محاضرة
فِقْــهُ الفِتَــنِ



لفضيلة الشيخ
سليمان بن سليم الله الرحيلي
حفظه الله تعالىٰ




بسم الله الرحمـٰن الرحيم


الحمد لله الملك القدوس السلام، أكرمنا بدين الإسلام، وأكمل لنا الدين وأتمَّ علينا الإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده المعبود الحق على الدوام، وعد الموحدين بالجنة دار السلام، وتوعَّد العصاة بجهنم دار الانتقام، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام، ختم الله به الأنبياء فكان مسك الختام، من التزم سنته اهتدى واستقام، ومن أحدث في أمره ما ليس منه فهو رَدٌّ مع الآثام. صلى الله عليه وسلم أكمل صلاة وأتم سلام، ورضي الله عن آله الطيِّبين الأعلام وصحابته الخيار الكرام. أما بعد:
فأيها الإخوة الفضلاء.. أحييكم بتحية الإسلام: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلا وسهلا بالذين أُحبُّـهم وأَودُّهـم في الله بالآلاء

أهلا بقوم صالحين ذوي تقى غُرِّ الوُجوه زَينِ كُلِّ مَلاءِ

أيها الإخوة أيها الأحبة.. إنّ الله –سبحانه وتعالى- حكيم عليم خبير خلقنا وأوجدنا وجعل الدنيا سكنًا لنا ولم يجعلها مستقرًا لنا، وإنما هي دار ممرّ إلى الدار العظمى؛ إلى الدار الآخرة.
وقد شاء الله بحكمته أن يجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، وجعل فيها أنواعًا من الفتن يتميَّز بها الصادقون من الكاذبين والثابتون من الناكصين، كما قال ربنا –سبحانه وتعالى-: {الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت:1-3] .
والفتن أنواع متنوعة، فمنها: فتنة المال والولد، يقول الله –عز وجل-: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}[الأنفال:28]. يقول العلماء: إن العبد في الدنيا قد يفتَن بماله وقد يفتن في ماله، وإن العبد في الدنيا قد يفتن بولده وقد يفتن في ولده وقد يفتن من ولده.
ومن الفتن أيضا فتن الخير والشر والطاعة والمعصية، والغالب أنّ الطاعة والخير تحتاج إلى صبر فهي في جانب المكروهات والمكاره في جهة ما يلحق الإنسان من تعب فيها.
وفتنة الشر والمعصية والغالب أنّ المعاصي تكون من جهة الشهوات التي قد يحبها الإنسان وتزيَّن له، يقول الله –عز وجل-:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء:35].
ومنها: فتنة الناس بالناس باختلاف أحوالهم من فقر وغنى وصحة ومرض وغير ذلك، يقول الله –عز وجل-: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[الفرقان:20].
ومنها: فتنة الإنسان بالإنسان من جهة أخرى؛ وهي من جهة المدح والذم والتسلط، يقول الله –عز وجل-:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}[العنكبوت:10].. إلى غير ذلك من الصور الكثيرة للفتن التي يفتن بها العبد في الدنيا، إلا أنّ رأس الفتن وأعظمها الفتن العامة التي تقع لعموم الأمة وتقع في كثيرين منها؛ كفتنة الخروج على ولي الأمر، وفتنة الإفساد الذي تفنَّن فيه الناس اليوم، ومنه ما سُمِّي في هذا الزمان بالإرهاب، وفتنة التكفير والتبديع والتفسيق والتنابذ بالألقاب من غير تحقُّق المقتضى الشرعي للوصف، وكذا فتنة التباغض والتدابر والتهاجر من غير تحقق السبب الشرعي.. إلى غير ذلك من الفتن العام التي كثرت في هذا الزمان والتي تقود إلى الغلو أوالتفريط والتي ما سقط فيها أحد أبدا إلا فسد عيشه وتكدرت نعمته وأظلم قلبه ضاقت نفسه بالناس.
هذه الفتن العامة من أخطأ فيها الطريق ولم يلزم الأصول الشرعية وانغمس فيها لابد أن يحصل له ضيق الصدر بالناس حتى يبلغ به الحال أن ينفر من والديه وأهله وأقاربه وأن ينفر من الناس، ولابد أن تتكدر نعمته، وصدق معاوية –رضي الله عنه- حيث قال: (إياكم والفتنة، فلا تَهمُّوا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستئصال) ذكره الذهبي في السِّيَر.
وصدق حذيفة –رضي الله عنه- حيث قال: (إياكم والفتن، لا يَشخَص لها أحد، والله ما شَخَصَ فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدم) رواه عبد الرزاق الحاكم.
ونبينا –صلى الله عليه وسلم- الشفيق بالأمة أخبرنا عن كثرة وقوع الفتن في هذه الأمة، ومن ذلك ما جاء عن أسامة –رضي الله عنه- قال: أشرف النبي –صلى الله عليه وسلم- على أُطُمٍ من آطام المدينة فقال: ((هل ترَون ما أرى؟ هل ترَون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطر)) متفق عليه.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعَرَض من الدنيا)) رواه البخاري في الصحيح.
