القول المسدد في تصحيح مفاهيم خاطئة في التعدد[ج2]
حكم التعدد :
يقول العلامة أحمد شاكر رحمه في كتابه كلمة حق :
وها هو التاريخ يعيد نفسه ، فقد تجرأ بعض من يعرف القراءة والكتابة من الرجال والنسوان في أيامنا هذه على وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ، فجعلوا أنفسهم مجتهدين في الدين يستنبطون الأحكام ، ويفتون في الحلال والحرام ، وينظرون لحكوماتهم ، ويسبون علماء الإسلام بحق إذا أرادوا أن يعلموهم ، ويوقفوهم عند حدهم ،وأكثر هؤلاء الأجرياء ممن لا يعرفون من الرجال والنساء لا يعرفون كيف يتوضئون ، ولا كيف يصلون ، بل ربما لا يصلون نهائيا ، ولكنهم في مسألة التحليل والتحريم مجتهدون ، وخاصة مسألة تعدد الزوجات ، فيستدلون بآيات قرآنية يحرفونها عن معانيها الصحيحة، لما يوافق أهواءهم ،ومرادهم، ويؤولونها كيفما شاءوا ، مع أن أكثرهم لا يؤمن بها.
وعن صنيعهم هذا الإجرامي ، وعن جرأتهم هذه المنكرة دخل في الأمر غير المسلمين وكتبوا آراءهم مجتهدين كسابقيهم يستنبطون من القرآن أقوالا منحرفة معتمدين على عقولهم الكالة المتطرفة وهم لا يؤمنون بالقرآن ، وإنما ليخدعوا المسلمين ويضلوهم عن دينهم الحق ، حتى أن أحد الكتاب غير المسلمين كتب في إحدى الصحف اليومية التي ظاهر أمرها أن أصحابها مسلمون ، كتب مقالا بعنوان :<< تعدد الزوجات وصمة >> أي عار فشتم بهذه الجرأة الشريعة الإسلامية ، وشتم جميع المسلمين من بدء الإسلام إلى الآن ، ولم نجد أو نسمع أحدا حرك في ذلك ساكنا مع أن اليقين أنه لو كان العكس وتجرأ كاتب مسلم على شتم شريعة ذلك الكاتب ومذهبه لقامت الدنيا وقعدت ،ولكن المسلمون مؤدبون .
شبهات والرد عليها :أو قل التدرج في طمس معالم الدين .
الشبهة الأولى :
وبعد : فإن أول ما اصطنعوا من ذلك ؛ أن اصطنعوا الشفقة على الأسرة وعلى الأبناء خاصة ؛ وزعموا أن تعدد الزوجات سبب لكثرة المتشردين من الأطفال ؛ بأن أكثر هؤلاء من الأباء فقراء تزوجوا أكثر من واحدة ؛ وهم في ذلك كاذبون ، والإحصاءات التي يستندون إليها هي التي تكذبهم ، فأرادوا أن يشرعوا قانونا يحرم تعدد الزوجات على الفقير ، ويأذنون به للغني القادر ؛ فكان هذا سوأة السوءات ؛ أن يجعلوا هذا التشريع الإسلامي السامي وقفا على الأغنياء ، ولم يعلموا أن الزواج من أعظم أسباب الغنى ، ثم لم ينفع هذا ، ولم يستطيعوا إصداره ، فاتجهوا وجهة أخرى يتلاعبون فيها بالقرآن ؛ فزعموا أن إباحة التعدد مشروط بشرط العدل، وأن الله سبحانه أخبر بأن العدل غير مستطاع فهذه أمارة تحريمه عندهم إذا قصّروا استدلالهم على بعض الآية وتركوا باقيها :{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حصرتم }} وتركوا ما فيها :{{ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة }}.
فكانوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه ، أو كمن يقرأ قوله تعالى :{{ ويل للمصلين }} ويتوقف ليدل أن الله تعالى توعد المصلين بالويل وهو الهلاك .
