القول المسدد في تصحيح مفاهيم خاطئة في التعدد[ج3]


وعن عائشة رضي لله عنها قالت : أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله ، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي ، فأذن لها ، فقالت : يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة . وأنا ساكتة، قالت : فقال لها رسول لله صلى الله عليه وسلم :<< أي بنية ألست تحبين ما أحب >> ؟ فقالت : بلى . قال :<< فأحبي هذه >> قالت : فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلن لها : ما رأيناك أغنيت عنا من شيء ، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له : إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة . فقالت فاطمة : والله لا أكلمه فيها أبدا . قالت عائشة : فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي ، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ، ولم أر امرأة قط خيرا في الدنيا من زينب ، وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدَّق به وتقرب به إلى الله تعالى ، وما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة ، قالت : فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلت فاطمة عليها وهو بها ، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله ، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في بنت أبي قحافة ، قالت : ثم وقعت بي فاستطالت علي ، وأنا أرقب رسول الله ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها ، قالت : فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر ، قالت : فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها ، قالت : فقال رسول الله وتبسم : << إنها ابنة أبي بكر>> رواه مسلم .
وقال ابن القيم رحمه الله : في الزاد [ج5/151]: لا يجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا تملك ، وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه ، وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب ، وفي هذا تفصيل وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو معذور ، وإن تركه مع الداعي إليه ولكن داعيه إلى الضرة أقوى فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه ، فإن أدى
الواجب عليه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية ، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به .أهـ .
وقال أحمد شاكر رحمه الله :وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف ، مما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف ، ولذلك لايعقل أن يكون شرطا في صحة العقد ، بل هو شرط نفسي متعلق بنفس الملكف المريد للزواج ، فيمكن أن يتصرف فيه في كل وقت بحسب حاله ، فرب رجل عزم على الزواج المتعدد ، وهو مصر في قلبه على عدم العدل ، ثم لم ينفذ ما كان مصرا عليه ، وعدل بين أزواجه فهذا لا يستطيع أحد يعقل التشريع الإسلامي أن يدعي أنه خالف أمر ربه إذ أنه أطاع الله بالعدل ، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه – بداهة – خصوصا وأن النصوص كلها صريحة في أن الله لا يؤاخذ العبد بما حدث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم .والحديث في ذلك صريحا .
ورب رجل تزوج زوجة أخرى عازما في نفسه على العدل ، ثم لم يفعل فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل؛ ومخالفة أمر ربه ، ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثر على أصل العقد بالزوجة الأخرى ، فنقله من الحل والجواز إلى البطلان .

