2- الآية الثانية :
قوله تعالى :
{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (16) سورة القيامة
جاء في " معالم التنزيل " للبغوي :
" أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل [عليه] (1) جبريل بالوحي كان ربما يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله عز وجل الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" (2)
{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (1ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) }{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } قال علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه. { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فإذا أنزلناه فاستمع. { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } علينا أن نبينه بلسانك. قال: فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل، ورواه محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة بهذا الإسناد وقال: كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه، يخشى أن ينفلت منه، فقيل له: "لا تحرك به لسانك" "إن علينا جمعه" أن نجمعه في صدرك (1) "وقرآنه" أن تقرأه."
و للألوسي في " روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني " قال :
" أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي من قبل أن يقضى إليك وحيه { لِتَعْجَلَ بِهِ } أي لتأخذه على عجلة مخافة أي ينفلت منك على ما يقتضيه كلام الحبر وقيل لمزيد حبك له وحرصك على أداء الرسالة .... { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه { وَقُرْءانَهُ } أي إثبات قراءته في لسانك بحيث تقرأه متى شئت { فَإِذَا قرأناه } أن اتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام المبلغ عنافا فالاسناد مجازي وفي ذلك مع اختيار نون العظمة مبالغة في إيجاب التأتي { فاتبع قُرْءانَهُ } فكن مقفياً له لا مباريا وقيل أي فإذا قرأناه فاتبع بذهنك وفكرك قرآنه أي فاستمع وأنصت وصح هذا من رواية الشيخين وغيرهما عن ابن عباس وعنه أيضاً وعن قتادة والضحاك أي فاتبع في الأوامر والنواهي قرآنه وقيل اتبع قرآنه بالدرس على معنى كرره حتى يرسخ في ذهنك . "
قال الحافظ ابن كثير في " تفسير القرآن العظيم " :
" هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه فالحالة (1) الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه؛ ولهذا قال: { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } أي: بالقرآن، كما قال: { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه : 114 ] .
ثم قال: { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } أي: في صدرك، { وَقُرْآنَهُ } أي: أن تقرأه، { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله عز وجل ، { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا " .
و قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان "
" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ }
وقال هنا: { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره، فقال: { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } فالحرص الذي في خاطرك، إنما الداعي له حذر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك.
{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أي: إذا كمل جبريل قراءة ما أوحى الله (1) إليك، فحينئذ اتبع ما قرأه وأقرأه.
{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون، فامتثل صلى الله عليه وسلم لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا، أنصت له، فإذا فرغ قرأه.
وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من (2) المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه. "
و في " تفسير الجلالين " للإمامين المحلي و السيوطي :
" قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ "لَا تُحَرِّك بِهِ" بِالْقُرْآنِ قَبْل فَرَاغ جِبْرِيل مِنْهُ "لِسَانك لِتَعْجَل بِهِ" خَوْف أَنْ يَنْفَلِت مِنْك "إنَّ عَلَيْنَا جَمْعه" فِي صَدْرك "وَقُرْآنه" قِرَاءَتك إيَّاهُ أَيْ جَرَيَانه عَلَى لِسَانك "فَإِذَا قَرَأْنَاهُ" عَلَيْك بِقِرَاءَةِ جِبْرِيل "فَاتَّبِعْ قُرْآنه" اسْتَمِعْ قِرَاءَته فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِع ثُمَّ يَقْرَؤُهُ "ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانه" بِالتَّفْهِيمِ لَك " .




رد مع اقتباس