ثم ذهبوا يتلاعبون ببعض الألفاظ ، وببعض القواعد الأصولية ، فسموا تعدد الزوجات [[ مباحا ]] وأن لولي الأمر أن يقيد بعض المباحات بما يرى من القيود للمصلحة . سبحان الله ؟؟؟وهم يعلمون أنهم في هذا كله ضالون مضلون ، فما كان تعدد الزوجات مما يطلق عليه لفظ [[ المباح ]] بالمعنى العلمي الدقيق ، أي المسكوت عنه ، الذي لم يرد نص بتحليله أو تحريمه ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم :<< ما أحل الله فهو الحلال ، وما حرم فهو الحرام ، وما سكت عنه فهو عفو >> بل إن القرآن نص صراحة على تحليله ، بل جاء إحلاله بصيغة الأمر التي أصلها للوجوب {{ فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ..}} وإنما انصرف فيها الأمر من الوجوب إلى التحليل بقوله {{ ما طاب لكم }} ويبقى أصل التعدد تعتريه الأحكام الخمسة من وجوب ، واستحباب ، وحرمة ومكروه وإباحة ، كالزواج تماما كل بحسبه .
وصدّر هذه الآية المذكورة آنفا وما فيها من أمر بالتعدد الذي هو الأصل في الزواج بالمثنى ،والثلاث، ثم ختم الآية بالفرع وهو الواحدة ، الذي يصار إليها ضرورة ، عند غلبة الظن عند المتزوج أنه يتيقن من نفسه عدم العدل ، بل يغلب على ظنه الظلم والجور لبعض زوجاته .
ونقول أيضا ردا عليهم إن الظلم المحتمل للزوجات في التعدد هو موجود في الاكتفاء بالواحدة ، فالكثير ممن تزوجوا واحدة يظلمون زوجاتهم وهن يعشن حياة تعيسة شقية بسبب الظلم الواقع عليهن، بل منهن من تعيش جحيما لايطاق . واليوم ربما العكس صحيح بعد أن أعطيت العقوق وأصبح كثير من الرجال يعيشون الجحيم مع زوجاتهم ...
ثم هم يعلمون – علم اليقين – أنه حلال بكل معنى كلمة [[ الحلال ]] بنص القرآن وبالعمل المتواتر الواضح الذي لا شك فيه ، منذ القرون الأولى إلى عهد الإسلام ، إلى يوم الناس هذا ، ولكنهم قوم يفترون .
ويواصل فيقول: وشرط العدل في هذه الآية {{ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة }} شرط شخصي لا تشريعي ، أعني أنه شرط مرجعه لشخص المكلف ، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء ، فإن الله قد أذن للرجل بصيغة الأمر أن يتزوج ما طاب له من النساء ، دون قيد بإذن القاضي ، أو بإذن القانون ، أو بإذن ولي الأمر ، أو بإذن الزوجة الأولى ، أو غير ذلك وأمره أنه إذا خاف من نفسه أن لا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة ، وبالبداهة أن ليس لأحد سلطان على قلب المريد للزواج حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه ، بل ترك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده ، ثم علمه الله سبحانه أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة من جميع الوجوه لايدخلها ميل ، فأمره أن لايميل إذا حصل منه ذلك كل الميل فيذر
بعض زوجاته كالمعلقة ،فاكتفى ربه منه في طاعة أمره بالعدل ، أن يعمل منه بما استطاع ، ورفع عنه اللوم عما لم يستطع .
قال الله تعالى : {{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ،فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ..}} ابتدأ الله سبحانه وتعالى الآية بالتعدد والحال الأفضل منه وهو من كانت له زوجتان ،ثم تدرج فيه حسب أحوال الناس وقدراتهم ، فمن عجز عنه فليكتفي بالواحدة ، فمن عجز عنها فلعيه بالإيماء اللواتي يملكهن ، وفي هذا إلتفاتة طيبة وهي أن الأصل في الزواج للرجل هو التعدد كل حسب حاله وقدرته، والعجز عنه يصرفه إلى الفرع ،فإن عجز عن زواج الواحدة التي هي الفرع ، فعليه بالجواري المملوكات مما تملك يمينه ، ولا يلجأ إلى نكاح المتعة كما يقوله الروافض . فإن لم يجد فعليه بالصبر والصوم والعفة قال تعالى :{{ فليستعفف الذين لايجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله }} .
تنبيه : لعل لقائل أن يقول : لماذا لايعمل الرجل بهذه الآية ، ويستعفف حين يملك القوة والقدرة ولا يعدد ،بل يكتفي بالواحدة ؟فالجواب عليه أن يقال : لو كانت تلك العوارض لا تحصل للمرأة إلا مرة أو مرتين من الدهر لصبر عليها وعف نفسه عن غيرها ، ولكن هذه الحالات تتكرر مع المرأة دوريا ، وربما غلبت على حياتها ، فلذلك أباح الله له أن يعدد إن كان قادرا قويا فإن لم يكن كذلك استعفف والله اعلم .
