ـ ويستفاد من الحديث أن على العبد السالك ، المتبصر بأمر دينه وواقف عند حدود ربه المريد للفلاح والنجاح والسعادة في الدارين له أن يسعى ويبذل جهده ليَأْتِيَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ ؛ وَالْبَاطِنَةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِنْ الظَّاهِرَةِ فمن أستوفى هذا المقام حقه وأتى بما هو محبوب إلى ربه ومعبوده مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ الْمُنْتَظِمَةِ لِلْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بقدر تقربه إليه بها وكما قيل : (الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ) فهذا من أنفس وأنفع ما يشتغل به العبد الصالح ويصرف له وقته ويحرص على التفقه فيه وفهمه والتدقيق فيه وتحقيقه وتكمله على قدر المستطاع والحال
يقول الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني رحمه الله في (مجموع فتاوى 1/ 183):
فَصْلٌ فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ ثَابِتَانِ بَلْ هُمَا حَقِيقَةُ الدِّينِ وَالْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ كَوْنُ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ : فَهَذَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهُ ؛ فَإِنْ أَدَّى وَاجِبَهُ فَهُوَ مُقْتَصِدٌ وَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ؛ وَإِنْ تَرَكَهُ كُلَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِرَبِّهِ .
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مُوَافَقَةُ رَبِّهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيَرْضَاهُ وَيُسْخِطُهُ : فَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ لِلسَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ الَّذِينَ تَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَلَمْ يَفْرِضْهَا بَعْدَ الْفَرَائِضِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَفْرِضُهَا وَيُعَذِّبُ تَارِكَهَا .
وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَمَّا أَتَوْا بِمَحْبُوبِ الْحَقِّ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ الْمُنْتَظِمَةِ لِلْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَحْمَالِ أَحَبَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ : { وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ } فَعَلُوا مَحْبُوبَهُ فَأَحَبَّهُمْ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ مُنَاسِبٌ لَهُ مُنَاسَبَةَ الْمَعْلُولِ لِعِلَّتِهِ ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِعَيْنِ كُلِّ حَرَكَةٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ ؛ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ ؛ وَالْبَاطِنَةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِنْ الظَّاهِرَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : " قُوَّةُ الْمُؤْمِنِ فِي قَلْبِهِ وَضَعْفُهُ فِي جِسْمِهِ وَقُوَّةُ الْمُنَافِقِ فِي جِسْمِهِ وَضَعْفُهُ فِي قَلْبِهِ " وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ } وَقَالَ : { إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ } وَقَالَ :{ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ } فِي حَدِيثِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالْعَاجِزِ عَنْهُ الَّذِي قَالَ : { لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا عَمِلَ } فَإِنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ الْقَلْبِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَعْذُورَ الْجِسْمِ اسْتَوَيَا فِي الْجَزَاءِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ } .)) انتهى
وقال ـ رحمه الله ـ في (مجموع فتاوى 5/ 155):
وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نِيَّةُ الْمَرْءِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ } .
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ : هَذَا الْكَلَامُ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ؛ وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُهُ مَرْفُوعًا وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ :
أَحَدُهَا: أَنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ مِنْ الْعَمَلِ يُثَابُ عَلَيْهَا وَالْعَمَلَ الْمُجَرَّدَ عَنْ النِّيَّةِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ بِغَيْرِ إخْلَاصٍ لِلَّهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :{ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ } .
الثَّانِي : أَنَّ مَنْ نَوَى الْخَيْرَ وَعَمِلَ مِنْهُ مَقْدُورَهُ وَعَجَزَ عَنْ إكْمَالِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عَامِلٍ . كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ : وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ } . وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي كَبْشَةَ الأنماري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ . وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا . فَقَالَ : لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ . قَالَ : فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَقَالَ : لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ قَالَ : فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ دَعَا إلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ } وَشَوَاهِدُ هَذَا كَثِيرَةٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْقَلْبَ مَلِكُ الْبَدَنِ وَالْأَعْضَاءَ جُنُودُهُ فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ وَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ وَالنِّيَّةُ عَمَلُ الْمَلِكِ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا عَمَلُ الْجُنُودِ . الرَّابِعُ: أَنَّ تَوْبَةَ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ تَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ . كَتَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَا وَكَتَوْبَةِ الْمَقْطُوعِ اللِّسَانِ عَنْ الْقَذْفِ وَغَيْرِهِ . وَأَصْلُ التَّوْبَةِ عَزْمُ الْقَلْبِ وَهَذَا حَاصِلٌ مَعَ الْعَجْزِ .
