[size=3.5]المقدمة :القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين[ الجزء الثالث ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد : فإن الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبدا بمعرفته ويجمع قلبه على محبته شرح صدره لقبول صفاته العلى ، وتلقيها من مشكاة الوحي ، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول وتلقاه بالرضا والتسليم واذعن له بالانقياد فاستنار به قلبه ، واتسع له صدره وامتلأ به سرورا ومحبة ، فعلم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى تعرف به على لسان رسوله ، فأنزل تلك الصفة من قلبه ، فجال من المعرفة في ميادينها ، واسام عين بصيرته في رياضها وبساتينها لتيقنه بأن شرف العلم تابع لشرف معلومه ، ولا معلوم أعظم وأجل ممن هذه صفته ، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأن شرفه أيضا بحسب الحاجة إليه ، وليس قدر حاجة الأرواح إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج إليه والزلفى عنده ، ولاسبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه ، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب ، ومنه أخوف ، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد ، والله تعالى ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه ، فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضا ، وعنها نافرا معرضا منفرا ، فالله له أشد بغضا ، وعنه أعظم إعراضا ، وله أكبر مقتا ، حتى تعود القلوب إلى قلبين : قلب ذكر الأسماء والصفات قوته وحياته ونعيمه وقرة عينه ، ولو فارقه ذكرها ومحبتها لحظة لاستغاث ، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
ومن المحال أن يذكر القلب من هو محارب لصفاته نافر عن سماعها معرض بكليته عنها ، زاعم أن العلم ، والحكمة والسلامة في تأويلها والاعراض عنها .كلا والله إن هو إلا الجهالة والخذلان ، والإعراض عن العزيز الرحيم الرحمن ، فليس للقلب الصحيح قدر إلى شيء أشوق منه إلى معرفة ربه تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ولا أفرح بشيء قدر فرحه بذلك ، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يضرب الله على قلبه سرادق الإعراض عنها والنفرة والتنفير والاشتغال بما لو كان حقا لم ينفع إلا بعد معرفة الله والايمان به وبصفاته وأسمائه .
والقلب الثاني : قلب تغذى بلبن البدعة ، كالمردود عليه الذي تعدى وأبعد النجعة ، فعقله مضروب بسياط الجهالة ، فهو عن معرفة ربه ومحبته مصدود ، وطريق معرفة أسمائه وصفاته كما أنزلت عليه مسدود .
فقد قمش المسمى شمس الدين – وما هو -كذلك – بل هو شمس البدعة والضلالة ، شبها من الكلام الباطل ، والرأي العاطل وارتوى من ماء آجن غير طائل تعج منه آيات الصفات وأحاديثها إلى الله عجيجا ، وتضج منه إلى منزلها ضجيجا ، بما يسموها تحريفا وتعطيلا، ويؤول معانيها تغييرا وتبديلا ، وقد أعد لدفعها فيما كتب أنواعا من العدد ، وهيأ لردها ضروبا من القوانين والقواعد ، وإذا دعي إلى تحكيمها أبى واستكبر وقال: بما جاء به أسلافه : تلك أدلة لفظية وأحاديث آحادية لاتفيد شيئا من اليقين ، قد أعد التأويل جُنة يتترس بها من مواقع سهام السنة والقرآن ، وجعل أثبات صفات ذي الجلال تجسيما وتشبيها يصد به القلوب عن طريق العلم والإيمان ، فهو مزجي البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتم الرسل والأنبياء،ولكنه مليء بالشكوك والشبه ، والجدال والمراء ، خلع عليه كلام الباطل خلعه الجهل والتجهيل ، فهو يتعثر بأذيال التكفير لأهل الحديث ، وللعلماء بالتبديع والتضليل ، قد طاف على أبواب الآراء والكلام يتكفف أربابها ،فانثنى بأخسر المواهب والمطالب ، وعدل عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الإحسان ، فابتلى بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة بالخيبة والحرمان ، وقد لبس حلة منسوجة من الجهل والتقليد ،والتعصب والشبه والعناد، وقد بذلنا له النصيحة ودعي إلى الحق فأخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد .
فما أعظم المصيبة به وبأمثاله على أهل الإيمان ، وما أشد الجناية به على السنة والقرآن ، وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن ، وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان ، والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان ، ولهذا أمر الله به في السور المكية حيث لاجهاد باليد انذارا وتعذيرا ، فقال : ﴿ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ﴾ [ الفرقان :52].
فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله ، وخاصته من عباده الموصوفين بالهداية والتوفيق ، ومن مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق .[1]
لهذا لبست للحرب لأمته ووقفت على ثغرة من ثغور أهل السنة والإيمان ، أجاهد بالحجة والبرهان كل من رماهم بالسوء والبهتان ، موجها سهام الحق إلى شمس الضلالة الفتان ،الواقف منهم موقف الخذلان ، كاشفا عن مقالاته وما فيها من الباطل والعدوان ، سائلا المولى النصرة والتأييد بالسنة والقرآن ، وأن يحشرني يوم القيامة مع سيد الثقلين الإنس والجان .آمين .
--------------------
1 – مقتبس من مقدمة النونية لابن القيم بتصرف .
الصفحة [2]
عملي في هذا الرد :
لقد كنت ناصحته ، وكتبت إليه الرد الأول والثاني ، عساه يرجع وينثني ، إلا أنه تمادى بالظلم والعدوان ؛ فكان لابد من التصدي له والبيان لما جاء به من الإفتراء والبهتان، فبدأت بهذه المقدمة بينت فيها أهمية التوحيد ومعرفة الله تعالى ، وأنواع القلوب تجاه الأسماء والصفات ، وذكرت السبب الذي دفعني لأكتب هذا الرد ، وأن رد الحق إلى نصابه ، والدفاع عنه بالحجة والبرهان يعتبر من أعظم الجهاد ، ثم عقبته بمدخل إلى الموضوع بينت فيه أهمية التوحيد بأنواعه، واختلاف أهل القبلة في توحيد الأسماء والصفات وأنهم على ستة أقسام في إجراء النصوص ، القسم الأول منهم هم السلف الصالح ، والثاني هم الممثلة ،والثالث هم المؤولة ، والرابع هم المفوضة ، والخامس هم الواقفة ، والسادس هم المعرضون عن هذه العقيدة ،على ما ذكره الشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمه الله ، ثم بينت أن مذهب السلف هو المذهب المنصور ، وأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يختلفوا في مسألة واحدة من مسائل الصفات مع اختلافهم في مسائل الأحكام ، بل أنهم تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم .كما ذكره المقريزي في كتابه الخطط ، وابن عبد البر في التمهيد .
وبعدها ذكرت عشرة قواعد لأهل السنة والجماعة تميّز منهج السلف عن غيره من المناهج الكثيرة المنتسبة للسنة ، وبها يعرف السلفي من الخلفي ، والسني من المبتدع ، وهذه القواعد هي : التقيد بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ، وعدم التفريق بينهما ، وتقديمهما على العقل ورفض التأويل الفاسد ، وأن لايوصف الله سبحانه وتعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ، وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، والقول في بعضها كالقول في البعض الآخر ، والاعتصام بالألفاظ الشرعية التي وردت بها النصوص ، والقطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تمثيل أو تشبيه لصفاته بصفات المخلوقين ، وقطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه وتعالى ، وأن عقيدة أهل السنة والجماعة مطابقة للفطرة سهلة وبسيطة ، والأخيرة وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال ، ثم عدت إلى القسم الرابع منها وهم المفوضة الذين ينسبون ذلك إلى السلف الصالح كما نسبه صاحب المقال إليهم ، فبينت خطأهم كما بينت معنى التفويض الذي ينسب إلى السلف ، وأنه تفويض الكيفية ، وليس التفويض المطلق الذي يشمل المعنى والكيفية.
الصفحة [3]
ثم جئت إلى الأسئلة المصنوعة والمقصودة التي وجهت إلى شمس الدين ، فذكرتها كما هي؛ مع أجوبتها التي أجاب بها ، مبتدئا في ذلك بالألهم فالأهم ،وكان أهم هذه المسائل مسألة الأسماء والصفات، ومنها صفة الاستواء ،ومسألة مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء ، لأنهما من مسائل العقيدة ، فوقفت عند كل فقرة من فقرات جوابه ، وبينت تلبساته على القراء، وضلالاته ، ثم أوضحت منهج السلف الصالح في هذه القضية ، وبينت خطأ ما نسب لإمام المفسرين ابن جرير الطبري ،والإمام أحمد من التأويل .
