الجزء الثاني : من اقوال السلفي ...
قول المجيزين للإمام وغيره أن يؤم في القيام يقرأ من المصحف :*
قال الإمام أحمد بن علي المقريزيرحمه الله (1). باب الإمام يؤم في القيام يقرأ في المصحف :
تقدم أن عائشة رضي الله عنها كان يؤمها غلام لها في المصحف ؛ وكان يقال له ذكوان في رمضان بالليل . وسئل ابن شهاب ( الزهري )* عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: مازالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام ، كان خيارنا يقرءون في المصاحف .
عن إبراهيم بن سعد عن أبيه أنه كان يأمره أن يقوم بأهله في رمضان ويأمره أن يقرأ لهم في المصحف ويقول أسمعني صوتك .
وعن قتادة رحمه الله عن سعيد بن المسيب في الذي يقوم في رمضان إن كان معه ما يقرأ به ليلة وإلا فليقرأ من المصحف ، فقال الحسن ( البصري )*(2) ليقرأ بما معه ويردده ولا يقرأ من المصحف كما تفعل اليهود .قال قتادة : وقول سعيد أعجب إلي .
وعن أيوب ( السختياني )*رحمه الله عن محمد(بن سيرين )* رحمه الله أنه كان لا يرى بأسا أن يؤم الرجل القوم في التطوع يقرأ في المصحف.
وقال عطاء(ابن أبي رباح )* في الرجل يؤم في رمضان من المصحف لا بأس به . وقال يحي بن سعيد الأنصاري رحمه الله : لا أرى بالقراءة من المصحف في رمضان بأسا يريد القيام .
----------------------------
1 - في كتابه مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص101). وأصل هذا المختصر لمحمد بن نصر المروزي .
2 – ورد عن الحسن الكراهية ، والجواز ، وروي عنه أنه قال : لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد (يعني ما يقرأ ظاهرا )قال حبيب الرحمن الأعظمي في تحقيقه لمصنف عبد الرزاق (ج2/420): وبه يجمع بين أقواله .
* - كل ما بين قوسين إضافة توضيحية مني .
* - أنظر البدع والحوادث فقد ساق جملة من أقوال المجيزين (146 – 148 ).


الصحفة [2]
وعن ابن وهب رحمه الله سئل مالك رحمه الله عن أهل قرية ليس أحد منهم جامعا للقرآن أترى أن يجعلوا مصحفا يقرأ لهم رجل منهم فيه ؟ فقال لا بأس به .
وعن أحمد رحمه الله في رجل يؤم في رمضان في المصحف فرخص فيه .فقيل له يؤم في الفريضة ؟ قال : ويكون هذا؟
وأخرج عبد الله ابن أبي دواود السجستاني : في كتابه المصاحف (ص220 ) : عدة آثار تحت عنوان : وقد رخص في الإمامة في المصحف (1)، ثم ساقها بسنده حيث قال : حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنه كان يؤمها عبد لها في مصحف .(2).
ومن طريق محمد بن يسار قال: أخبرنا محمد( بن سيرين) حدثنا شعبة (بن الحجاج )عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنه كان يؤمها غلام لها في المصحف .
ومن طريق يحي بن محمد بن السكن ، حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا يونس عن الزهري عن القاسم أن عائشة كانت تقرأ في المصحف فتصلي في رمضان أو غيره .ومن طريق محمد بن سلمة المرادي ، حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن القاسم أن عائشة كانت تقرأ في المصحف فتصلي في رمضان .
----------------------------
1- وكذلك أخرج هذه الآثار بأسانيده ابن أبي شيبة في مصنفه ( ج2/ 337 –338 ) ، وكذلك أخرج بعضا منها عبد الرزاق في مصنفه (ج 2/ 420).
2 - أخرجه البخاري معلقا (الفتح 2/216 )وقال ابن حجر :استدل به على جواز قراءة المصلي من المصحف ، ومنع منه أخرون لكونه عملا كثيرا في الصلاة . وعلق عليه الشيخ ابن باز بقوله : والصواب الجواز كما فعلت عائشة رضي الله عنها ، لأن الحاجة قد تدعوا إليه ، والعمل الكثير إذا كان لحاجة ولم يتوال لم يضر الصلاة لحمله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة ، وتقدمه وتأخره في صلاة الكسوف ، ولأدلة أخرى مدونة في موضعها .


