ـ من أساليبهم وطرقهم التي بارعوا فيها وشوشوا وشغبوا على أهل السنة بها والتي كانت سبب انخداع واغترار العامة والضعفاء بهم وكانوا محط الأنظار والشهرة في الساحة الدعوية والعلمية ألا وهو تأليف الكتب وتصدر للدعوة والفتوى والاجتزاء والاكتفاء بما عندهم من الحصيلة العلمية
فيأتي أحدهم ويأخذ جزءا من العلم ويفرغ فيه جهده ويبذل فيه وسعه ويعطيه وقته ، وقد يكون هذا الجزء له رواجاً في المجتمع وبين الناس ويشتهر من يتفنن فيه سواء كان من علوم الحديث أو الفقه أو السيرة أو السياسة الشرعية أو اللغة أو غير ذلك من علوم السنة
كما هو حال بعضهم الذي أكثر من خوض في مسألة السياسة وقضايا النوازل وفقه الواقع فكرس فيها جهده ، مع عدم معرفة قدره وقدر ما يتحمله هذا العلم من الجهد وآلة الاجتهاد وأن هذا العلم له فرسانه من أهل الاجتهاد وأئمة الدين من أمثال من كان في درجة ابن باز و الألباني وابن عثيمين وصالح الفوزان و المفتي عبد العزبز واللحيدان والعباد وربيع بن هادي وغيرهم رحم الله الأموات وحفظ الأحياء ، ولكن هذا الصنف المشغب من كيده ومكره بالعلم وأهله يظهر للناس أنه له قدرة وإمكانية بأن يتكلم ويخوض في هذه القضايا العظام والنوازل الكبار وأنه بارع في هذا الفقه وأنه من أهله وحاملين له ، ومتفردين فيه في مصرهم ، وأنه من الذين يحسنون ممارسة السياسة ، والإصلاح السياسي ، حتى يظن السامع أنه قد أصبح أهلاً للخوض في هذه الأمور وأنه شيخ الإسلام الذي يرجع إليه مع إيهام الناس بأنه من أقوى الطلاب ضبطا للألفاظ اللغوية ومن أقوى الطلاب ضبطا للألفاظ الشرعية ، وأنه قوي في كتاباته ، وأن طرحه للمعضلات متميز ومتزن على طريق الحفاظ وأنه ملم بالسياسة الشرعية، وله قوة في غلق أبواب الفتن الحاصلة والنازلة وإلى غير ذلك من الشقشقة واللفلفة إما منه أو من أتباعه
ولكن عند التحقيق في منهجية الرجل وأطروحاته السياسية وإصلاحه السياسي الذي ينادي به ليلا ونهارا وبأنه من المتخصصين البارعين فيه على طريقة حفاظ أهل الحديث ، ما تجدها إلا تهريج وتهيج المسلمين على ولاة أمورهم بمقالاته وتعليقاته الفاضحة القبيحة المنشورة في شبكة الانترنت ، ولأساليب الخوارج القعدية يطبق وينفذ فهو في هذا على منهجهم يسير يهدد ويفضح وينشر في مساوئ الحكام على منابر الانترنت ، وفي المقابل علمائنا ينصحون في الراعي والرعية على الصلاح والإصلاح واجتماع الكلمة أهل الإسلام وحقن دماء المسلمين ويسعون في كف النزاع الذي هو واقع بين الحاكم والمحكوم ، ولكن هذا الصنف يتقيأ من قلبه المسموم فساد القول من التهريج واتساع الفتن والشر في الأمة الإسلامية وبأن الحكام هم أول المسؤول فيما يقع في الأرض من الفساد وأن مسؤولية الفتن عائدة عليهم ، فإذا أنتقد في هذه الفضائح القبائح ذهب يتذبذب ويميل يمينا وشمالا إلى تلك التعليقات إما بحذف الموضوع أو تغيير ألفاظه
على كل الحال قد نجعل لبيان هذه الشبهة التي وقع فيها ذاك المشغب من حيث يشعر أو لا يشعر ألا وهي أن التغيير الإصلاحي ينبغي أن يكون من فوق كلاما مستقلا لأهميتها وقد يطول علينا هنا ونخرج عن موضوعنا الذي نروم أن نبينه.