الْخَامِسُ:أَنَّ النِّيَّةَ لَا يَدْخُلُهَا فَسَادٌ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ أَصْلُهَا حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِرَادَةُ وَجْهِهِ وَهَذَا هُوَ بِنَفْسِهِ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَرْضِيٌّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ تَدْخُلُهَا آفَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمَا لَمْ تَسْلَمْ مِنْهَا لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ أَعْمَالُ الْقَلْبِ الْمُجَرَّدَةِ أَفْضَلَ مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ الْمُجَرَّدَةِ . كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : قُوَّةُ الْمُؤْمِنِ فِي قَلْبِهِ وَضَعْفُهُ فِي جِسْمِهِ وَقُوَّةُ الْمُنَافِقِ فِي جِسْمِهِ وَضَعْفُهُ فِي قَلْبِهِ وَتَفْصِيلُ هَذَا يَطُولُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .)) انتهى
ـومن فوائد الحديث ما ذكره الإمام بن قيم رحمه الله في (زاد المعاد ج2 ص 04) عند ذكره لفوائد غزوة التبوك حيث قال:
((فصل في هل يثاب المسلم على نيته وهمه ؟
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ (إنّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلّا كَانُوا مَعَكُمْ ) فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم لا كما يظنه طَائِفَةٌ مِنْ الْجُهّالِ أَنّهُمْ مَعَهُمْ بِأَبْدَانِهِمْ فَهَذَا مُحَالٌ لِأَنّهُمْ قَالُوا لَهُ ( وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ) وَكَانُوا مَعَهُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَبِدَارِ الْهِجْرَةِ بِأَشْبَاحِهِمْ وَهَذَا مِنْ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ أَحَدُ مَرَاتِبِهِ الْأَرْبَعُ وَهِيَ الْقَلْبُ وَاللّسَانُ وَالْمَالُ وَالْبَدَنُ . وَفِي الْحَدِيثِ (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ)) انتهى
ـ أيضا من لطائف ونكت فوائد الحديث ما ذكره العلامة المجاهد ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله وسدد خطاه في كتابه (أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية حوار مع سلمان العودة ص:148 ط مجالس الهدى) من أن هذا الحديث دليل ويدل على أنه إذا كان للمؤمن عذر شرعي واضح حال بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد؛ فإنه لا يخرج بذلك من عداد المجاهدين، ولا يخرج بذلك عن أن يكون من الطائفة المنصورة رادا في ذلك على سلمان العودة الذي أراد أن يفرق بين الطائفة المنصورة وبين الفرقة الناجية وأن أهل الطائفة المنصورة لهم من الصفات ليست عند أهل الفرقة الناجية وحيث أنه ضيق دائرة الطائفة المنصورة وأن الطائفة المنصورة هي التي قد أعلنت الجهاد ورفعت لواءه واشتبكت مع أعداء الإسلام حتى تم لها النصر الحاسم على أعداء الإسلام، وأما الفرقة الناجية فقد نكلت عن هذا الجهاد وقعدت عنه واعتزلت عنه لاجتهاد أو لسبب أو لآخر وخذلت فيه الطائفة المنصورة المؤزرة فلم تشاركها بأي لون من ألوان المشاركة الوجدانية أو المالية أو القتالية
قال الشيخ العلامة ربيع حفظه الله :
((رابعاً : إذا كان للمؤمن عذر شرعي واضح حال بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد؛ فإنه لا يخرج بذلك من عداد المجاهدين، ولا يخرج بذلك عن أن يكون من الطائفة المنصورة
قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة، فقال: (( إن بالمدينة لرجالاً؛ ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض )) ، وفي رواية : (( إلاَّ يشركوكم في الأجر )) رواه مسلم
وعن أنس رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزاة، فقال : (( إن أقواماً بالمدينة خلفنا؛ ما سلكنا شعباً ولا وادياً؛ إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر )) رواه البخاري .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إنما تغيب عثمان عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت مريضة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه )) رواه البخاري.