وبعدها ذكرت وقفة وقفتها مع قوله بتوحيد الحاكمية فبينت معناه عند من أطلقه ،وأنه مصطلح للخوارج في القديم والحديث ، فهم الذين جعلوا الحاكمية من شرط الإيمان ، وكذلك الشيعة الإمامية الذين جعلوه أخص وأهم أصول الدين في أئمتهم ، وبعد هذا بينت أن دفاعه عن سيد قطب هو دفاع عن رأس الخوارج والهجرة والتكفير في هذا العصر ، وأن العلماء الذين انتقدوه ، على حق ، ولم يقولوا ذلك من عند أنفسهم بل مما خطه سيد رحمه الله بيده ، ثم وقفت معه وقفة طويلة مع مصطلح الحشوية الذي يردده كثيرا، فبينت معناه عند من أطلقه ثم بينت أن أول من أطلقه هم المعتزلة ثم أخذته عنهم الفرق الأخرى فنبزت به أهل السنة ، فبينت تلك الفرق ورددت عليهم وبينت أنه أحق بأن ينبز بذلك اللقب الشنيع من أهل العلم على منهج السلف ، ثم تطرقت إلى مصطلح جديد طالعنا به هذا المجتهد في الضلالة ، وهوقوله : احذروا النهاشون .. يقصد بهم علماء الجرح والتعديل ،قاتله الله من جويهل ..يريد بذلك أن نطمس هذا العلم، وأن يسكت العلماء عن كل مبتدع ضال ، أو عن كل ما ينسب إلى الدين مما ليس منه ، معتبرا ذلك من الغيبة المحرمة ، فرددت عليه؛ وبينت أن التعرض لحال الرواة جرحا وتعديلا ، أو لبيان حال المبتدعة ليس من باب الغيبة في شيء ، وذكرت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ، ثم جئت على أخطائه في فقه السنة ، فبينت مسألة دعاء الاستفتاح ، وكذلك مسألة الوقوف في الصف ، وتسوية الصفوف وسد الخلل ، والفرج فيها ، مع بيان الأخطار المترتبة على تركها ، وكذلك تفويت االفضل والأجر العظيم في إغفالها وإهمالها ، كما بينت مسألة إخراج زكاة الفطر نقودا ، وأن في جوابه على ذلك اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم ،ولم يفتني أن أبين مذهب مالك في المسألة ، وفي الخاتمة ذكرت فيها معنى السنة عند علماء السلف ، ليكون القارئ على بينة من أمر هذا الرجل ، وأنه هو الذي يفهم السنة فهما خاطئا بعيدا عن منهج السلف الصالح.
الصفحة [4]
تنبيه : لقد قمت بتصوير مقالاته التي نشرها على صفحات الجرائد وألحقتها بآخر هذا البحث لمن يريد أن يتأكد ، ويعلم أننا لم نقوله ما لم يقل ، بل كل ما نسبناه إليه من أقواله التي خطتها يمينه الآثمة ، وأنني رددت عليه بما يقتضي المقام مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة ،وفهوم علماء السلف الصالح ، وما تقتضيه اللغة العربية ،وقد كنت نصحته فيما سبق ورددت عليه بردين أرسلتهما إلى جريدة الشروق لينشرا حتى يعرف القراء الكرام المحق من المبطل ، ولكن القائمين عليها لم يفعلوا واكتفو بإعطاء المقالين إلى المردود عليه ، مما زاده غيضا وحنقا وتعنتا ،فكتب ردا آخر مشحونا بالطعن والشتم مرة ، وإشاعة الفاحشة والافتراء مرة أخرى ،فدفعني ذلك لأكتب هذا الرد في هذه المسأئل ليستدل بها على غيرها من المسائل الكثيرة التي خالف فيها منهج السلف ، وليظهر للقاريء جليا أنه جاهل ، وأنه جمع من كل الفرق نصيبا من الشر مما ليس تحته طائل، إلا الخير المتمثل في منهج أهل السنة والجماعة الأفاضل ، والله حسيبه ويتولاه بعدله .
