• مُعوِّقات النَّهضة:
«أفاقت الأمَّة الجزائريَّة إفاقةً غيرَ منتظمة، لأنَّ الأحداث الَّتي سَبَّبتْ لها النَّوم حقنتها بأنواعٍ شَتَّى من المُخدِّرات، منها ما يُفسِدُ الدِّينَ، ومنها ما يُشَكِّكُ في اليقين، ومنها ما يزلزل العقل، ومنها ما يشُلُّ الإرادة، ومنها ما يُنسِي الماضي، ومنها ما يُغَـيِّرُ الاتِّجاه، ومنها ما يُزيغ النَّظر إلى الخير والشَّرِّ فيُغيِّرُ مفهومهما، ومنها ما يُفسِدُ الفِطرة، فلما أفاقت وجدت نفسها على مراحل من ماضيها، وعلى قَابِ قوسين من الاضمحلال والتَّلاشِي؛ ووجدت من الدِّين عقائِدَ لابسها الضَّلالُ في الفَهْم، والضَّلالُ في العَمَلِ، ومن المال أرزاقًا مُقَتَّرَةً يَبِضُّ بها الكَدُّ المُضنِي، والعَرَقُ الصَّبيبُ، ومن الصِّناعَةِ صَنْعةَ الجَمَلِ الَّتي لا تفيءُ عليه إلَّا النَّقب في الظَّهر، والوَجَى في الخُفِّ، والتَّحجُّر في الثَّفنات، ومن العِلم ألفاظًا بلا معانٍ، وقُشورًا بلا لُبابٍ؛ ومن التَّاريخ معَالِمَ طامِسَةً، وظُلمات دامِسَةٍ، ومن قِيَمِ الحياة الحَظُّ المغبُون، والأجر المَمْنُون، ومن المنازل الإنسانية منزلةَ المَضْيعَةِ والهوان. ووجدت بعد ذلك العذاب الواصِب فئةً منها، يلبسُون جلدتها، ويتَسَمَّوْنَ بأسمائها، ويتَكلَّمُون بلغتها، يَدْعُونَها إلى جهنَّم … فمنهم الَّذي يُزَيِّنُ لها الشَّرِّ، ومنهم الَّذي يقبِّحُ لها الخير … فيهم من يُهَدِّئُها، وليس فيهم من يهديها! كلهم يُنَوِّمها، وليس فيهم من يُقَوِّمُها!».
[آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (٣/٢٦٠)]