وكذلك إذا جهز المسلم غازياً؛ فإنه يصنف في الإسلام في عداد المجاهدين، فإن فعل مؤمن ذلك؛ فلن يخرج عن نطاق الطائفة المنصورة ، فعن زيد بن خالد رضي الله عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من جهَّز غازياً في سبيل الله؛ فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير؛ فقد غزا )) متفق عليه .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى بني لحيان، فقال : (( لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما )) .
وكذلك إذا كان المسلمون في ظروف جهادية فعلاً، فتقاسموا العمل الإسلامي : قوم نفروا للجهاد في سبيل الله، ونفر آخرون لطلب العلم، وقعد آخرون للتعليم وتربية الأمة وإعداد العلماء الربانيين وتربية الأمة على العلم والعبادة والجهاد والقيام بسائر شؤون الإسلام؛ فإن جميع هذه الأصناف مجاهدون في سبيل الله، مشاركون في رفع راية الإسلام وقمع الشرك والبدع والضلال، ولن يخرج صنف من هذه الأصناف المجاهدة عن الطائفة الناجية المنصورة القائمة على أمر الله .)) انتهى
وهذا الذي ذكره شيخنا العلامة المجاهد ربيع بن هادي المدخلي ـ وفقه الله وأطال عمره في الخير والسنة ـ من أن إذا كان للمؤمن عذر شرعي واضح حال بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد؛ فإن ذلك لا يخرج من عداد المجاهدين وأن له ثوابهم بنيته الصالحة وهو ما دل عليه قوله جل في علاه : ((لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا )) النساء 59
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) عند تفسير هذه الأية
(( ذكر في هذه الآية الكريمة أنّه فضّل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وأجراً عظيماً ، ولم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض ، ولكنه بين ذلك في موضع آخر وهو قوله : { لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ الحديد : 10 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : { غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ } [ النساء : 95 ] يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد .
وهذا المفهوم صرح به النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ، قالوا : وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال : نعم حبسهم العذر » وفي هذا المعنى قال الشاعر :
يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوماً ، وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر فقد راحا )) انتهى
وقال قال العلامة أبو عبد الله محمد القرطبي رحمه الله في (الجامع لأحكام القرآن 8/ 225) عند تفسير قوله تعالى:((ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذينلا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما اتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون )) التوبة 91 ـ 92
قال رحمه الله (( فيه ست مسائل:
الأولى - قوله تعالى: " ليس على الضعفاء " الآية.
أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شئ سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال، ونظير هذه الآية قوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " [ البقرة: 286 ] وقوله: " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج " [ النور: 61 ] ، وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه).
قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال: (حبسهم العذر).
فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون، فقال: ليس على هؤلاء حرج.
(إذا نصحوا لله ورسوله) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء: فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار، وما صبرت القلوب، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " [ آل عمران: 144 ].
هذه عزائم القوم ، والحق يقول: " ليس على الأعمى حرج " [ النور: 61 ] وهو في الأول " ولا على الأعرج حرج " [ النور: 61 ] وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش.
قال له الرسول عليه الصلاة و السلام: (إن الله قد عذرك) فقال: والله لاحفرن بعرجتي هذه في الجنة، إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم.