والعجيب الذي رأيته في هذا الرجل ما يتكلم في هذه القضايا إلا وترى منه ما يزكم النفس ويضر القلب وأن الرجل يدعي ما لم يعط ويصور في نفسه كأنه الإمام أحمد رحمه الله في معالجة الأوضاع وما حل بالأمة وما هو في الحقيقة إلا توما الحكيم ، وما يتكلم في هذا العلم إلا ازداد ازدراء طلبة العلم له وظهر ضعفه وفساد المنهجية العلمية التي عليها ، وسوء التغذية التي تغذاها في صباه
فهذا الصنف شر من الصنف الذين تكلم عليهم الشيخ الفاضل عادل منصور حفظه الله في (نصيحة اللبيب لكشف حال أهل التشغيب ) بأنهم إذا تكلموا في العلوم التي أرادوا بها الشهرة ولفت أنظار العامة إليهم وكسبهم بها ، بارعوا وأبدعوا في هذه العلوم وتفننوا فيها وأظهروا أحسن ما عندهم
أما الصنف الذي نتكلم عنه لا هو في العير و لا في النفير ، فالقوم ممن يتشبع بما لم يعط ، فقد سلبوا الفهم الصحيح والعقل السليم وجهلوا مساكين بأن هذا ((العلم من الله عز وجل لأصحاب القلوب النقية الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، وهو محنة للذين يبتغون بأعمالهم غير وجه الله ويريدون بسعيهم غير مقصده لذلك تكثر منهم الدعاوي ويتأتى منهم الفخر ولو فطنوا لعادوا إلى أنفسهم فعلموا أن الأمر كله لله وان الله أخرج الناس من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ثم هو علمهم بما جعل لهم من أدوات العلم وبما رزقهم من محنة الفهم وبما من عليهم بعد ذلك من تذليل للعوائق القائمة في سبيل الطلب ومن صرف للموانع الشاغلة عن التحصيل
ذكر تعالى منَّتَه على عباده، في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار التي بها يحسون المرئيات، والأفئدة وهي العقول ، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زِيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده.
وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان، ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه
فينبغي للمسلم أن يزداد قربا من ربه كلما ازداد علما وهذا من أدب العالم وحقيق به أن يكون كذلك إذ العلم داعية إلى الخضوع لله وترك الدعوى وعدم ذوق طعم النفس
قال الله تعالى ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )) النحل 78
قال القرطبي رحمه الله ((ذَكَرَ أَنَّ مِنْ نِعَمِهِ أَنْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ أَطْفَالًا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) أَيِ الَّتِي تَعْلَمُونَ بِهَا وَتُدْرِكُونَ )) الجامع لأحكام القرآن
قَالَ أَبُو عُمَرَ بن عبد البر ررحمه الله : (( وَمِنْ أَدَبِ الْعَالِمِ تَرْكُ الدَّعْوَى لِمَا لَا يُحْسِنُهُ , وَتَرْكُ الْفَخْرِ بِمَا يُحْسِنُهُ , إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ كَمَا اضْطُرَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَعْرِفُ حَقَّهُ فَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ وَيُعْطِيهِ بِقِسْطِهِ، وَرَأَى هُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقْعَدَ لَا يَقْعُدُهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ وَقْتِهِ إِلَّا قَصَّرَ عَمَّا يَجِبُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْقِيَامِ بِهِ مِنْ حُقُوقِهِ فَلَمْ يَسَعْهُ إِلَّا السَّعْيُ فِي ظُهُورِ الْحَقِّ بِمَا أَمْكَنَهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ لِلْعَالِمِ حِينَئِذٍ الثَّنَاءُ عَلَى نَفْسِهِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَحَدَّثَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لَهَا.... وَأَفْضَحُ مَا يَكُونُ لِلْمَرْءِ دَعْوَاهُ بِمَا لَا يَقُومُ بِهِ" وَقَدْ عَابَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَالُوا فِيهِ نَظْمًا وَنَثْرًا )) جامع بيان العلم )) انتهى من كتاب ( أفات العلم للشيخ الفاضل المفضال محمد رسلان ص 45 )
وليكن في علم القراء الكرام الفضلاء أن الذي يدعي ما لم يعط ، ويخوض فيما لا يحسن ويتكلم فيما ليس عليه بواجب بل ولا مستحب بل أعظم من ذلك وأدهى أنه واقع في الحرام وهو قول على الله بلا علم وهو عين الكذب عليه تعالى ، إذ الذي يتشبع بما لم يعط ، ويخوض في ما ليس به موكل لا شرعا ولا عقلا ، فهذا يصور في نفسه للأمة بخلاف ما هو عليه فقد حجمها فوق حجمها وأعطاها فوق ما تستحق ، والكذب إخبار بخلاف ما هو عليه الواقع وهذا حري بأن يكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول البوشنجي رحمه الله (( من أراد الفقه والعلم بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم )) انتهى
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين ص 380
((الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَهُوَ أَشَدُّ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا، وَأَعْظَمُهَا إِثْمًا، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ وَالْأَدْيَانُ، وَلَا تُبَاحُ بِحَالٍ، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا مُحَرَّمَةً، وَلَيْسَتْ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، الَّذِي يُبَاحُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ.
فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نَوْعَانِ: مُحَرَّمٌ لِذَاتِهِ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ.
وَمُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا عَارِضًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَقَالَ {وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَقَالَ {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الأعراف: 33] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَقَالَ {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ اللَّهِ وَأَشَدُّهَا إِثْمًا، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَنِسْبَتَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَغْيِيرَ دِينِهِ وَتَبْدِيلَهُ، وَنَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ وَإِثْبَاتَ مَا نَفَاهُ، وَتَحْقِيقَ مَا أَبْطَلَهُ وَإِبْطَالَ مَا حَقَّقَهُ، وَعَدَاوَةَ مَنْ وَالَاهُ وَمُوَالَاةَ مَنْ عَادَاهُ، وَحُبَّ مَا أَبْغَضَهُ وَبُغْضَ مَا أَحَبَّهُ، وَوَصَفَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
فَلَيْسَ فِي أَجْنَاسِ الْمُحَرَّمَاتِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْهُ، وَلَا أَشَدُّ إِثْمًا، وَهُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَعَلَيْهِ أُسِّسَتِ الْبِدَعُ وَالضَّلَالَاتُ، فَكُلُّ بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ فِي الدِّينِ أَسَاسُهَا الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ.
وَلِهَذَا اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَهَا، وَصَاحُوا بِأَهْلِهَا مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَحَذَّرُوا فِتْنَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَبَالَغُوا فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُبَالِغُوا مِثْلَهُ فِي إِنْكَارِ الْفَوَاحِشِ، وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِذْ مَضَرَّةُ الْبِدَعِ وَهَدْمُهَا لِلدِّينِ وَمُنَافَاتُهَا لَهُ أَشُدُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى دِينِهِ تَحْلِيلَ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ مِنْ عِنْدِهِ، بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] الْآيَةَ.
فَكَيْفَ بِمَنْ نَسَبَ إِلَى أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ؟ أَوْ نَفَى عَنْهُ مِنْهَا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؟ .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَحْذَرْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: أَحَلَّ اللَّهُ كَذَا، وَحَرَّمَ اللَّهُ كَذَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ، لَمْ أُحِلَّ هَذَا، وَلَمْ أُحَرِّمْ هَذَا.
يَعْنِي التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ، بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَأَصْلُ الشِّرْكَ وَالْكُفْرِ هُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ يَزْعُمُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ بِوَاسِطَتِهِ، كَمَا تَكُونُ الْوَسَائِطُ عِنْدَ الْمُلُوكِ، فَكُلُّ مُشْرِكٍ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، دُونَ الْعَكْسِ، إِذِ الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ قَدْ يَتَضَمَّنُ التَّعْطِيلَ وَالِابْتِدَاعَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ، وَالشِّرْكُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجِبًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَاتِّخَاذِ مَنْزِلَةٍ مِنْهَا مُبَوَّءًا، وَهُوَ الْمَنْزِلُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ صَاحِبُهُ، لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، كَصَرِيحِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا انْضَافَ إِلَى الرَّسُولِ فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْمُرْسِلِ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ صَرِيحٍ افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] .
فَذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذَا الْجِنْسِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْبِدَعِ.
وَأَنَّى بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، أَوْ يَظُنُّهَا سُنَّةً، فَهُوَ يَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا؟ فَلَا تَنْكَشِفُ لِهَذَا ذُنُوبُهُ الَّتِي تَجِبُّ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهَا إِلَّا بِتَضَلُّعِهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا، وَدَوَامِ الْبَحْثِ عَنْهَا وَالتَّفْتِيشِ عَلَيْهَا، وَلَا تَرَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ كَذَلِكَ أَبَدًا.
فَإِنَّ السُّنَّةَ بِالذَّاتِ تَمْحَقُ الْبِدْعَةَ، وَلَا تَقُومُ لَهَا، وَإِذَا طَلَعَتْ شَمْسُهَا فِي قَلْبِ الْعَبْدِ قَطَعَتْ مِنْ قَلْبِهِ ضَبَابَ كُلِّ بِدْعَةٍ، وَأَزَالَتْ ظُلْمَةَ كُلِّ ضَلَالَةٍ، إِذْ لَا سُلْطَانَ لِلظُّلْمَةِ مَعَ سُلْطَانِ الشَّمْسِ، وَلَا يَرَى الْعَبْدُ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَيُعِينُهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَتِهَا إِلَى نُورِ السُّنَّةِ، إِلَّا الْمُتَابَعَةُ، وَالْهِجْرَةُ بِقَلْبِهِ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى اللَّهِ، بِالِاسْتِعَانَةِ وَالْإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ اللَّجْإِ إِلَى اللَّهِ، وَالْهِجْرَةِ إِلَى رَسُولِهِ، بِالْحِرْصِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَهَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ حَظُّهُ وَنَصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ)) انتهى
فالذي أوقع هذا الصنف في هذا الخلق المذموم والفعل الممقوة والمسلك المحذور
أن يكتفي بطلب العلم في مرحلة من عمره ، ويشتغل بالعلم في فترة ما ، ثم يكتفي بما حصل ، وجلس بعد ذلك وتصدر للبذل والعطاء والفتوى دون أن يلتفت إلى أن ما عنده آيل للنقص والنسيان والذهاب والزوال ، وزد على هذا العجب والكبر والغرور الذي يلحق وأبتلي به هذا الصنف عند تصدره ومن علامته عدم الرجوع إلى الحق إذا نبه عليه والتمادي في الباطل إذا أخطأ
جاء في تهذيب إحياء علوم الدين 2 / 136
(( والكبر بالعلم، وهو أعظم الآفات وأغلب الأدواء وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما، بل لا قدر لهما أصلاً إلا إذا كان معهما علم وعمل.
ولذلك قال كعب الأحبار: (إن للعلم طغياناً كطغيان المال)
وكذلك قال عمر رضي الله عنه: (العالم إذا زل زل بزلته عالم ) ....
ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين:
أحدهما : أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما يحتمل عشره من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم .
الأمر الثاني : أن العالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده،، وأنه إذا تكبر صار ممقوتاً عند الله بغيضاً، وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال له إن لك عندي قدراً ما لم تر لنفسك قدراً فإن رأيت لنفسك قدراً فلا قدر لك عندي، فلا بد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه )) انتهى
وأما الغرور فهو أفة من آفات النفس قلما يمكن فصلها واضحا في حالة بعينها من حالات النفس البشرية بل إن آفة الغرور لا تنفك عن الكبر والعجب والرياء والسمعة بحال ، بل كل ذلك كالأصل الذي تتفرع منه ، وكالتربة التي تنبت فيها ، وكالماء الكدر الذي يرويها
قال ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس (إن أقواما علت هممهم فحصلوا علوم الشرع من القرآن والحديث والفقه والأدب وغير ذلك فأتاهم إبليس بخفي التلبيس فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لما نالوا وأفادوا غيرهم فمنهم من يستفزه لطول عنائه فِي الطلب فحسن لَهُ اللذات وقال لَهُ إِلَى متى هَذَا التعب ؟ أرح جوارحك من كلف التكاليف وأفسح لنفسك من مشتهاها فإن وقعت فِي زلة فالعلم يدفع عنك العقوبة وأورد عَلَيْهِ فضل العلماء فان خذل هَذَا العبد وقبل هَذَا التلبيس يهلك ......