وجوب المساواة بين الزوجات في النفقة والقسمة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : مجموع الفتاوى[ج32/270].
وأما العدل في النفقة والكسوة فهو السنة أيضا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة كما كان يعدل في القسمة { أي المبيت } مع تنازع الناس في القسمة هل كان واجبا عليه أو مستحبا له ؟ كما تنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب أو مستحب ؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة .
قال القرطبي رحمه الله : تفسير القطبي [ج14/214]. على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة ، وهذا قول عامة العلماء ، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار . ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها ، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها . وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته ، إلا أن يعجز عن الحركة فيقيم حيث غلب عليه المرض .
وقال الإمام مالك كما نقله عنه القرطبي : ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال .فأما الحب والبغض فخارجان عن الكسب فلا يتأتى العدل فيهما ، وهو المعنى يقوله صلى الله عليه وسلم :<< اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا املك >> أخرجه النسائي ، وابو داود عن عائشة رضي الله عنها .وهذا الحديث في صحته نظر ، فقد تكلم عليه بعض أهل العلم .
والذي يظهر – والله أعلم – أن القول بالوجوب أقوى وأشبه بالكتاب والسنة كما قال ابن تيمية رحمه الله ، ويؤيد هذا الوعيد الذي جاء في الميل لأحدى الزوجات ، بأن ينفق على هذه دون هذه أو يقسم لواحدة أكثر من الأخرى . لقوله تعالى :{{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }} وقال سبحانه :{{ ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }} .ولقوله صلى الله عليه وسلم : << من مال لأحدى زوجاته جاء يوم القيامة وشقه مائل>>. أنظر له صحيح الجامع [ح 6391] والأحاديث الصحيحة :[ ح2077] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم بعثته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع عليه رطب ، فجعل يقبض قبضته فيبعث بها إلى بعض أزواجه ، ويقبض القبضة ويبعث بها إلى بعض أزواجه ، ثم جلس فأكل بقيته أكل رجل يعلم أنه يشتهيه. رواه أحمد في مسنده . وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين للشيخ مقبل [1/52].
2- ومن المفاهيم الخاطئة ، أن الكثير من النساء تمنع زوجها عن التعدد حتى وهي عاجزة عن إعطائه حقه ، وحتى لو كانت مريضة ، فهو يدخل البيت فيجدها في لباس العمل دائما نفس اللباس ، رائحة الثوم والبصل ، والعرق تنبعث منها ، ولا تهتم بنفسها ، وإذا جاءت مناسبة ، لبست أحسن ما تجد ، وتزينت بأجمل الزينة وكأنها ليست تلك الزوجة التي رأها أول مرة
فطار عقله عليها ، وملكت عليه قلبه ، فأحبها ، فأصبحت زاهدة فيه ، تتزين لغيره خارج البيت وكأن هناك من ينتظرها ، أو أنه يوم زفافها ،وبمجرد ما ترجع إلى البيت تعود حليمة إلى عادتها القديمة ،أما في البيت فكما وصفت ، فالبيت غير منظم ، والصراخ ورفع الصوت ، وعدم اللامبالاة ، وعدم الاهتمام بالزوج، وضرب الأولاد والعجز عن توجيههم وتربيتهم ، واللوم ،والإلحاح في الطلب من التكاليف للتتزين لغيره ، ويخرج المسكين خارج البيت ، فيرى ما يراه غيره أيضا من الجميلات ، اللواتي تزين وخرجت لعرض مفاتنهن ، فإذا رجع إلى البيت يرى ما يدفعه إلى النفرة والهروب خارج البيت ، حيث الحرية التي تحل بها الكارثة والدمار ، ونبينا عليه الصلاة والسلام ييقول :<< إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله فإن معها الذي معها >> فإلى أين يذهب المسكين والحالة كما وصفت ، وإذا صبر ووطأ على قلبه -كما يقولون- وأتاها فلا يتمتع بها كما يشتهي ، وربما وجدها حائض أو مريضة ، أو نفساء ، فينتظر المسكين حتى تنتهي مدة الحيض والنفاس ، والمرض ثم يأتي شهوته وقد تضرر بحسبها في نفسه ، لأن تعطيل وظيفة التناسل عند الرجل تسبب له ضررا بالغا في حياته . وقد لا يصبر فيأتي الحرام والعياذ بالله ، كما هو حال الكثير .

3- اعتقاد أن المرأة مظلومة بالتعدد:

ولقد يعتقد الكثير ممن جهلوا أو تجاهلوا مقاصد الشرع الحكيم أن المرأة مظلومة بالتعدد فسعوا بكل ما أوتوا لأنصافها من هذا الظلم ، حتى انقلبت الموازين وأعطيت المرأة كل شيء حتى جردوا الرجل من جميع حقوقه ، فلا يتسطيع أن يبدي أي اعتراض عليها ، والويل له إن فعل ، فقد قيدوا حريته ومنعوه من التعدد إلا بإذن الأولى ، وعلمها وموافقتها ، وتوقيعها ،حتى توصلوا أن يجبروه على أن يخلي لها البيت إن حصل وطلاقها ،لتأتي برجل آخر يسكن في بيته وملكه ، وهذا ظلم وأي ظلم ،وكل ذلك مخالف لشرع رب العالمين الذي أباح للرجل أن يتزوج من النساء ما شاء إلى الأربع ، دون إذن من زوجاته ولاعلمهن ، ولا موافقتهن أو توقيعهن ، قال تعالى :{{ وإن خفتم أن لاتعدلوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ...}} الآية وهذا الخطاب للرجل ، ولايوجد ما يقيد هذا الخطاب فله أن يتمتع منهن إلى الأربع ،دون قيد المرض أو العقم ،أو غير ذلك مما جعلوه سببا في المنع .
وفي قوله تعالى :{{ ما طاب لكم }} دليل على قصد مجرد التمتع وإشباع الغريزة في نفسه كما يشبع من أكل الطيبات بينه قوله تعالى :{{ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ..}} وليس كما يعيبه كثير من الجهال على من يعدد أنه رجل شهواني ، يريدون بذلك أن يبدلوا فطرة الله التي فطر الرجال عليها ، أو أن ينكروا حقائق دفينة في أنفسهم ، مع أن الكثير منهم ربما يأتيها في الحرام .
ومن جهة أخرى أباحوا الإختلاط بين الجنسين على أوسع نطاق ، فترى المرأة زوجها وسط نساء أجنبيات ، في جميع مجالات الحياة ، بل تراه يجلس إليهن ويختلي ببعضهن وربما وقع في المحظور ،بل منهن من تقول : أنها ترضى أن يفعل الفاحشة بعيدا عن عينيها ، ولا ترضاه أن يتزوج بأخرى ، ولا تغار على انتهاكه لحدود الله ، وإذا أراد الحلال ليعف نفسه ويستر امرأة أخرى ، انتفضت ورفضت وغارت ،وصاحت ، وهي تزعم أنها تحب زوجها ، وهذا غير صحيح ، والحقيقة أنها لاتحب زوجها ، وإلا كيف تحرمه من حق أعطاه الله له ، وهو في صالحها ، فالمستفيد الأول من التعدد هو المرأة ، ولو عرفت قيمته ، وما فيه من المصالح والمنافع لها لحرصت عليه كل الحرص ،حتى يعف زوجها ، وتعف أختها ويعف مجتمها .