وقال عبد الله بن مسعود: ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف )) انتهى
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في ( فتح القدير 3/ 300) عند تفسير هذه الأيات:
(( لما ذكر سبحانه المعذرين ، ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو ، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة . فقال : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء } وهم : أرباب الزمانة ، والهرم ، والعمى ، والعرج ، ونحو ذلك ، ثم ذكر العذر العارض ، فقال : { وَلاَ على المرضى } والمراد بالمرضى : كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعاً . وقيل : إنه يدخل في المرضى : الأعمى والأعرج ونحوهما . ثم ذكر العذر الراجع إلى المال ، لا إلى البدن فقال : { وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } أي : ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد ، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج ، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم ، مقيداً بقوله : { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وأصل النصح : إخلاص العمل من الغش ، ومنه التوبة النصوح .
قال نفطويه : نصح الشيء : إذا خلص ، ونصح له القول ، أي أخلصه له . والنصح لله : الإيمان به ، والعمل بشريعته . وترك ما يخالفها كائناً ما كان ، ويدخل تحته دخولاً أوّلياً نصح عباده . ومحبة المجاهدين في سبيله ، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد . وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه؛ ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم : التصديق بنبوته وبما جاء به ، وطاعته في كل ما يأمر به ، أو ينهي عنه ، وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، ومحبته وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة . وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « الدين النصيحة » ثلاثاً ، قالوا : لمن؟ قال : « لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » وجملة : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } مقرّرة لمضمون ما سبق : أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل : أي طريق عقاب ومؤاخذة . و « من » مزيدة للتأكيد ، وعلى هذا فيكون لفظ { المحسنين } موضوعاً في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقاً . أو يكون المراد : ما على جنس المحسنين من سبيل ، وهؤلاء المذكورون سابقاً من جملتهم ، فتكون الجملة تعليلية . وجملة : { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييلية . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }[البقرة : 286 ]،وقوله:
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ}[النور: 61 ].
وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين ، لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه ، مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه ، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد ، وأصله في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم فيه »قالوا : يارسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال : « حبسهم العذر » وأخرجه أحمد ، ومسلم ، من حديث جابر )) انتهى
وأسأل الله الوهاب الفتاح أن يفتح علينا من خزائنه العظيمة وأن يمن علينا من المواهب الجليلة والعطايا الكريمة وأن يرزقنا العمل لما تعلمناه وأن يكون خير وحجة لنا لا علينا وهو الكريم الجواد وصلى الله على رسوله محمد وعلى أله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين


( 1) انظر أيضا فتح الباري (8/ 453)
(2) يشير رحمه الله إلى ما جاء عنه في قوله تعالى : (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ )) أل عمران135
قال رحمه الله : ((السَّابِعَةُ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمْ يُصِرُّوا) حُجَّةٌ واضحة ودلالة قاطعة لما قال سيف السنة، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بْنُ الطَّيِّبِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَاخَذُ بِمَا وَطَّنَ عَلَيْهِ بِضَمِيرِهِ ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ. قُلْتُ: وَفِي التَّنْزِيلِ:" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ" [الحج: 25] وقال:" فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ" [القلم: 20]
. فَعُوقِبُوا قَبْلَ فِعْلِهِمْ بِعَزْمِهِمْ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَفِي البخاري (إذا التقى المسلمان بسيفهما فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) . فَعَلَّقَ الْوَعِيدَ عَلَى الْحِرْصِ وَهُوَ الْعَزْمُ وَأَلْغَى إِظْهَارَ السِّلَاحِ، وَأَنَصُّ مِنْ هَذَا مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةٍ الْأَنْمَارِيِّ وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا فهذا أفضل الْمَنَازِلِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَصَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ نيته فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يؤته علما فهو يخبط في مال بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أن مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ (. وَهَذَا الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى خِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا يَهُمُّ الْإِنْسَانُ بِهِ وَإِنْ وَطَّنَ عَلَيْهِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ. ولا حجة له في قول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ مَعْنًى (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) فَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى عَمَلِهَا بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، وَمَعْنَى (فَإِنْ عَمِلَهَا) أَيْ أَظْهَرَهَا أَوْ عَزَمَ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ ما وصفنا. وبالله توفيقنا.)) انتهى