الصفحة[3]
ومن طريق عبد الله بن سعيد ، حدثنا ابن علية ( هو إسماعيل )عن أيوب عن القاسم بن محمد(بن أبي بكر ) قال :كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف .
ومن طريق إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سليمان ، حدثنا حماد(بن سلمة) عن أيوب ( السختياني )بهذا.
ومن طريق أحمد بن سعيد بن بشر ، حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمها ذكوان في المصحف .
ومن طريق علي بن محمد بن أبي الخصيب قال: أخبرنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة: أنها أعتقت غلاما لها عن دبر فكان يؤمها في شهر رمضان في المصحف .
ومن طريق علي بن أبي الخصيب، حدثنا وكيع عن الربيع ( بن صبيح)عن الحسن قال: لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد(يعني من يقرأ بهم).
ومن طريق عبد الله بن محمد بن خلاد، حدثنا يزيد، حدثنا مبارك عن الحسن أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ أن يردده ويؤم به في رمضان وإن لم يكن معه شيء أن يقرأ في المصحف
ومن طريق هارون بن إسحاق ابن فضل عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: لا بأس أن يقرأ في المصحف يؤم به .
ومن طريق أسيد ين عاصم ، حدثنا عبد الله بن حمران ، حدثنا الأشعث عن الحسن أن كان لا يرى بأسا أن يؤم الرجل القوم في المصحف .
ومن طريق هارون بن سليمان ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا رباح عن عطاء أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ في المصحف في الصلاة .
ومن طريق أحمد بن سعيد الهمذاني ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا معاوية عن صالح بن يحيى بن سعيد الأنصاري قال : لا أرى بالقراءة من المصحف في رمضان بأسا (يريد القرآن ).
ومن طريق إبراهيم بن مروان بن محمد الطاطري، حدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن محمد قال : حدثني محمد بن عبد الله بن أخي بن شهاب قال : سألت ابن شهاب عن القراءة في المصحف يؤم الناس.فقال : لم يزل الناس منذ كان الإسلام يفعلون ذلك .
ومن طريق أبو الطاهر قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله بن أخي بن شهاب عن عمه عن رجل يصلي لنفسه أو يؤم قوما هل يقرأ في المصحف ؟ فقال : نعم ، لم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام .
ومن طريق أبو الربيع ( سليمان بن داود ) أنبأنا ابن وهب قال : سمعت مالكا وسئل عمن يؤم الناس في رمضان في المصحف ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا اضطروا إلى ذلك ، قال : وكان العلماء يقومون لبعض الناس في رمضان في البيوت .
ومن طريق يعقوب بن إسحاق القلوسي ، حدثنا المعلى بن أسد حدثنا المعلى بن الأغلب قال: أخبرنا يونس قال: دخل على ابن سيرين وهو يصلي قاعدا يقرأ في مصحف وفي يده مروحة يتروح بها.


