي المتزين بما ليس عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل...وأما حكم التثنية في قوله" ثوبي زور" فللإشارة إلى أن كذب المتحلي مثنى، لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يعط، وكذلك شاهد الزور يظلم نفسه ويظلم المشهود عليه. وقال الداودي:في التثنية إشارة إلى أنه كالذي قال الزور مرتين، مبالغةً في التحذير من ذلك] فتح الباري 9/317.
وورد في رسالة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قوله:(من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله).
قال العلامة ابن القيم في شرح هذا الأثر:[ قوله:" فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله " هذا شقيقُ كلامِ النبوة، وهو جديرٌ بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع: فأما الكلمة الأولى فهي منبعُ الخير وأصله، والثانية أصلُ الشر وفصله; فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه; فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ وأما قوله:" ومن تزين بما ليس فيه شانه الله " لما كان المتزين بما ليس فيه ضدُ المخلص - فإنه يظهر للناس أمراً وهو في الباطن بخلافه - عامله الله بنقيض قصده; فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتةٌ شرعاً وقدراً، ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس، عُجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس; لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه وشرعه.هذا ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنسك والعلم وغير ذلك، قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تطلب منه، فإذا لم توجد عنده افتضح، فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه، وأيضاً فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافه، فأظهر الله من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب غير خاشع; وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان; فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقة من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للسقام.] إعلام الموقعين 2/275،279.