ـ قَوْله : ( يَرْثِي لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّة )
قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ كَلَام الرَّاوِي وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ اِنْتَهَى كَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( لَكِنْ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة )
فَقَالَ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَام : أَنَّهُ يَرْثِيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَوَجَّع لَهُ وَيَرِقّ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّة .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَائِل هَذَا الْكَلَام مَنْ هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْض الرِّوَايَات ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَكْثَر مَا جَاءَ أَنَّهُ مِنْ كَلَام الزُّهْرِيّ .
قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي قِصَّة سَعْد بْن خَوْلَة فَقِيلَ : لَمْ يُهَاجِر مِنْ مَكَّة حَتَّى مَاتَ بِهَا .
قَالَ عِيسَى بْن دِينَار وَغَيْره : وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ هَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى مَكَّة وَمَاتَ بِهَا .
وَقَالَ اِبْن هِشَام : إِنَّهُ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرهَا ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّة فِي حَجَّة الْوَدَاع ، سَنَة عَشْر ، وَقِيلَ : تُوُفِّيَ بِهَا سَنَة سَبْع فِي الْهُدْنَة ، خَرَجَ مُجْتَازًا مِنْ الْمَدِينَة ، فَعَلَى هَذَا وَعَلَى قَوْل عِيسَى بْن دِينَار سَبَب بُؤْسه سُقُوط هِجْرَته ؛ لِرُجُوعِهِ مُخْتَارًا ، وَمَوْته بِهَا ، وَعَلَى قَوْل الْآخَرِينَ سَبَب بُؤْسه مَوْته بِمَكَّة عَلَى أَيّ حَال كَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ لَمَا فَاتَهُ مِنْ الْأَجْر وَالثَّوَاب الْكَامِل بِالْمَوْتِ فِي دَار هِجْرَته ، وَالْغُرْبَة عَنْ وَطَنه إِلَى هِجْرَة لِلَّهِ تَعَالَى .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ مَعَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَجُلًا وَقَالَ لَهُ : ( إِنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّة فَلَا تَدْفِنهُ بِهَا ) ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَمُوت فِي الْأَرْض الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ) ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ( قَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص : خَشِيت أَنْ أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْت مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْد بْن خَوْلَة ) ، وَسَعْد بْن خَوْلَة هَذَا : هُوَ زَوْج سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة . ( 18)
ـ قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله في حجة الوداع 1/ 443
وقد وجدنا للأفاضل كلاما يأتون به تفسيرا للحديث يصلونه به ..... ووجدنا الزهري قد روى عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة زيارة النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتل ، فذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم : « لكن البائس سعد ابن خولة » ، ثم وصل به : يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة ، ولا شك في أن هذا اللفظ ليس من كلامه عليه الصلاة و السلام .)) انتهى
وجاء في تحفة الأشراف (5/ 242) للحافظ المزي رحمه الله
عن إبراهيم بن سعد، وقال في آخره: لكنَّ البائس سعد بن خولة ،
قال الزهريُّ: يرثي له رسول الله إن مات بمكة.)) انتهى
ـ وجاء في النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 2/ 821 تحقيق العلامة المحدث ربيع بن هادي عمير المدخلي حفظه الله :
ما أدرج في الحديث من كلام بعض التابعين
وأما ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة ـ رضي الله عنه - فمنه حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - في قصة مرضه بمكة واستئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوصية، وفيه:
لكن البائس سعد بن خولة - يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن مات بمكة فإن قوله: "يرثي له.." إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه .)) انتهى
ـ ولكن جاء في فتح الباري لابن حجر رحمه الله (8/ 297)
وَقَوْل الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَته " يَرْثِي لَهُ إِلَخْ "
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : زَعَمَ أَهْل الْحَدِيث أَنَّ قَوْله : " يَرْثِي إِلَخْ " مِنْ كَلَام الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ وَغَيْره : هُوَ مُدْرَج مِنْ قَوْل الزُّهْرِيِّ . قُلْت : وَكَأَنَّهُمْ اِسْتَنَدُوا إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُ فَصَّلَ ذَلِكَ ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الدَّعَوَات عَنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فِي آخِره " لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة ، قَالَ سَعْد : رَثَى لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ " فَهَذَا صَرِيح فِي وَصْله فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْم بِإِدْرَاجِهِ )) انتهى
ـ قوله (لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضُرٌّ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا فَهُوَ ذَمٌّ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ
(يَرْثِي لَهُ) مِنْ رَثَيْتُ الْمَيِّتَ مَرْثِيَّةً إِذَا عَدَدْتُ مَحَاسِنَهُ وَرَثَأْتُ بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ فِيهِ
فَإِنْ قِيلَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المراثى كما رواه أحمد وبن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَإِذَا نُهِيَ عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَّةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا وَلَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( 19 )
ـ سئل العلامة عبدالمحسن العباد حفظه الله في شرح سنن أبي داود ص: 2
السائل : يقول صاحب العون: ( يرثي له ) من رثيت الميت مرثية إذا عددت محاسنه، ورثأت بالهمزة لغة فيه، فإن قيل: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي) كما رواه أحمد و ابن ماجة وصححه الحاكم ، فكيف يفعله؟
فالجواب: أن المرثية المنهي عنها ما فيه مدح الميت وذكر محاسنه الباعث على تهييج الحزن وتجديد اللوعة، أو فعلها مع الاجتماع لها، أو على الإكثار منها دون ما عدا ذلك، فما رأيكم؟
الجواب: الظاهر أن الحديث ليس من هذا القبيل؛ لأنه قال: ( يرثي له )،
وما قال: يرثيه، يعني: يتأسف عليه، ويحزن؛ لأنه ما حصل له الذي حصل لغيره، فهذا هو معنى ( يرثي له ) ؛ لأن يرثي له غير كونه يرثيه، فهو هنا يحزن أو يتأسف على الشيء الذي فاته من الخير، فهو بمثابة الفقير الذي فاته الغنى، فيكون هذا فاته ثواب تمام الهجرة. (والمراد هنا توجعه عليه السلام وتحزنه على سعد ؛ لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها لا مدح الميت لتهييج الحزن، كذا ذكره القسطلاني ).انتهى
ـ وجاء في شرح فتح الباري لابن حجر 8/ 297
الرواية التالية ( (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ( جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ ... ))
قَوْله : ( قَالَ يَرْحَم اللَّه اِبْن عَفْرَاء )
كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي رِوَايَة أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَان " فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْحَم اللَّه سَعْد اِبْن عَفْرَاء ثَلَاث مَرَّات "
قَالَ الدَّاوُدِيّ : " اِبْن عَفْرَاء " غَيْر مَحْفُوظ .
وَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ : هُوَ وَهْم ، وَالْمَعْرُوف " اِبْن خَوْلَة " قَالَ : وَلَعَلَّ الْوَهْم مِنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظ مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ " سَعْد بْن خَوْلَة " يُشِير إِلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَته بِلَفْظِ " لَكِنَّ الْبَائِس سَعْد بْن خَوْلَة يَرْثِي لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّة "
قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْت آنِفًا مَنْ وَافَقَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَاب الْمَغَازِي وَذَكَرُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع ، وَقَالَ بَعْضهمْ فِي اِسْمه " خَوْلِيّ " بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة وَاتَّفَقُوا عَلَى سُكُون الْوَاو ، وَأَغْرَبَ اِبْن التِّين فَحَكَى عَنْ الْقَابِسِيّ فَتْحهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فِي الْفَرَائِض " قَالَ سُفْيَان وَسَعْد بْن خَوْلَة رَجُل مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ " ا هـ .
وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ثُمَّ لِأَبِي رُهْم بْن عَبْد الْعُزَّى مِنْهُمْ ، وَقِيلَ كَانَ مِنْ الْفُرْس الَّذِينَ نَزَلُوا الْيَمَن ، وَسَيَأْتِي شَيْء مِنْ خَبَره فِي غَزْوَة بَدْر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي حَدِيث سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّة ، وَيَأْتِي شَرْح حَدِيث سُبَيْعَة فِي كِتَاب الْعَدَد مِنْ آخِر كِتَاب النِّكَاح .
وَجَزَمَ اللَّيْث بْن سَعْد فِي تَارِيخه عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب بِأَنَّ سَعْد بْن خَوْلَة مَاتَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَهُوَ الثَّابِت فِي الصَّحِيح ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَاتَ فِي مُدَّة الْهُدْنَة مَعَ قُرَيْش سَنَة سَبْع ، وَجَوَّزَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْخِصَال الْكَاتِب الْمَشْهُور فِي حَوَاشِيه عَلَى الْبُخَارِيّ أَنَّ الْمُرَاد بِابْنِ عَفْرَاء عَوْف بْن الْحَارِث أَخُو مُعَاذ وَمُعَوِّذ أَوْلَاد عَفْرَاء وَهِيَ أُمّهمْ ، وَالْحِكْمَة فِي ذِكْره مَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُ قَالَ يَوْم بَدْر "مَا يُضْحِك الرَّبّ مِنْ عَبْده ؟ قَالَ : أَنْ يَغْمِس يَده فِي الْعَدُوّ حَاسِرًا ، فَأَلْقَى الدِّرْع الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ "
قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا رَأَى اِشْتِيَاق سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص لِلْمَوْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَلِي الْوِلَايَات ذَكَرَ اِبْن عَفْرَاء وَحُبّه لِلْمَوْتِ وَرَغْبَته فِي الشَّهَادَة كَمَا يَذْكُر الشَّيْء بِالشَّيْءِ فَذَكَرَ سَعْد بْن خَوْلَة لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّة وَهِيَ دَار هِجْرَته وَذَكَرَ اِبْن عَفْرَاء مُسْتَحْسِنًا لِمِيتَتِهِ ا هـ مُلَخَّصًا .