الصفحة [4]
قول المانعين للإمام أو غيره أن يؤم في القيام يقرأ في المصحف (1).
قال الإمام أحمد بن علي المقريزي رحمه الله (2). باب من كره أن يؤم في المصحف .
عن الأعمش رحمه الله عن إبراهيم رحمه الله كانوا يكرهون أن يؤم الرجل في المصحف كراهية أن يتشبهوا بأهل الكتاب .
عن ليث (رح) عن مجاهد (رح)أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف، ومر سليمان بن حنظلة بقوم يؤمهم رجل في مصحف في رمضان على مشجب فرمى به.وعن الشعبي أنه كره أن يقرأ الإمام في المصحف وهو يصلي.وقال سفيان يكره أن يؤم الرجل القوم في رمضان في المصحف أو في غير رمضان، يكره أن يتشبه بأهل الكتاب.
وعن أبي حنيفة رحمه الله في رجل يؤم القوم يقرأ في المصحف أن صلاته فاسدة وخالفه صاحباه فقالا صلاته تامة ويكره هذا الصنيع لأنه صنيع أهل الكتاب .قال محمد بن نصر رحمه الله : ولا نعلم أحدا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته إنما كره ذلك قوم لأنه من فعل أهل الكتاب ، فكرهوا لأهل الإسلام أن يتشبهوا بهم فأما إفساد صلاته فليس لذلك وجه نعلمه لأن قراءة القرآن هي من عمل الصلاة ونظره في المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته ، ثم لا يفسد صلاته بذلك في قول أبي حنيفة وغيره ، فشبه ذلك بعض من يحتج لأبي حنيفة بالرجل يعترض كتب حسابه أو كتبا وردت عليه فيقرأها في صلاته وأن لم يلفظ بها فإن ذلك يفسد صلاته فيما زعم .قال محمد بن نصر رحمه الله : قراءة القرآن بعيدة الشبه من قراءة كتب الحساب والكتب الواردة لأن قراءة القرآن من عمل الصلاة وليست قراءة كتب الحساب من عمل الصلاة في شيء فمن فعل ذلك فهو كرجل عمل في صلاته عملا ليس من أعمال الصلاة فما كان من ذلك خفيفا يشبه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في صلاته مما ليس هو من أعمال الصلاة أو كان يقارب ذلك جازت الصلاة وما زاد عن ذلك فسدت صلاته.
----------------------------
1 – قول من قال بالمنع إنما من باب الكراهة التنزيهية ،ولا نعلم أحدا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته كما قال المروزي.
2 – مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص101 ).


الصقحة [5]
حدثنا يحي بن يحي عن مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عاشة رضي الله عنها قالت : أهدى أبوجهم بن حذيفة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال ردوا هذه الخميصة إلى أبي جهم فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني .قلت : ولم تفسد صلاته صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي داود (1)(2 )تحت عنوان : هل يؤم القرآن في المصحف ؟
ومن طريق محمد بن عامر بن إبراهيم ، عن أبيه عامر بن إبراهيم قال : سمعت نهشل بن سعيد يحدث عن الضحاك عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن يؤم الناس في المصحف ، ونهانا أن يؤمنا إلا المحتلم .
ومن طريق حدثنا محمد بن يحي ،حدثنا وهب بن جرير عن هشام عن قتادة عن سعيد والحسن أنهما قالا في الصلاة في رمضان : تردد ما معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف إذا كان معك ما تقرأ به في ليلتك.
ومن طريق حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا المحاربي عن ليث عن مجاهد أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف .
ومن طريق أسيد قال: حدثنا الحسين عن سفيان عن ليث عن مجاهد أنه كان يكره أن يتشبهوا بأهل الكتاب يعني أن يؤمهم في المصحف .
ومن طريق يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان عن ليث عن مجاهد والأعمش عن إبراهيم أنهما كرها أن يؤم في المصحف .
ومن طريق علي بن أبي الخصيب قال : حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم أنه كره أن يؤم في المصحف وقال : لا تشبه بأهل الكتاب .
----------------------------
1 – كتاب المصاحف (ص 217 ).
2 – وكذلك أخرج أثار من كرهه ابن أبي شيبة (ج2/ 338 ،339)وأخرج عبد الرزاق أثر مجاهد وإبراهيم النخعي ( ج2/419).