وقد لبس إبليس عَلَى أقوام من المحكمين فِي العلم والعمل من جهة أخرى فحسن لهم الكبر بالعلم والحسد للنظير والرياء لطلب الرياسة فتارة يريهم أن هَذَا كالحق الواجب لهم وتارة يقوي حب ذلك عندهم فلا يتركونه مَعَ علمهم بأنه خطأ .... وَقَدْ يتخلص العلماء الكاملون من تلبيسات إبليس الظاهرة فيأتيهم بخفي من تلبيسه بأن يَقُول لَهُ مَا لقيت مثلك مَا أعرفك بمداخلي ومخارجي فان سكن إِلَى هَذَا هلك بالعجب وان سلم من المسألة لَهُ سلم
وَقَدْ قَالَ السري السقطي: لو أن رجلا دخل بستانا فيه من جميع مَا خلق اللَّه عز وجل من الأشجار عليها من جميع مَا خلق اللَّه تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر بلغته وقال السلام عليك يا ولي اللَّه فسكنت نفسه إِلَى ذلك كأن فِي أيديها أسيرا وَاللَّه الهادي لا إله إلا هو)) انظر إلى كتاب ( آفات العلم للشيخ محمد رسلان )
ولا علاج لهذه الأمراض الفتاكة لشخصية العبد ، المحبطة لإيمانه ، المميعة لمنهجه ،المضيعة لكرامته إلا بصدق اللجوء إلى الله ووجوب الإخلاص في طلب لله تعالى ، بأن ينوي الطالب في طلب العلم وجه الله عز وجل وان ينوي بطلب رفع الجهل عن نفسه أولا وعن غيره ثانيا ، وليحذر تعلم العلم لغير وجه الله تعالى ، ابتغاء لشهرة فارغة وطلبا لشهوة عاجلة وسعيا وراء تقدير يصير عدم وعدوا خلف فرح يئول إلى ندم كل ذلك مما يدخل في دائرة الوعيد وينظم في سلك التحريم الشديد
وقد ذكر(1) بعض أهل العلم أن من أسباب أو من مظاهر انحراف النية أن يختار الإنسان جزءا من العلم يكون لهذا الجزء رواجاً في المجتمع وبين الناس فيجتزئ بهذا الشيء من العلم يكرس فيه جهده ويبذل فيه وسعه ويتفنن فيه ويبرع ليظهر بمظهر أليق ولكي يشتهر وترفع منزلته بين أقرانه ويصبح يشار إليه بالبنان والمرجعية والاستقلالية والرياسة والفتوى
ومن كان بهذه الحال فقد جعل الْعلم مكسبا من مكاسب الدُّنْيَا ومعيشة من معايش أَهله لَا غَرَض لَهُم فِيهِ إِلَّا إِدْرَاك منصب من مناصب رئاسة من الرئاسات
(( فَإِن من كَانَ طَالبا للوصول إِلَى شئ من هَذِه الْأُمُور ذهب إِلَى مدارس الْعلم يتَعَلَّم مَا يتأهل بِهِ لما يَطْلُبهُ وَهُوَ لَا يتَصَوَّر الْبلُوغ إِلَى الثَّمَرَة المستفادة من الْعلم والغاية الْحَاصِلَة لطالبه فَيكون ذهنه كليلا وفهمه عليلا وَنَفسه خائرة وَنِيَّته خاسرة بل غَايَة تصَوره ومعظم فكرته فِي اقتناص المنصب والوصول إِلَيْهِ فيخدم فِي مُدَّة طلبه واشتغاله أهل المناصب وَمن يَرْجُو مِنْهُم الْإِعَانَة على بُلُوغ مُرَاده أَكثر مِمَّا يخْدم الْعلم ويتردد إِلَى أَبْوَابهم ويتعثر فِي مجَالِسهمْ وَيَذُوق بِهِ من الإهانة مَا فِيهِ أعظم مرَارَة ويتجرع من الْغصَص مَا يصغر قدر الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَإِذا نَالَ ذَلِك المنصب ضرب بالدفاتر وَجه الْحَائِط وَأَلْقَاهَا خلف الصُّور لعدم الْبَاعِث عَلَيْهَا من جِهَة نَفسه والمنشط على الْعلم والمرغب فِيهِ