كما قال تعالى :{{ وليستعفف الذين لا يجدون نكحا حتى يغنيهم الله من فضله }} وإذا ملك الرجل القدرة والقوة وأغناه الله من فضله استحب له أن يعدد من النساء ما شاء إلى الأربع ، وهذا حق أعطاه له الكحيم العليم فإذا قلت الرجال ، وكثرت النساء كما هو الحال اليوم ، وجب على كل من له القدرة أن يعدد من أجل مقصد هو من أعظم مقاصد الشريعة ، وهو حماية المجتمع من الانحلال الخلقي ، والوقوع في الفواحش ما ظهر منها وما بطن .وتكثير سواد الأمة المحمدية الذي رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم .
والخلاصة أن التعدد تعتريه الحكام الخمسة من واجب ومستحب ، وحرام ومكروه ومباح ، كل بحسبه ، فمن الناس من يكون في حقه واجبا ويكون بتركه آثما ، ومنهم من يكون في حقه مستحبا وهكذا ..
تصحيح بعض المفاهيم :
1 - يعتقد الكثير من الناس أن العدل المطلوب في قوله تعالى :{{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ..}} هو العدل في كل جوانب الحياة الزوجية من نفقة ومبيت وشهوة وحب ومعاشرة بالمعروف وغير ذلك ، وهذا فهم خاطئ ورأي عاطل ..
والفهم الصحيح أن العدل المطلوب هو في النفقة والمبيت والمعاشرة بالمعروف ، والإحسان ، وإذا أمكن الجماع، فهذا أكمل وأفضل .
قال النووي في المجموع شرح المهذب :[ج16/430] ويستحب لمن قسم أن يسوي بينهن في الاستمتاع ؛ لأنه أكمل في العدل . وفيه أيضا [ج16/433]قال: .. غير أن المستحب أن يساوي بينهن في الوطء لأنه هو المقصود .
فإن لم يمكن التسوية في الوطء لعدم الداعي إليه ، أو عدم الانتشار فهو معذور، والجماع غير داخل في العدل للعوارض التي ذكرتها في المرأة ، ولعوارض أخرى خارجة عن طاقته تجعل الرجل يميل إلى إحدى زوجاته...
يبينه قوله تعالى :{{ .. ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ..}} فهذا الميل هو الميل القلبي ، فقد سئل رسول الله عن أحب الناس إليه قال عائشة .. وقد كان يقسم للنسائه بالسوية ويقدم حب عائشة على حبهن ، وقد رفع الله اللوم على الرجل في ذلك ، إن حصل منه ميل ، ونهاه أن يميل كل الميل فيضيع حق الأخريات من زوجاته ، فيذرها معلقة لا هي زوجة ولا هي مطلقة ، والله الذي قال : {{ فإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء فانكحوا .. فواحدة ..}} هو الذي قال :{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصمتم فلا تميلوا كل الميل ..}} أي فبعض الميل معفو عنه لكم .
والناظر في الآيتين يظهر له كأن فيهما التعارض إذ يأمرهم بالعدل بقوله :{{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ..}} ثم يقول لهم :{{ فإن خفتم ألا تعدلوا .. }} أي من أنفسكم بين زوجاتكم. فيقال : فمن خاف العدل من نفسه مع زوجاته فإنه يخافه مع الزوجة الواحدة ولذلك قال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ، فيمكن أن يظلم الواحدة ولا يعدل معها ، كما يمكن أن يعدل بين الزوجات ولا يظلمهن ، لأن مسألة العدل القلبي بالحب والشهوة فوق طاقتكم لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء . كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن كثير رحمه الله : عند تفسير قوله تعالى :{{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ..}} أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه ، فإنه إن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة .
وقال أيضا في قوله تعالى :{{ فلا تميلوا كل الميل }} أي فإن ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية {{ فتذروها كالمعلقة }} أي فتبقى هذه الأخرى معلقة .
والأدلة من السنة على أنه لا يجب على الرجل التسوية في الحب والجماع كثيرة منها ما رواه البخاري بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على حفصة فقال : يا بنية ، لايغرنك هذه التي أعجبها حسنها
حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها – يريد عائشة – فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فتبسم .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه : << أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ؟>> استبطاء ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي .رواه البخاري ومسلم .
يتبع إن شاء الله ...




رد مع اقتباس