بعض فوائد التعدد:

ومن فوائد التعدد التي تعود على المرأة بالخير والفائدة أن يكون لها من الوقت ما تعبد فيه ربها وتتعلم دينها ، وتربي أبناءها ،وتوافق بين خدمة بيتها ومطالب زوجها ، فالكثير من النساء من يقصرن في خدمة الزوج ومعاشرته كما أمر سبحانه وتعالى ،والكثير منهن من تجهل أوتتجاهل تلك الفوائد،ولا تحب أن يتكلم لها أحد في الموضوع، أو أن يفاتحها فيه .
ومنها أيضا أن التعدد يدفعها للتنافس والغيرة المحمودة ، والنشاط والرغبة في الزوج والاشتياق إليه والرغبة في لقائه ، مما يجدد في قلبها الحب والمعاشرة ، وخاصة إذا كان للزوج أربع نسوة ، فقد قسم لها المولى يوما من أربعة أيام مما يفسح لها المجال أن تسعد وتتهيء في شوق وحب إليه ، كالقادم من غيبة ، فما أحسن هذا التشريع ، فإذا رأى الزوج تنافس زوجته وحرصها على استقباله ، والشوق إليه دفعه ذلك لحبها وإكرامها ومعاشرتها بالإحسان والمعروف ، والقسمة لها بالعدل .
ومنها : أن هذه المرأة التي ترفض التعدد قد يموت عنها زوجها ، أو تطلق ، أو تستحيل هي الحياة بينها وبين زوجها فتطلب الطلاق ، فتطلب زوجا آخرها يمكن أن تكون سعادتها معه فلا تجد ، وترفض من المجتمع كما رفضت هي أن يشاركها غيرها من المحرومات ، والجزاء من جنس العمل .
وهذه المرأة إن كرهت التعدد لذاته كتشريع شرعه الله فقد يحبط عملها لقوله تعالى: {{ ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم }} ، وإن كرهت ذلك معتقدا أنها مظلومة ، فقد اتهمت ربها الذي شرع ذلك بأنه غير حكيم في تشريعه ذلك ، وإن كرهت ذلك خوفا من ميل زوجها وعدم عدله فقد منعته حقه وتعدت عليه ولم تطعه ما أعطاه الله ، وبهذا يتبين أنها لاتحبه ، والظلم الذي يمكن أن يقع عليها مع غيرها فقد يمكن أن يقع منه عليها أكثر وأكثر وهي زوجة واحدة فكم رأينا وسمعنا عن ظلم الكثير من الرجال الذي اقتصروا على الواحدة ، وهذه المحاكم تشهد بذلك ، بل إن الإحصائيات تقول أن الذين عددوا يقل فيهم الطلاق ويكثر فيهم الانسجام والعدل . فسبحان من يعلم خبايا النفوس!!

يتبع إن شاء الله ...