وأخيرا :ذكرت فهرسا للمراجع التي استقيت منها البحث ، حتى التي أخذت منها ولم أعز إليها لبعدها عني أو لعدم تمكني من مراجعتها لضيق وقتي واشغتالي بأمور أخرى ،كما ذكرت فهرسا للموضوعات التي وردت في البحث ، هذا -والله أسأل- أن يتقبله مني خالصا لوجهه الكريم ، فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وحسبي أني اجتهدت في إصابة الحق ، والدفاع عن المظلومين بالصدق ، وعند الله يلتقي الخلق ، ويقضي الله بينهم في كل ما عظم ودق .
وصلى اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وكتبه :
أبو بكر يوسف لعويسي
حي الرمضانية بلدية الدويرة الجزائر العاصمة .
يوم :26/ربيع الأول 1429 هـ - الموافق 03/04/2008م
الصفحة [5]
مدخل:
أمابعد : إن أهم ما ينبغي أن تصرف فيه الأوقات وتفنى فيه الأعمار هو تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة ، توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ،وتوحيد الأسماء والصفات ، لأن الفوز والنجاة يوم القيامة متوقف على تحقيقه على مراد الله ومراد رسوله والإخلاص فيه لله وحده ، وعدم صرف شيء من ذلك لغير الله أو الإلحاد فيه .
واعلم رحمك الله ، أن المسلمين مجمعون على توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، أي أنه يجب إفراد الله عز وجل بالربوبية كما يجب إفراده بالعبادة [1].
أما توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة اختلافا يمكن أن نقول : إنه على ستة أوجه في إجراء النصوص [2].
1 – القسم الأول: منهم من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل : وهؤلاء هم السلف الصالح واتباعهم – أجروا النصوص على ظاهرها اللائق بالله وتركوا ما وراء ذلك .
ف﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ [طه :5 ] . قالوا: إن ظاهره أن الله استوى على العرش أي علا عليه ، فنؤمن بأن الله سبحانه وتعالى نفسه علا على العرش كما يليق بجلاله ، ولانلتفت لما رواء ذلك . فلا نقول : أين الله قبل أن يخلق العرش ؟ وهل استواؤه على العرش بمماسة أو بانفصال ، أو كيف استوى ، أو إن استواؤه على العرش للحاجة إليه ، أو أن ذلك يستلزم أنه مفتقر إلى العرش وإذا كان كذلك فهو حادث ، أو أن ذلك يقتضي أن يكون جسما أو ليس بجسم ، لأن هذه المسائل لم ترد لا في القرآن ولا في السنة إثباتا ولانفيا ، وهؤلاء هم السلف ، وأن طريقتهم على هذا الوجه أسلم وأعلم وأحكم ، أسلم لأنهم ما تعرضوا لشيء وراء النصوص ، وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكها : وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل .
--------------------
1 - مقتبس من إقتضاء الصراط المستقيم [ج1/854].
2- أنظر أصناف الناس في [الأسماء والصفات عند شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية [ ج1/46].
الصفحة [6]
ومن هؤلاء السلف ؟ والحقيقة المتفق عليها بين جميع العلماء والعقلاء هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة وسفيان الثوري ، وابن عيينة ، والأوزاعي، والزهري، وحماد بن نعيم، والبخاري ومسلم وغيرهم ،وأصحاب السنن من أئمة المسلمين الذي لا يحصون كثرة، ويطلق عليهم أهل السنة والجماعة ، وأهل الحديث ، وأهل الأثر..
2 - القسم الثاني : أجروا النصوص على ظاهرها ، وقالوا : النصوص على ظاهرها لكنها من جنس صفات المخلوقين ، قالوا : إن لله يد كأيدنا ، ووجها كوجوهنا ، وهؤلاء هم الممثلة ، وهؤلاء بلا شك ضالون لم يقدروا الله حق قدره ، ولو قدروا الله حق قدره ما جعلوا صفاته كصفات خلقه .
وهم أيضا متناقضون لأنهم لم يجعلوا الذات الإلهية كالذات المخلوقة ، ومعلوم أن الصفات فرع عن الذات ، فإذا كانت الذات لا تماثل ذوات المخلوقين ، فالصفات أيضا لا تماثل صفات المخلوقين لأن صفة كل ذات تناسبها .