وَهُوَ مَرْدُود بِالتَّنْصِيصِ عَلَى قَوْله : " سَعْد اِبْن عَفْرَاء " فَانْتَفَى أَنْ يَكُون الْمُرَاد عَوْف وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي الْمَوْت ، بَلْ فِي بَعْضهَا عَكْس ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ " بَكَى فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يُبْكِيك ؟ فَقَالَ : خَشِيت أَنْ أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْت مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْد بْن خَوْلَة " وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيِّ ، وَأَيْضًا فَمَخْرَج الْحَدِيث مُتَّحِد وَالْأَصْل عَدَم التَّعَدُّد ، فَالِاحْتِمَال بَعِيد لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَوْف اِبْن عَفْرَاء وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَالَ التَّيْمِيُّ : ( يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لِأُمِّهِ اِسْمَانِ خَوْلَة وَعَفْرَاء) ا هـ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَحَدهمَا اِسْمًا وَالْآخَر لَقَبًا أَوْ أَحَدهمَا اِسْم أُمّه وَالْآخَر اِسْم أَبِيهِ أَوْ وَالْآخَر اِسْم جَدَّة لَهُ ، وَالْأَقْرَب أَنَّ عَفْرَاء اِسْم أُمّه وَالْآخَر اِسْم أَبِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ خَوْلَة أَوْ خَوْلِيّ ،.
ـ وَفِيِ الحديث دَلِيلٌ عَلَى قَطْعِ الذَّرَائِعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ لِأَنَّ سَعْدًا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَرُبَّمَا حَمَلَ غَيْرَهُ حُبُّ الْوَطَنِ عَلَى دَعْوَةِ الْمَرَضِ فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَلَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ( 20 )
ـ وَفِيهِ مَنْع نَقْل الْمَيِّت مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَأَمَرَ بِنَقْلِ سَعْد بْن خَوْلَة قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ
ـ و من فوائده : َأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ الرُّجُوع فِيهِ وَلَا فِي شَيْء مِنْهُ مُخْتَارًا ، وَفِيهِ التَّأَسُّف عَلَى فَوْت مَا يَحْصُل الثَّوَاب ، وَفِيهِ حَدِيث " مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَة " وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى جَبْره بِغَيْرِ ذَلِكَ
ـ وَفِيهِ النَّظَر فِي مَصَالِح الْوَرَثَة ، وَأَنَّ خِطَاب الشَّارِع لِلْوَاحِدِ يَعُمّ مِنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاء عَلَى الِاحْتِجَاج بِحَدِيثِ سَعْد هَذَا وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد .
وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِسَعْدٍ وَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَاله مِمَّنْ يَخْلُف وَارِثًا ضَعِيفًا أَوْ كَانَ مَا يَخْلُفهُ قَلِيلًا لِأَنَّ الْبِنْت مِنْ شَأْنهَا أَنْ يُطْمَع فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ مَال لَمْ يُرْغَب فِيهَا. )) ( 21 )
ـ وفي الحديث : أنه ما من إنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله إلا ازداد به رفعة ودرجة حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر .
ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الإنسان إذا صلى في أرض مغصوبة فإن صلاته صحيحة لأن النهي ليس عن الصلاة بل النهي عن الغصب .