وعن حذيفة –رضي الله عنه- قال: (كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يذكر الفتن) وهذا يا إخوة أصل عند أهل العم في تذاكر المسلمين للفتن ليحذروها وليعرفوا الطريق المستقيم الذي تقع به النجاة منها، عمر –رضي الله عنه- يقول لجلسائه وفيهم حذيفة: (أيكم سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال عمر –رضي الله عنه-: لعلكم تَعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ولكن أيكم سمع النبي –صلى الله عليه وسلم- يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ ، هذه الفتن العامة العظيمة، فقال حذيفة –رضي الله عنه-: فأسكت القوم، فقلت: أنا، فقال: أنت بالله أبوك، قال حذيفة: سمعتُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: ((تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أُشرِبها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مِرْبَادا كالكوز مُجَخِيّا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكَرا إلا ما أُشرِب من هواه)) والحديث رواه مسلم في الصحيح.
وقد بيّن النبي –صلى الله عليه وسلم- مع بيانه كثرة الفتن: الطريق الواضح والمسلَك المأمون الذي من سار فيه سار على السلامة وكان على خير حال.
وقد اهتم السلف بتقرير هذا الطريق وتبيينه وبيّنوا أنه لا سلامة للأمة ولا سلامة للمؤمن ولا مخرج من الفتن إلا بسلوكه بفضل الله –سبحانه وتعالى-، وهذا ما عنيناه بـ (فقه الفتن).
وهذا الفقه يسلم من حمله وعمل به وتعلَّمه –إن شاء الله- مِن أن يكون سببا في فتنة أو في إيقاع عباد الله فيها، كما يسلم مِن أن يكون مِن أهل الفتن الواقعين فيها، ويسلم مِن أن يُظلِم قلبه بالفتن –والعياذ بالله- وفي الفتن فلا يعرف الصواب فيها بل يكون موقنا موفَّقا لمعرفة الصواب مستنير القلب مستقيم الدرب؛ لأنه سلك طريقا بيّنه النبي –صلى الله عليه وسلم- .
ولذا يا إخوة يقول العلماء: إنّ مِن أشرف العلوم: أن يعلم الإنسان فقه الفتن، كيف يتعامل مع الفتن.
والمعلوم أيها الإخوة أنا نعيش زمنا كثرت فيه الفتن واشتد فيه جهل كثير من الناس بفقه الفتن، مما جعل كثيرا من شبابنا وإخواننا يتساقطون في الفتن ويكونون وقودا لها، وقاد بعض الشباب الذين يُرجى فيهم الخير إلى الوقوع في الفتن وإلى دلالة الناس على الفتن، فأصبح كثير من شبابنا لا يدري أين السلامة ولا يدري في أيّ اتجاه يسير حتى يكون من الغرقى في الفتن، وإن نجا منها فمخدوش.
ولذا يا إخوة العلم بالفتن وبفقه الفتن علم شريف؛ لأنه يبيّن للمسلم طريق السلامة قبل الوقوع.
ولذلك يقول السلف: "الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء وانغمس فيها الدهماء، وإذا أدبرت عرفها الدهماء"، لماذا؟ لأنّ الفتنة إذا أقبلت تتزيّن، تتزين بالغيرة على الدين، تتزين بقول المعروف، تتزين ويظن بعض الناس أنّ هذا لا يخاف في الله لومة لائم، فتتزين فتغر، فإذا أفسدتْ تكشّفت وهناك يعرفها الدهماء، وهذا ما فسّره مطرِّف بن عبد الله حيث قال: إنّ الفتنة إذا أقبلتْ تشبَّهتْ وإذا أدبرت تبيَّنت"، ويقول الحسن البصري: "إنّ هذه الفتنة إذا أقبلتْ عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".
ولذلك من العبارات الجميلة لأهل العلم في مسألة الفتنة جملة يسرة ما أجملها وما أعظم ما حملته من معنى يقولون فيها: "إنّ الفتن أولها يَغرّ وقد يَسرّ وآخرها حَنظل مُر"، الفتنة في أولها تغر من لم يعرف فقه الفتن وقد تسره ولكن عاقبتها عليه وعلى مجتمعه وعلى أمته، لابد أن تكون حنظلا مُراّ، ولا يمكن أن تنتج خيرا أبدا.
وأخطر الأمر في هذا يا إخوة أن يشتبه الأمر في الفتن على طلاب العلم الذين يعلِّمون ويخطبون الذين يراد منهم أن يكونوا مشعل نور للأمة أن يكونوا من الذين يدلّون الأمة على الخير.
بعض طلاب العلم قد تشتبه عليه الفتن؛ لعدم رسوخ أقدامهم في العلم، فيتكلمون في الفتن فلا يُصلِحون، بل يفسدون ولا يلتزمون فقه الفتن ولا يرجعون لأهل العلم؛ مما يوقِع كثيرا من الناس ومن العوام في الحيرة إن لم يكردسهم في الفتنة ويكبهم في جحيمها.

والمعلوم أيها الإخوة أنّ الفتنة إنما يهيّجها في العامة صنفان:

-الأول: من قصده حسن لكنه غير فقيه وغير راسخ في العلم، فهو عنده قصد حسن وعنده قلب طيب لكنه ليس عنده رسوخ في العلم.
- والثاني: من قصده سيئ، يريد الشر بالمسلمين.
وقد يستعمل الثاني الأولَ في تحقيق مراده. ولذلك بعض شباب الأمة يستعملهم أعداء الأمة للإفساد على الأمة بحجة الدين وبحجة التديُّن.
وكم رأينا من شبابنا الذين وقعوا في الفتن من صادهم أهل الشر، أنا وجدت بعض الشباب عندما ناصحناهم وعندهم فكر منحرف وجدتُ أنهم استندوا في أول انزلاقهم في الفتنة على تقارير مشبوهة من دول ليست مسلمة في دول مسلمة، قالوا: إنّ الدولة الفلانية ذَكَرَ تقرير الدولة الفلانية أنها أعانت على المسلمين في كذا وأعانت على المسلمين في كذا، وهذه لاشك أنها أمور تُدَس على هؤلاء الشباب في إيقاعهم في الفتنة.