الصفحة [6]
ومن طريق عبد الله بن سعيد ، حدثنا أبو خالد عن الأعمش عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون أن يؤموا في المصحف يتشبهوا بأهل الكتاب .
ومن طريق أحمد بن سنان قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يؤم الرجل في المصحف كراهية شديدة أن يتشبهوا بأهل الكتاب . حدثنا عبد الله ، حدثنا هارون بن إسحاق وعلي بن حرب قالا ، حدثنا ابن فضيل عن المغيرة عن إبراهيم كره أن يؤم الرجل القوم يقرأ في المصحف .
ومن طريق موسى بن سفيان ،حدثنا عبد الله ، حدثنا عمرو عن المغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره للرجل أن يؤم القوم وهو ينظر في المصحف .
ومن طريق علي بن أبي الخصيب قال: أخبرنا وكيع عن سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كره أن يؤم في المصحف .
ومن طريق علي بن أبي الخصيب ، حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن الحسن أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف قال: كما تفعل النصارى .
ومن طريق محمد بن مدوية الترمذي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الرازي يعني الدشتكي قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع قال : كانوا يكرهون أن يؤم أحد في المصحف ويقولون إمامين .
الراجح في المسألة .
أولا : نقول في المنفرد إذا أراد أن يصلي النافلة سواء في رمضان أو غيره ،فإن كان غير حافظ فهذا لانشك في جواز قراءته من المصحف في صلاة النافلة أما إن كان حافظا فهو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ،وفي كل الأحوال جاز له أن يقرأ من المصحف .وقد رأيت في قول المجيزين الإطلاق في الإفراد وإمامة الجماعة ،والإطلاق في النافلة وفي قيام الليل.
ثانيا : نـقول بالنسبة للجماعة ، إذا وجد الإمام الحافظ المتقن المجود فهذا الذي ينبغي أن يقدم ، وليقرأ من حفظه ، فهذا لا يختلـف فيه اثنان على أنه أفضل ، مع القول بجواز قراءته من المصحف ، أو نشر المصحف أمامه
حتى إذا أخطأ أو غاب عنه الحفظ نظر في المصحف وهذا فعل محمد بن سرين رحمه الله .فقد أخرج عبد الله بن أبي داودرحمه الله (1) تحت عنوان : يصلي الرجل تطوعا إذا تعايا نظر في المصحف .
ومن طريق علي بن محمد بن أبي الخصيب قال: أخبرنا وكيع عن جرير بن حازم قال: رأيت ابن سرين يصلي متربعا والمصحف إلى جنبه فإذا تعايا في شيء أخذه فنظر فيه .
ومن طريق محمد بن بشار قال : أخبرنا روح ، حدثنا هشام عن محمد ( بن سيرين ) أنه كان يصلي قاعدا والمصحف إلى جنبه فإذا شك في شيء نظر فيه وهو في الصلاة .
ومن طريق محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي عن هشام قال : كان محمد(بن سيرين) ينشر المصحف فيضعه إلى جانبه فإذا شك في شيء نظر فيه وهو في صلاة التطوع .
ومن طريق محمد بن يحي ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أنه كان يصلي والمصحف إلى جنبه ، فإذا تردد نظر في المصحف .
ثالثا : لا يختلف اثنان في قوم ليس لهم إمام حافظ يؤمهم إن يقرأ لهم واحد منهم من المصحف وهذا قول سعيد ابن المسيب ، وابن شهاب الزهري والحسن ،وعطاء بن أبي رباح ، ، ومالك ، وأحمد .
رابعا : الخلاف في قوم لهم إمام يحفظ القرآن ولكنه ينثره نثر الدقل ، ويبالغ في السرعة في القراءة ويسمى (الهذرمة )، وإمام لا يحفظه كله ، ولكنه يرتله ترتيلا ، كما قال الله تعالى : (( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته )) وقال آمرا : (( ورتل القرآن ترتيلا)) أيهما يقدم ؟ هل يقدم الحافظ ويقرأه هكذا بالهذرمة حيث لا يتدبره ولا يتفهم منه شيئا ، ولا يعطيه حقه ؟ أو يقدم الإمام الثاني الذي يعطيه حقه من التجويد والتحسين والتغني ، والتفهم والتدبر ، ولكنه يقرأ من المصحف … ؟وللجواب على هذا أقول : الذي ينبغي أن يقدم في هذه الصورة هو الإمام الثاني لأمور:
----------------------------
1 - في كتابه المذكور آنفا (ص222 ).