فإن قال قائل : عندي قَدَمَ جمل ، وقال الآخر عندي قدم نملة ، هل يفهم أحد من الناس عاقل أن الذي عند الثاني كالذي عند الأول ؟ أبدا ، لأن ذات الجمل غير ذات النملة ، إذن صفاتهما مختلفة لا محالة ، فقوة الجمل وقوة النملة كلاهما قوة ، وهل هما متماثلان ؟ غير متماثلين ، لأن قوة النملة بسيطة ، تعجز عن شيء يسير ، أما الفيل فقوته عظيمة يحمل الشيء الكثير والكبير .
فإذا قال الله عن نفسه عز وجل : ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ [ المائدة :64] أو ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ هل يمكن لعاقل أن يتصور أن يد الله عز وجل كيد المخلوق ؟ لايمكن أبدا .
وكيف يمكن ذلك والله عز وجل يقول: ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ﴾ فمن من المخلوقات يستطيع أن يطوي السموات بيمينه ؟ [الزمر :67] ويقول : ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ .
إذن هؤلاء ضالون لم يقدروا الله حق قدره ، فالله يقول : ﴿ ليس كمله شيء ﴾ وهم يقولون بل مثله شيء ، وهذا تكذيب لخبر الله تعالى ، ولهذا قال : نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر؛ ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر؛ وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها[1 ].
--------------------
1- سير أعلام النبلاء للذهبي [ج10/610][13/ 299] وشرح العقيدة الطحاوية [ص117].
الصفحة 7
3 - القسم الثالث : من أجروا النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان إبتكروها بعقولهم ، وهؤلاء الذين يدعون أنهم العلماء والحكماء .
ويقولون طريقة السلف طريقة الذين يقرؤون الكتاب أماني ولا يعرفون معانيها ، أما نحن فأهل العلم والحكمة ، ولهذا قالوا : طريقة الخلف [ أي طريقتهم ] أعلم وأحكم . لذلك هم يجرون النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان عينوها بعقولهم ، فقالوا : ﴿ استوى على العرش ﴾ أي : استولى على العرش ، يد الله : أي قوته أو نعمته ، وجه الله : ثوابه ، مجيء الله : ثوابه ، نزول الله ، نزول أمر ، ورحمته ، غضب الله انتقامه وهكذا ..
لماذا قالوا ذلك ؟ لأن المعنى الظاهر من هذه النصوص ممتنع على الله عز وجل ، وإذا كان ممتنعا فلنا عقول نتصرف فيها.
فيقال لهم بكل بساطة : إذا كان الأمر كما قلتم فلماذا يتكلم الله عن نفسه بعبارات غير مقصودة ؟ ويجعل الأمر موكولا إلى عقولنا .مما يجعل بعض العقول واقفة حائرة ، وبعضها تجرأ على القول على الله بلا علم بل بالهوى المختلف ، الذي يقول فيه فلان : هذا واجب ، ويقول الآخر هذا ممتنع على الله ، ويقول الثالث : هذا جائز ...
ويقال أيضا لماذا جعل الله الحديث عن صفاته بكلمات لا يراد بها ظاهرها؟وهل هذا إلا تعمية؟ خلاف البيان الذي قال الله : ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ [النساء :26]وقوله تعالى : ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ [ النساء :176] .
فالحاصل أن هؤلاء ضالون مخطئون مرتكبون لضلالات تتضمن كل ضلالة منها القول على الله بغير علم .فقولهم : إن الله لم يرد كذا .. ولكن أراد كذا .. فهذا قول على الله بلا علم ، كيف لايريد ذلك وهو ظاهر لفظه ؟فمن أين لكم أنه ما أراده ؟؟.
وقولهم : أنه أراد كذا .. فأولوا الصفة إلى تلك التي أرادوها لا ما أرادها ، فهذا أيضا قول على الله بلا علم ، لأنه إذا انتفت إرادة الظاهر بقي ما يخالف الظاهر قابلا لاحتمالات كثيرة ، فما الذي يجعل هذا الاحتمال الذي عينتموه وقلتم به هو المراد دون غيره من المحتملات ؟؟.
