بسم الله الرحمن الرحيم
جزاك الله خيرا على هذا الجهد المبذول ، واسأله أن يجعله في ميزان حسناتك وعندي بعض الملاحظات .
1 – قولك :كما أن صلاة الجمعة والجماعة واجبة في المسجد على الرجال،
صلاة الجماعة فيها أربعة أقوال لأهل العلم ، أ – شرط لصحة الصلاة - فرض كفاية – ت – فرض عين – ج – سنة مؤكدة ، الأول للظاهرية ، والثاني للشافعي ، والثالث لطائفة من أهل الحديث ،وهو مذهب أحمد ، والرابع قول الجمهور وهو مذهب مالك .
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 2/126: قد ذهب إلى كون صلاة الجماعة فرض عين: عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وبالغ داود ومن تبعه، فجعلها شرطاً في صحة الصلاة، وقال أحمد: إنها واجبة غير شرط. وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثيرٌ من الحنفية والمالكية. والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة. وهذا ما ذكره ابن قدامة في المغني ، والنووي في المجموع .
وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" 3/158: وأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يُخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم أو مشئوم، وأما أنها فرض عين أو كفاية، أو شرط لصحة الصلاة، فلا.هذا باختصار ، وحكاية القول الواحد في المسألة التي يكون فيها الخلاف معتبرا تحجير لواسع ..
2 – وقولك أنها واجبة في المسجد ..
بهذا القيد غير صحيح ،فصلاة الجماعة على القول بوجوبها تكون واجبة في أي مكان وجدت فيه الجماعة ، ولا يشترط لها المسجد على القول الصحيح من أقوال أهل العلم ؛ بل لو جدت جماعة في فلاة وحضرت الصلاة فعليهم أن يصلوا جماعة وهي أفضل من الصلاة في المسجد بخمسين صلاة كما جاء الحديث ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلاها في غير المسجد ، أنا اختصر حتى لا تطول التعليقات ..
ثالثا : قولك على الرجال ،
لو استبدلت هذه اللفظة بغير فتقول : أنها واجبة على المكلفين من الرجال مع القدرة ..وانتفاء العذر فهذا الإطلاق غير لائق .
رابعا : قولك : ومما يدل على وجوبها في المسجد أنها شرعت جماعة في صلاة الخوف أن تيسر.
لو استدللت على وجوبها في المسجد بقوله تعالى :{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} لكان أولى وهو أوضح في المراد بارك الله فيك. خامسا : قولك: كذلك من الأدلة على وجوبها أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يعذر ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى للتخلف عن الصلاة في المسجد.
هذا الحديث ، وإن كان رواه مسلم فللعلماء فيه كلام فمنهم من ضعف متنه وقال ، أنه مخالف لمقاصد الشرع ، ومخالف للآيات قرآنية لأصحاب الأعذار .ومنهم من قال أنه منسوخ .. ومن مقاصد الشرع رفع الحرج عن العاجز الذي لا يقدر عن أمر ما ، ورفع المشقة أيضا عمن لا يستطيع ، وقد قال تعالى :{ لا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها } {وإلا ما آتاها} وقال:{ ما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال : {يريد بكم اليسر }هذا في العموم فكيف بمن نص القرآن بتعيينهم وذكرهم الله بأوصافهم؟
وقال السعدي في منظومته : ومن قواعد شرعنا التيسير-- في كل أمر نابه تعسير .
وهذا الحديث مخالف للنصوص التي ترفع الحرج عن المريض والأعمى والأعرج ،في قوله تعالى :{ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ..} النور .
وقوله {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا }(17)الفتح.
وعبد الله بن أم كتوم - رضي الله عنه – أعمى بنص القرآن ، وهو يقول :أنا ضرير( أعمى ) ولي قائد لا يلائمني ، والمدينة كثيرة الهوام والسِّباع. وفي رواية مسلم ليس لي قائد يقودني ، فكل هذه الأعذار ثم لا توجد له رخصة ..
إن الرخصة تعطى حتى لمن جاور المسجد ( بيت الله ) إذا كان مريضا أو لا يستطيع أن يحضر ، وقد تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد مع مرضه ، مع أن بيته مجاور للمسجد فجاءه بعض الصحابة يزورونه فحضرت إحدى صلاة العشي فصلى بهم ولو كانت لا رخصة لله لصاحب العذر لم يصل و لصلى في المسجد ولأمرهم بأن يصلوا في المسجد .
بل هو القائل : (( لا صلاة لمن سمع النداء ولم يجب إلا من عذر )) وأي عذر أعظم مما ذكره ابن أم مكتوم بل هي أعذار ..
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ»
إذا فالحديث معلول متنا وهو حديث مخالف لحديث آخر أصح وأقوى منه وهو في الصحيحين وهو حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ: كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم: إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ، وَالْمَطَرُ، وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ لي يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذْهُ مُصَلًّى، قال: فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم، فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لك، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم. أخرجه مالك (572) رواية أبو مصعب الزهري وأخرجه البخاري في عدة أماكن من صحيحه منها (424) و (425)، ومسلم بإثر الحديث (657).
وبوب عليه أبو عوانة في مستخرجه (4/84) بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ وَحْدَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهَا وَهُوَ تَارِكٌ لِفَضِيلَتِهَا، وَبَيَانُ الْخَبَرِ الْمُعَارِضِ لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ هُوَ الْآخَرُ النَّاسِخُ لَهُ. ويقصد بحديث يزيد الأصم حديث ابن أمي مكتوم ، وأنه عنده منسوخ أيضا وأن من صلى المكتوبة وحده لا إعادة عليه ..
وذكره النسائي باب : إِمَامَةُ الْأَعْمَى وإذا الإمام الأعمى الذي يؤم النّاس رخص له في حضور الجماعة وأنه ينوب عنه غيره فكيف بمن ليس بإمام وإنما هو واحد من المصلين.
هذا وأرجو أن تعذرني وأن يتسع صدرك لهذه المناقشة وأما البقية فقد أصبت فيها كبد الحق كما يقال وفقك الله وسددك .




رد مع اقتباس