الصفحة[7]
1 –الأمر الأول : لأن الله أمر بترتيل القرآن فقال :  ورتل القرآن ترتيلا  والترتيل هو إعطاء كل حرف من القرآن حقه ومستحقه .أو كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف .والذي يقرأه يالهدرمة وينثره نثـر الدقل لا يعطيه حقه ومستحقه .
2 – الأمر الثاني : أن الله تعالى : مدح من يتلوه حق تلاوته بقوله سبحانه :  الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به  ، فإن حق التلاوة أن يرتل ويجود ، ويتفهم ، ويتدبر ، مما يؤدي حتما إلى الإيمان به .أما الذي ينثره نثر الدقل ، ويقرأه بسرعة فائقة فهذا لا يتلوه حق تلاوته ، وربما يكون قصده التخلص والتملص من هذه المسؤولية التي أنيطت به رغما عنه ،أو من أجل كسب من وراءه ،ولو وجد أن لا يقرأه لفعل .
3 – الأمر الثالث : لقد نعى الله تعالى على الذين لا يتدبرون القرآن ، وجعل سبب ذلك قلوبهم المقفلة ، فقال سبحانه :  أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها  أي أن سبب عدم تدبرهم للقرآن إقفال قلوبهم ، كيف يتدبر القرآن من يقرأه بالصفة المذكورة ، ويمر به مرور الكرام .وقد أمر الله تعالى بتدبر القرآن فقال :  كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته  .
4 –الأمر الرابع : لقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم قوما يقرءون القرآن يقيمون حروفه ، ويضيعون حدوده ، كما ذم قوما يقرءونه على نمط الشعر وينثرونه نثر الدقل ، ويفرطون في السرعة ،ويسمى هذا الهذرمة .فعن ابن مسعود أن رجلا قال له : إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال : عبد الله بن مسعود : هكذا هكذا الشعر ، إن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع . رواه البخاري ومسلم .
5 – الأمر الخامس :ليس من شرط القيام أن نختم القرآن ، فلو قام إمام للناس يحفظ شيئا منه يردده في ليلته وهو يؤمهم لكان هذا أحسن وهو كاف ، وعلى هذا قول بعض السلف ،فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال :لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرا القرآن كله . وعن مجاهد أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران ، والآخر البقرة وحدها وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما واحد سواء ؟ فقال : الذي يقرأ البقرة وحدها أفضل .


الصفحة [8]
وقد سئل سعيد بن المسيب عن ذلك فأجاب بما يلي :إذا كان معه ما يقوم به ليله ردده ولا يقرأ في المصحف .(1) وكذلك ورد عن الحسن البصري ،أنه كان يعجبه إذا كان مع الرجل ما يقرأ أن يردده ويؤم به في رمضان وإن لم يكن معه شيء يقرأ في المصحف .(2).
6 – الأمر السادس : الأمر بتحسين الصوت بقراءة القرآن والتغني به : فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :>> ما أذن لشيء – يعني أذنه لنبي – يتغنى بالقرآن << (3) قال ابن كثير رحمه الله(4) ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك انه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية ، وذلك هو الغاية في ذلك ، وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد – على الحقيقة – برهم وفاجرهم كما قالت عائشة رضي الله عنها : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات . ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى : وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ))، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل هذا الحديث العظيم .ثم ساق أقوال أهل العلم في معنى التغني بالقرآن ، ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح (5) .وقال بعض أهل العلم : ويمكن العمل بأكثر هذه التأويلات في وقت واحد من تحسين للصوت ، وترقيقه ، والتحزن والتخشع به ، والاستغناء بهذا القرآن عن غيره من الكتب طالبا الغنى من الله .
----------------------------
1 – كتاب المصاحف (ص217).
2 – نفس المصدر (ص221).
3 - أخرجه أحمد في مسنده (2/ 285،271، 450) والبخاري في صحيحه في مواضع أنظر (9/ 6 فتح ، وأبو داود رقم (1473) والنسائي في المجتبى (2/180) وفي الفضائل(93) ومسلم (2/ 192 ) والدارمي رقم ( 3500،1469،3493).
4 -فضائل القرآن لابن كثير (ص106 ).
5 – فتح الباري لابن حجر (ج9/70).