والضلالة الثالثة، أن يقال لهم لقد جعلتم كلام الله الغازا وأنه أوكل إلى عقولكم أن تحملوها على معان معينة ، ولو صح تأويلكم لما عينتموه لكان خطابا من عاجز عن الكلام على الحقيقة بما يفهم الخطاب، فلذلك لجأ الى الألغاز التي لا تفهم إلا بتأويلكم ، وكأن طرق الكلام ضاقت عليه سبحانه حتى تضيفوا إليه تلك التأويلات التي نسبتموها إليه بلا علم .
الصفحة [8]
4 - القسم الرابع : قسم قالوا : نفوض ولا نقول معناها كذا ولا كذا ، نقرأ القرآن والحديث وكأنما نقرأ لغة لانعرفها ولا نفهمها أو كأننا عامة لا يعلمون الكتاب إلا أماني . هؤلاء يقولون كل نصوص الصفات غير معلومة المعنى .
فيقال لهم : ما تقولون في قوله تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ قالوا أجروها كما جاءت الله أعلم بمعناها . وكذلك قالوا في باقي الصفات .
فيقال لهم ، نعم كل شيء الله أعلم ، لكنه عز وجل أنزل علينا كتابا مبينا :﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ﴾ وقوله تعالى : ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شيء﴾ [ النحل : 89] أي فائدة لنا في قرآن لا نعرف معناه ؟ وهل يمكن أن نتمثل أمر الله الله عز وجل ونحن لا نفهم الخطاب ، وهل يمكن أن نعرف الله ونحن لا نفهم عنه ما خاطبنا به ليتعرف به إلينا ، وهل يمكن أن نعظم الله ونحن لا نعرف مراده ، وهل يمكن أن ننفي عنه النقائص والعيوب ونحن لا نعلم ما أراد بكلامه ؟ ما الجواب ؟ الجواب : لايمكن ذلك البتة ، ولا يقوله عاقل ، وإذا كنتم معنا تقولون : أن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام معلومة المعنى ، فالناس يعرفون الصلاة والصيام والحج ، فلماذا لا تجعلون آيات الصفات – وهي أعظم – معلومة المعنى؟ لأنها تتعلق بذات الخالق عز وجل ، وآيات الأحكام تتعلق بعمل المخلوق ، فلذا لاتجعلون هذه أولى بالعلم ؟ وهؤلاء يسمون عند أهل السنة والجماعة : المفوضة.وهؤلاء يقولون إن التفويض هو مذهب السلف[1].
ويقولون : أهل السنة قسمان : قسم مؤولة ، وقسم مفوضة ، هذا واقع ، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : - وصدق فيما قال – قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد [2] .
ويعني قولهم ذلك أن الله أنزل إلينا كتابا ورسوله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأخبار فيما يتعلق بذات الرب عز وجل وصفاته ، كله ليس له معنى ولا يجوز أن نتكلم بمعناه ، هذا من أعظم ما يكون من إلالحاد والكفر ، وفيه من الاستهانة بالقرآن الكريم والذم له ما لايعلمه إلا من تأمل هذا القول الفاسد الباطل .
--------------------
1 - أنظر العقيدة النظامية لأبي المعالي الجويني [ص32 – 33] .
2 - درء تعارض العقل والنقل [ج1/205].
الصفحة [9]
يقول الشيخ عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص27]: فالسلف لايفوضون المعنى ، وإنما يفوضون الكيفية ، ومن زعم أن طريقة السلف من الصحابة ومن تبعهم تفويض في معاني الصفات ، فقد وقع في محاذير ثلاثة هي : جهله بمذهب السلف ، وتجهيله لهم ، والكذب عليهم .
أما جهله بمذهب السلف ، فلكونه لا يعلم ما هم عليه ، وهو الذي بينه الإمام مالك في كلامه المشهور في الاستواء . قلت : وسيأتي – إن شاء الله – .
وأما تجهيله لهم ، فذلك بنسبتهم إلى الجهل ، وأنهم لا يفهمون معاني ما خوطبوا به ، إذ طريقتهم - على زعمه- في الصفات أنهم يقولون : الله أعلم بمراده بها .
وأما الكذب عليهم ، فإنما هو بنسبة هذا المذهب الباطل إليهم ، وهم براء منه .
