رقم السؤال :15
رقم الشريط :518
السلسة : الهدى و النور
التوقيت : (00:45:10).
15- شرح حديث: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِيِ سَبِيلِ اللهِ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ؛ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)). وتعريف بيع العِينة.

نأتي إلى حكم آخر: الرِّبا مجمعٌ على تحريمه بين علماء المسلمين، بدلالة الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع الأمة، ما رأيكم؟
أيضًا -أرجو أن يكون الجواب بشيء من الدقة- أكثر التجار -أو لنقل: -قبل ما نحدد أكثر وأقل- تجار المسلمين اليوم هل فيهم من لا يتعاطَّى الرِّبا؟
السائل:
لا، ما يوجد!
الشيخ: يمكن يقول قائل: أنه أكثرهم يتعاطى.
السائل:
لا، يا شيخ! لا أحد
الشيخ: ها؟
السائل:
لا أحد ينجو.
الشيخ:
لا أحد ينجو، هذه هي الحقيقة.
إذن، لماذا؟ في سبب ثاني إذن.
نحن قلنا -جوابًا عن سؤال الأخ: بماذا تنصح؟-: بالعلم والعمل. هؤلاء التجار يعلمون أن الرِّبا محرم؛ ولكنهم لا يعملون بما يعلمون، لماذا؟ لأنه حُقَّ فيهم قول نبيهم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((سَتَدَاعَى عَلَيْكُم الأُمَمُ)) وهذا تَمثَّل أخيرًا مع الأسف بالحرف الواحد: ((سَتَدَاعَى عَلَيْكُم الأُمَمُ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا))؛ قَالُوا: أَوَ مِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ!؟ قَالَ: ((لاَ؛ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ؛ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الرَّهْبَةَ مِنْ صُدُورِ أَعْدَئِكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ))؛ قَالُوا: وَمَا الْوَهَنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: ((حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)).
لماذا أكثر التُّجَّار -خلينا نقول: مش كلهم التُّجَّار- لماذا أكثر التُّجَّار يتعاملون بالرِّبا؟ تحكَّم في قلوبهم حبُّ الدنيا، وكراهية الموت؛ كأنهم مخلَّدون في الدنيا.
جاء الحديث الآخر يوضِّح الموضوع بصورة أكثر؛ فيقول: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِيِ سَبِيلِ اللهِ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ؛ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
هذا الحديث من الأحاديث المهمة جدًّا جدًّا في العصر الحاضر؛ لأنه وصف الداء مقرونًا بالدواء؛ وصف الدواء بهذه العلل الأربعة: كان عن تعامل الربا بالعينة -بيع العينة-؛ ولعلكم تعلمون -جميعًا- ما هو بيع العينة، أو على الأقل نحتاط -أيضًا- في الكلام حتى ما نظلم الناس؛ لابد يكون واحد اثنين بيناتكم [بينكم] -إن شاء الله- يكون بهالعدد القليل- لا يعلم ما هو بيع العينة، والرَّسول يقول -يخاطب العرب أمثالكم-: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ)).
العينة: أن يأتي الرجل إلى التَّاجر، يتظاهر بأنه يريد أن يشتري حاجة؛ لنفترض يريد أن يشتري سيارة، والحقيقة لا يريد أن يشتري سيارة، الحقيقة يريد قرضًا؛ لكن هو يعلم أنه يعيش في مجتمع إسلامي اسمًا وليس إسلاميًا فعلاً؛ بدليل أن المجتمع الإسلامي وصفه الرَّسول عليه السَّلام في الحديث المشهور في الصحيح: ((مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ؛ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَر)).
إذن، المفروض في المجتمع الإسلامي أنه إذا وقع فرد من أفراده في ملمَّة، في مصيبة، واقتضت هذه المصيبة أن يستقرض مالاً أن يجد من يقرضه قرضًا لوجه الله حسنًا. لا يجد اليوم من يقرض هذا القرض الحسن! لماذا؟ لتفكك المجتمع بعضه عن بعض؛ ولذلك فهو يحتال: يذهب إلى التَّاجر؛ يقول: أنا أريد أن أشتري هذه الحاجة -نقول هي السيارة- بكام؟ التاجر يبدأ بمخالفة الشريعة: بعرض بيعتين في بيعة؛ يقول: هذه نقدًا بعشرة آلاف، وتقسيطًا: بزائد خمسمائة أو ألف. يقول له: لا، أنا ما عندي فلوس! بيقول له: إذن، إحدى عشر ألفًا، وهو ما عنده ولا ألف، هو أتى ليأخذ مالاً، بيقول له: أنا اشتريت بأحد عشر ألفًا، وبعد قليل: إجراء العمليات والكمبياليات وما شابه ذلك، بيرجع الشاري بايعًا، والبائع شاريًا! فيقول الشاري: أنا الحقيقة -يا أخ!- أنا أريد أن أبيعك هذه السيارة، اشتريها مني! يعرف التاجر أنه بحاجة إلى فلوس؛ فيبيعه بأبخس الأثمان، لنفترض أنه رأس مال السيارة على التَّاجر: تسعة آلاف؛ نقدًا بيربح ألف، تقسيطًا ألف ونص مثلاً، فهو بيرجع بيشتريها منه بثمانية آلاف، بيربح بقى ربيحين الآن!
هو بياخد ثمانية آلاف وينصرف في سبيله، هذه بيع العيينة، وهذا موجود في بعض البلاد العربية، التي كانت الآمال معقودة فيها أن ينبع الإسلام الصحيح من هناك.
بيع العيينة، أكياس من الأرز، ومن السكر تشترى بهذه الطريقة، ثم تباع ولم تتحرك هذه الأكياس من مخازنها!
فالرسول يقول: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ))؛ أي: أكلتم الربا، ((وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ))؛ يعني: التهيتم بوسائل الدنيا وكسب المال، كذلك: ((وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِيِ سَبِيلِ اللهِ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ)) هاي اليهود احتلوا البلاد العربية الفلسطينية، ((لاَ يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
الرجوع إلى الدِّين هو الجواب السابق: العلم النافع والعمل الصالح.
أما الرُّجوع إلى الدِّين -كما هو اليوم مفهوم- فيما يُسمُّونه بالحيل الشرعية، وفيما يُسمُّونه بالبنوك الإسلاميَّة، وفيما يُسمُّونه بالأناشيد الدينية، والفنون الإسلاميَّة؛ كلها تأخذ صبغة إسلاميِّة، وهي ليس لها صلة بالإسلام لا من بعيد ولا من قريب. والله المستعان.
فإذن، ï´؟وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَï´¾[1].
والله المستعان. غيره.
السائل: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإيَّاك.
[1] [التوبة: 105].