الصفحة [9]
قال ابن كثير رحمه الله(1) والغرض أن المطلوب شرعا ، إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه ، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة .
أما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فقد قال ابن كثير : * فالقرآن ينبغي أن ينزه عن هذا ، ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب . وقد جاءت السنة بالزجر فقد أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :>> اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين ، وسيجيء قوم بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم<< ثم ذكر بعض الآثار في الموضوع وحسنها، ولكن لا يصح شيء من سندها،بل إن هذا الأثر موضوع، إلا أن معانيها صحيحة،وبها قال أهل العلم أنه يحرم قراءة القرآن بلحون الغناء قال ابن كثير(1) وهذا يدل على أنه محذور كبير،وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء،وقد نص الأئمة رحمهم الله على النهي عنه ، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا فقد اتفق العلماء على تحريمه والله أعلم.
وهنا لا بد من أنبه إلى فتنة تقليد أصوات القراء ، والقراءة بها في المحاريب بين يدي الله تعالى . قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله(2) الافتتان بتقليد أصوات القراء ، والقراءة بها في المحاريب بين يدي الله تعالى . هذا أمر إضافي إلى التعبد في القراءة ، فهذا التقليد عبادة ومعلوم أنه قد وجد المقتضى لهذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وعصر صحابته رضي الله عنهم ، فلم يعلم العمل به عن أحد منهم رضي الله عنهم وقد علم في الأصول:أن ترك العمل بالشيء في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضى له يدل على عدم المشروعية .
----------------------------
1- فضائل القرآن لابن كثير ( 114 ، 115 ، 118 ) وانظر محتصر قيام الليل لأحمد بن علي المقريزي (ص103) ففيه جملة من الآثار عن الصحابة والتابعين ، تبين ذمهم لقراءة القرآن بهذه الطريقة.*- وأنظر كذلك البدع والحوادث للطرطوشي (183 – 190 ).
2 – بدع القراء للشيخ بكر أبو زيد (ص 50 و54 ).


الصفحة [10]
فالصوت الحسن في القراءة موجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأس الأمة في هذا نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا المقتضى موجود ، ولم يعلم أن أحدا تقرب إلى الله تعالى بتقليد صوت النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدا من صحابته ، ولا من بعدهم ، وهكذا . فدل على عدم مشروعية هذا التقليد ، وعلم أن التقرب إلى الله بذلك التقليد والمحاكاة لأصوات القراء أمر مهجور ، فالتعبد به أمر محدث ، وقد نهينا عن الإحداث في الدين . وقاعدة الشرع أن كل أمر تعبدي محدث فهو : بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وان الشغف والتدين بحسن الصوت فحسب ، والتلذذ به ، كالتدين بعشق الصور ، فهما في الابتداع والتحريم سواء .وتولد من هذه البدعة في عصرنا ازدحام الناس في المساجد يتبعون الأصوات المطربة على حد الغناء ، ويميلون إلى عشق الصوت فحسب، وتركوا التدبر والمراد من نزول القرآن الكريم .والله المستعان .
7 – الأمر السابع : وهو استحباب سؤال الله تعالى الرحمة والمغفرة ، إذا مر بآية رحمة ، كما يستحب له أن يتعوذ بالله ويسأله العافية من الشر والعقاب ، إذا مر بآية عذاب ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة ثم افتتح النساء ثم افتتح آل عمران ، وكان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ << وهذا لا يتأتى إلا إذا قرأ بتدبر وتأني وخشوع ، لهذه الأمور كلها نقدم الإمام الذي يؤم في المصحف يقرأ بترسل وخشوع ، وتفهم حتى تكون قراءته مفسرة حرفا حرفا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فقد سئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءته صلى الله عليه وسلم فنعتتها :>> أنها قراءة مفسرة حرفا حرفا << (1).
----------------------------
1- أخرجه أحمد في مسنده ( 6/ 294،300) وأبو داود رقم ( 1466) والنسائي في السنن (2/ 181)و(2/ 214)بإسناد صحيح ، والحاكم في المستدرك (1/310 ) وقال على شرط مسلم وأقره الذهبي . وقد قال الله تعالى : (( ولكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر )).

الصفحة [11]
والخلاصة :
أنه إذا وجد إمام حافظ حفظا جيدا يقرأه بترسل وتدبر يؤم به من حفظه ، فهذا لاشك أنه أفضل وهو الذي ينبغي أن يقدم ، أما إذا لم يوجد إمام حافظ في مسجد ما وليس لهم إمام قارئ مجيد يؤمهم ففي هذه الحال يقدمون رجلا يقرأ لهم من المصحف بشروطه ، أي بترتيل وترسل ، وتخشع .

يتبع إن شاء الله ...