فَهَذَا هُوَ شَبيه بِمن يتَعَلَّم مهنة من المهن ويتدرب فِي حِرْفَة من الْحَرْف فيقصد أَهلهَا حَتَّى يُدْرِكهَا وَيكون فِيهَا أستاذا ثمَّ يذهب إِلَى دكان من الدكاكين فيعتاش بِتِلْكَ الحرفة
وَلَيْسَ هُوَ من أهل الْعلم فِي ورد وَلَا صدر وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون معدودا مِنْهُم وَإِن ارتسم فِي ذهنه مِنْهُ رسوم فَهُوَ من أزهد النَّاس فِيهَا وأجفاهم لَهَا وَأَقلهمْ احتفالا بهَا وَلَا فَائِدَة فِي تعلمه رَاجِعَة إِلَى الدّين قطّ بل غَايَة مَا استفاده مِنْهُ الْعلم وَأَهله تعريضه وتعريضهم للإهانة عِنْد أهل الدُّنْيَا وإيقاعه وإيقاعهم فِي يَد من لَا يعرف للْعلم قدرا وَلَا يرفع لَهُ ذكرا وَلَا يُقيم لَهُ وزنا كَمَا يُشَاهد من المتعلقين بِالْأَعْمَالِ الدولية فَإِنَّهُم يتلاعبون بطلبة المناصب الدُّنْيَوِيَّة غَايَة التلاعب ويعرضونهم للإهانة مرّة بعد أُخْرَى ويتلذذون بذلك ويبتهجون لأَنهم يظنون أَنَّهَا قد ارْتَفَعت طبقتهم عَن طَبَقَات أهل الْعلم وحكموا تَارَة فيهم بِالْولَايَةِ وَتارَة بِالْعَزْلِ وتمرغوا على عتابتهم مرّة بعد مرّة فبهذه الْوَسِيلَة دخل على أهل الْعلم بِمَا يصنعه هَؤُلَاءِ من هَذِه الهنات الوضيعة والفعلات الشنيعة مَا تبْكي عُيُون الْعلم وَأَهله وَتقوم عَلَيْهِ النواعي ويغضب لَهُ كل من لَهُ حمية دينة وهمة علية وَلَو علم أُولَئِكَ المغرورون لم يبتهجوا بِمن قصدهم من هَؤُلَاءِ النوكاء فَإِنَّهُم لَيْسُوا من أهل الْعلم وَلَا بَينهم وَبينهمْ علاقَة وَلَا فرق بَينهم وَبَين من يطْلب الْأَعْمَال الدولية الَّتِي لَا تعلق لَهَا بِالْعلمِ
وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تنازل منصب الْعلم وتهاون النَّاس بِهِ لأَنهم يرَوْنَ رجلا قد لبس لِبَاس أهل الْعلم وتزين بزيهم وَحضر مجَالِسهمْ ثمَّ ذهب إِلَى مجَالِس أهل الدُّنْيَا وَمن لَهُم قدرَة على إِيصَال أهل الْأَعْمَال الدُّنْيَوِيَّة إِلَيْهَا من وَزِير أَو أَمِير فتصاغر لَهُم وتذلل وتهاون وتحقر حَتَّى يصير فِي عداد خدمهم وَمن هُوَ فِي أَبْوَابهم ثمَّ أَعْطوهُ منصبا من المناصب فَعمل مَا يريدونه مِنْهُم وَإِن خَالف الشَّرْع وَاعْتمد على مَا يرسمونه لَهُ وَإِن كَانَ طاغوتا بحتا