5 - القسم الخامس : قالوا : والله نحن ما نتكلم ، نقول : يجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ، ويجوز أن يكون المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ، ويجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر ، ويجوز أن لايكون المراد بها شيء . كل هذا ممكن وجائز ، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك .والفرق بين المفوضة وبينهم أن المفوضة يقولون : لانقول شيء أبدا يعني لا يمكن أن تعلم المعنى ، وهؤلاء يقولون : يحتمل كذا ، ويحتمل كذا ولكن نكف عن القول ما دام هذه الاحتمالات واردة ، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .ويسميهم البعض الواقفة .
6 - القسم السادس : قوم أعرضوا عن هذا كله وقالوا : أتركونا من الكلام في هذه الأمور ، لا تقولوا شيء في صفات الله تعالى ، فإن ذلك قد عفا عنه الزمان ، وذلك نبش للقبور ، وأن الكلام في ذلك لايخدم الدعوة ، ويأخرها ، فنحن نقرأ القرآن ونتعبد الله تعالى بقراءته ولا نتعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا ؟ لأن هذا سيفرق الأمة ، ولا يمكننا من الحكم .
الصفحة [9]
اعتقد ما شئت ، قل أن ظاهرها اللائق بالله مراد ، أو غير مراد ،أو أن المعنى يحتمل خلاف الظاهر؛ أو يحتمل كذا وكذا من التأويلات ، المهم أن تعتقد في نفسك أي شيء وتسكت ، لأن ذلك لا يناسب الوقت ، ولايصلح للدعوة في هذا العصر ، أو أنه غير مهم ، وهؤلاء الساكتون في الظاهر المميعون بقلوبهم ، ما عرفوا خطاب الله ، ولا عرفوا ما جاءت به الرسل .
فيقال لهم : ما فائدة خطاب الله تعالى لنا بهذه الآيات الكثيرة التي تعرف إلينا بها ، ووصف لنا بها نفسه ، أم أنزلها عبثا ؟ لنمر عليها مرور الكرم ، أو لنعتقد فيها ما نشاء بأهوائنا المختلفة وعقولنا القاصرة ، ونترك مأاراد الله منا ، أم نرجيها ولا نعتقد فيها شيئا إلى أن تتحق النتيجة المزعومة في الحكم المزعوم ، وأين أنتم من دعوة الرسل ، فما جاء رسول إلا كان أول ما يدعو إليه التوحيد بأنواعه ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم بقي أكثر من ثلاثة عشر سنة يدعو إلى ذلك ، بل إنه لم يغفل الدعوة إلى التوحيد؛ ووصف الله تعالى بالصفات التي تليق به إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم فهذا القول من أبطل الباطل .. ومع ذلك هم يتكلمون في أشياء ليس من روائها طائل .
منهج السلف هو الحق وطريقتهم أعلم وأحكم وأسلم:
ولما إنقسم أهل القبلة المنتسبون للإسلام إلى هذه الانقسامات ، كان مذهب السلف هو المذهب المنصور ، والحق الثابت المأثور ، وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة المرضية ، التي هي بكل خير فائزة ، ولكل مكرمة راجية ، من الشفاعة والورود على الحوض ، ورؤية رب البرية ، وغير ذلك من سلامة الصدر لمن وصفوا بالخيرية ، والإيمان بالقدر والأفضلية، والتسليم لما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة خير البرية ..
يقول الشيخ العتيمين رحمه الله في كتابه شرح السفارينية : فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين ، كما يقوله بعض من لاتحقيق له بذلك ؛ ممن لا يقدر قدر السلف الموصوفين بالعدالة والتزكية، ولاعرف الله تعالى ؛ ولا رسوله ، ولا المؤمنين به ؛ حق المعرفة المأمور بها ؛ وهي أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم .
وهؤلاء إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث؛ من غير فقه لذلك، وأنها بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات؛وغرائب اللغات ،والتحريفات والتأويلات،فكانت بذلك أعلم وأحكم ..
وهذا الظن الفاسد ؛ أوجب تلك المقالة التي مضمونها ؛ نبذ منهج السلف وراء ظهورهم ، وقد كذبوا وأَفِكُوا على طريقة السلف الصالح ، وضلوا في تصويب طريقة الخلف ،فجمعوا بين باطلين ، الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم من الخلف .
قال ابن رجب في كتابه [ بيان فضل علم السلف على علم الخلف ] وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ..
يتبع إن شاء الله ...
[/size]





رد مع اقتباس