بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين

قال الحافظ الناقد شيخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله الذهبي رحمه الله في مقدمة كتابه (الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ):
((وَقد كتبت فِي مصنفي الْمِيزَان عددا كثيرا من الثِّقَات الَّذين احْتج البُخَارِيّ أَو مُسلم أَو غَيرهمَا بهم لكَون الرجل مِنْهُم قد دون اسْمه فِي مصنفات الْجرْح وَمَا أوردتهم لضعف فيهم عِنْدِي بل ليعرف ذَلِك وَمَا زَالَ يمر بِي الرجل الثبت وَفِيه مقَال من لَا يعبأ بِهِ وَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب على نفوسنا لدخل فِيهِ عدَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والائمة فبعض الصَّحَابَة كفر بَعضهم بِتَأْوِيل مَا وَالله يرضى عَن الْكل وَيغْفر لَهُم فَمَا هم بمعصومين وَمَا اخْتلَافهمْ ومحاربتهم بِالَّتِي تلينهم عندنَا أصلا وبتكفير الْخَوَارِج لَهُم أنحطت رواياتهم بل صَار كَلَام الْخَوَارِج والشيعة فيهم جرحا فِي الطاعنين فَانْظُر الى حِكْمَة رَبك نسْأَل الله السَّلامَة وَهَذَا كثير من كَلَام الأقران بَعضهم فِي بعض يَنْبَغِي أَن يطوى وَلَا يرْوى ويطرح وَلَا يَجْعَل طَعنا ويعامل الرجل بِالْعَدْلِ والقسط وسوف ابْسُطْ فصلا فِي هَذَا الْمَعْنى يكون فصلا بَين الْجرْح الْمُعْتَبر وَبَين الْجرْح الْمَرْدُود إِن شَاءَ الله.
فَأَما الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فبساطهم مطوي وَإِن جرى مَا جرى وَإِن غلطوا كَمَا غلط غَيرهم من الثِّقَات فَمَا يطاد يسلم أحد من الغلط لكنه غلط نَادِر لَا يضر أبدا إِذْ على عدالتهم وَقبُول مَا نقلوه الْعَمَل وَبِه ندين الله تَعَالَى.
وَأما التابعون فيكاد يعْدم فيهم من يكذب عمدا وَلَكِن لَهُم غلط وأوهام فَمن ندر غلطه فِي جنب مَا قد حصل احْتمل وَمن تعدد غلطه وَكَانَ من أوعية الْعلم اغتفر لَهُ أَيْضا وَنقل حَدِيثه وَعمل بِهِ على تردد بَين الْأَئِمَّة الاثبات فِي الِاحْتِجَاج عَمَّن هَذَا نَعته كالحارث الْأَعْوَر وَعَاصِم بن ضَمرَة وَصَالح مولى التَّوْأَمَة وَعَطَاء بن السَّائِب وَنَحْوهم وَمن فحش خطأه وَكثر تفرده لم يحْتَج بحَديثه وَلَا يكَاد يَقع ذَلِك فِي التَّابِعين الْأَوَّلين وَيُوجد ذَلِك فِي صغَار التَّابِعين فَمن بعدهمْ.
وَأما اصحاب التَّابِعين كمالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَهَذَا الضَّرْب فعلى الْمَرَاتِب الْمَذْكُورَة وَوجد فِي عصرهم من يتَعَمَّد الْكَذِب اَوْ من كثر غلطه وَغلظ تخبيطه فَترك حَدِيثه.
هَذَا مَالك هُوَ النَّجْم الْهَادِي بَين الْأمة وَمَا سلم من الْكَلَام فِيهِ وَلَو قَالَ قَائِل عِنْد الِاحْتِجَاج بِمَالك فقد تكلم فِيهِ لعذر وأهين وَكَذَلِكَ الْأَوْزَاعِيّ ثِقَة حجَّة وَرُبمَا انْفَرد وَوهم وَحَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ فِيهِ شَيْء مَا وَقد قَالَ فِيهِ احْمَد بن حَنْبَل رَأْي ضَعِيف وَحَدِيث ضَعِيف وَقد تكلّف لِمَعْنى هَذِه اللَّفْظَة وَكَذَا تكلم من لَا يفهم فِي الزُّهْرِيّ لكَونه خضب بِالسَّوَادِ وَلبس زِيّ الْجند وخدم هِشَام بن عبد الْملك.
وَهَذَا بَاب وَاسع وَالْمَاء إِذا بلغ قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث وَالْمُؤمن إِذا رجحت حَسَنَاته وَقلت سيآته فَهُوَ من المفلحين هَذَا ان لَو كَانَ مَا قيل فِي الثِّقَة الرضي مؤثرا فَكيف وَهُوَ لَا تَأْثِير لَهُ.)) انتهى
بعد هذا النقل لكلام الحافظ أبوعبدالله الذهبي رحمه الله يتضح المقصود من هذا الموضوع ، والمرام الذي نقصده
ولهذا نود من أهل الفضل والشأن ومن لديهم اليد في علوم الحديث ويملكون الأهلية والألية تمكنهم من التنقيب والتفحيص والتمحيص عن أحوال الرواة وأسانيد المتون
ولهم الإطلاع والخبرة بما في كتب التراجم والسير والمعاجم
أن يدلوا بدلوهم للمشاركة معنا في بحثنا هذا ولنجمع فيه شتات المفترق الذي هو في طيات الكتب المكنوزة الموروثة من عند سلفنا الصالح وفي عملنا هذا عدة فوائد
1ـ منها : إحياء علوم الدين والحديث التي من أجلها ناضل وجاهد سلفنا الأبرار الأخيار وتركوها لنا لنعمل بها ونحيها ونتواصى عليها لتذكرها والتذكير بها
2ـ في عملنا هذا نكتسب معرفة تراجم وسير سلفنا الأمجاد الأبطال
3ـ وعليه ـ أي في معرفة سير سلفنا الصالح ـ زيادة الايمان والتأسي بهم وإقتفاء أثرهم وإهتداء بهديهم وتخلق بخلقهم
4ـ فيه إحياء الهمم العلية وتنميتها وزيادة الطلب والتحصيل
5ـ ومنها دفاع عن الأعراض المظلومة المنتهكة بغير الحق
6ـ ومنها معرفة طبقات الرواة
7ـ ومنها معرفة رجال أسانيد المتون التي بها نتعبد الله وفي هذا تحقيق المتابعة ونفض غبار التقليد
وإلى غير ذلك من المقاصد الحسنة وبالله التوفيق