فيظن من لَا علم عِنْده بحقائق الْأُمُور أَن أهل الْعلم كلهم هَكَذَا وَأَنَّهُمْ ينسلخون من الْعلم إِذا ظفروا بِمنْصب من المناصب هَذَا الانسلاخ ويمسخون هَذَا المسخ وَيعود أَمرهم إِلَى هَذَا الْمعَاد فيزهد فِي الْعلم وَأَهله وتنفر عَنهُ نَفسه وتقل فِيهِ رغبته ويؤثر الْحَرْف الدُّنْيَوِيَّة عَلَيْهِ ليربح السَّلامَة من المهانة الَّتِي رَآهَا نازلة بِهَذَا المشؤوم الجالب على نَفسه وعَلى أهل الْعلم مَا جلب من الذل وَالصغَار
وَإِذا كَانَ مَا جناه هَؤُلَاءِ النوكاء على الْعلم وَأَهله بَالغا إِلَى هَذَا الْحَد عِنْد سَائِر النَّاس فَمَا ظَنك بِمَا يَعْتَقِدهُ فيهم من يطلبونه من المناصب بعد أَن شَاهد مِنْهُم مَا يُشَاهد من الخضوع والذلة والانسلاخ عَن الشَّرْع إِلَى مَا يريدونه مِنْهُ وبذل الْأَمْوَال لَهُم على ذَلِك ومهاداتهم بأفخر الْهَدَايَا وَالْوُقُوف على مَا يطلبونه مِنْهُ على أَي صفة ترَاد مِنْهُم
وينظم إِلَى هَذَا خلوهم عَن الْعلم وجهلهم لأَهله الَّذين هم أهلهم فيظنون أَن هَؤُلَاءِ الَّذين قصدوهم وتعثروا على أَبْوَابهم هم رُؤُوس أَهله لما يشاهدونه عَلَيْهِم من الْهَيْئَة واللباس الفاخر الَّذِي لَا يجدونه عِنْد المشتغلين بِالْعلمِ
فَهَل تراهم بعد هَذَا يميلون إِلَى مَا يَقُوله أهل الْعلم وينزجرون بِمَا يوردونه عَلَيْهِم من الزواجر الشَّرْعِيَّة المتضمنة لإنكار مَا هُوَ مُنكر وَالْأَمر بِمَا هُوَ مَعْرُوف والتخويف لَهُم عَن مُجَاوزَة حُدُود الله هَيْهَات أَن يصغوا لهَذَا سمعا أَو يفتحوا لَهُ طرفا فَإلَى الله المشتكى وَعَلِيهِ الْمعول فَهَذَا أَمر وَقع فِيهِ أهل العصور الأول فألأول
وَمَا أَحَق أهل الْعلم الحاملين لحجيج الله المرشدين لِعِبَادِهِ إِلَى شرائعه أَن يطردوا هَؤُلَاءِ عَن مجَالِسهمْ ويبعدونهم عَن مَوَاطِن تعليمهم وَأَن لَا يبذلوا الْعلم إِلَّا لمن يقدره حق قدره وينزله مَنْزِلَته ويطلبه لذاته ويرغب فِيهِ لشرفه ويعتقد أَنه أشرف مطلب من مطَالب الدّين وَالدُّنْيَا وَأَنه يصغر عِنْده الْملك فضلا عَمَّا هُوَ دونه )) (2)
وفي الأخير نختم هذه الفقرة بكلام نفيس للإمام الخطيب البغدادي رحمه الله
قال في الفقيه والمتفقه : (( ينبغي لمن اتسع وقته وأصح الله تعالى له جسمه ، وحبب إليه الخروج من طبقة الجاهلين ، وألقى في قلبه العزيمة على التفقه في الدين ، أن يغتنم المبادرة إلى ذلك ، خوفا من حدوث أمر يقتطعه عنه ، وتجدد حال يمنعه منه .... وليستعمل الجد في أمره ، وإخلاص النية في قصده ، والرغبة إلى الله في أن يرزقه علما يوفقه فيه ، ويعيذه من علم لا ينتفع به ... وليحذر أن يكون قصده فيما طلبه المجادلة به ، والمماراة فيه ، وصرف الوجوه إليه ، وأخذ الأعواض عليه )) انتهى
(1) (نصيحة اللبيب لكشف حال أهل التشغيب )
( 2) أدب الطلب ومنتهى الأرب ص 217 ـ 218 للإمام الشوكاني رحمه الله
يتبع إن شاء الله .. ..




رد مع اقتباس