فالنهي منصب على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغصوب لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب، نعم لو ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تصل في أرض مغصوبة، لقلنا إذا صليت في الأرض المغصوبة فصلاتك باطلة
كما نقول إنك إن صليت في المقبرة فصلاتك باطلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام هذا غير صلاة الجنازة لأنها تجوز حتى في المقبرة . ( 22 )
فائدة : سئل العلامة عبدالمحسن العباد حفظه الله كما هو في شرح سنن أبي داود ص: 2
السائل : من يطعنون في سعد رضي الله عنه هل لهم حظ من قوله صلى الله عليه وسلم: (ويضر بك آخرون) ؟
الجواب: لا شك أن لهم نصيباً من هذا، ومعلوم أن هذا لا يختص بسعد بل كل من تكلم في الصحابة فإنه يضر نفسه ويجني عليها، كما قال الحافظ ابن حجر لما جاء عند حديث المصراة في فتح الباري، وكان بعض أتباع الأئمة الذين لا يقولون بمقتضى حديث المصراة الذي رواه أبو هريرة قالوا عنه: و أبو هريرة ليس كعبد الله بن مسعود في الفقه، وكأنه يغمز له بأنه ليس صاحب فقه كابن مسعود ، قال الحافظ ابن حجر : وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه، ومجرد تصوره كاف عن الحاجة إلى بيان فساده. ولا شك أن كل من يقع في أعراض آحاد المسلمين فإنه قد جنى على نفسه وضر نفسه؛ لأن الوقوع في سلف هذه الأمة وفي خير هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين نقلوا الكتاب والسنة لا شك أنه من أعظم الجناية من الإنسان على نفسه؛ لأنه يتكلم في خيار الناس، وفي سادات هذه الأمة الذين هم خيرها وأفضلها، ولم يأت أحد بعدهم مثلهم؛ لأن الله تعالى أكرمهم في هذه الحياة الدنيا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الله نبيه للرسالة، واختار له أصحاباً يجاهدون معه، ويتلقون الكتاب والسنة عنه، ويؤدونهما إلى الناس من بعدهم، فهم الواسطة بين الناس وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وما عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، ومن لم يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الصحابة فإنه لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له بالرسول صلى الله عليه وسلم، وصلته بالرسول مبتورة مقطوعة؛ لأن الخير والحق والهدى ما وصل إلى الناس إلا عن طريق الصحابة، والله عز وجل اختاره للرسالة، واختار أصحابة لتحمل الرسالة وتلقيها عنه. ولهذا قال أبو زرعة الرازي : إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق؛ وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -أي: الذين يتكلمون في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم- يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالقاضي إذا جاء عنده شهود يشهدون فالمدعى عليه قدح في الشهود، فهذا الذي شهد به لا يعتبر؛ لأن الشاهد ردت شهادته، ولهذا يقول أبو زرعة : وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، فليست القضية قضية أن من تكلم في سعد تضرر، بل من تكلم في آحاد من المسلمين فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يضر نفسه.)) انتهى والحمد لله رب العالمين

( 1) المنتقى - شرح الموطأ (4/ 80):
( 2) وهذا مِنْ أَشْرَفِ أَنْوَاعِ الْعِلَاجِ، وَهُوَ الْإِرْشَادُ إِلَى مَا يُطَيِّبُ نَفْسَ الْعَلِيلِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي تَقْوَى بِهِ الطَّبِيعَةُ، وَتَنْتَعِشُ بِهِ الْقُوَّةُ، وَيَنْبَعِثُ بِهِ الْحَارُّ الْغَرِيزِيُّ، فَيَتَسَاعَدُ عَلَى دَفْعِ الْعِلَّةِ أَوْ تَخْفِيفِهَا الَّذِي هُوَ غَايَةُ تَأْثِيرِ الطَّبِيبِ.
وَتَفْرِيحُ نَفْسِ الْمَرِيضِ، وَتَطْيِيبُ قَلْبِهِ، وَإِدْخَالُ مَا يَسُرُّهُ عَلَيْهِ، لَهُ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي شِفَاءِ عِلَّتِهِ وَخِفَّتِهَا، فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ وَالْقُوَى تَقْوَى بِذَلِكَ، فَتُسَاعِدُ الطَّبِيعَةَ عَلَى دَفْعِ الْمُؤْذِي، وَقَدْ شَاهَدَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى تَنْتَعِشُ قُوَاهُ بِعِيَادَةِ مَنْ يُحِبُّونَهُ، وَيُعَظِّمُونَهُ، وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ، وَلُطْفِهِمْ بِهِمْ، وَمُكَالَمَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ فَوَائِدِ عِيَادَةِ الْمَرْضَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ: نَوْعٌ يَرْجِعُ إِلَى الْمَرِيضِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَائِدِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى أَهْلِ الْمَرِيضِ، وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَامَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَدْيِهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ الْمَرِيضَ عَنْ شَكْوَاهُ، وَكَيْفَ يَجِدُهُ وَيَسْأَلُهُ عَمَّا يَشْتَهِيهِ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَرُبَّمَا وَضَعَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، وَيَدْعُو لَهُ، وَيَصِفُ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ فِي عِلَّتِهِ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ وَضُوئِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ اللُّطْفِ، وَحُسْنِ الْعِلَاجِ وَالتَّدْبِيرِ. ( انظر إلى الطب النبوي لابن القيم ص: 87)
( 3) فتح الباري لابن حجر (8/ 297)
( 4 ) شرح النووي على مسلم (6/ 16)
(5 ) ، ( 6 ) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 8 / 373
( 7 ) شرح رياض الصالحين ابن عثيمين رحمه الله
( 8 ) قال العلامة ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين ص: ج 1 / 28
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرضاً مخوفاً أن يعطي أكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة لأن الورثة تعلق حقهم بالمال لما مرض الرجل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الثلث والثلث كثير)
( 9 ) التمهيد 8 / 381
( 10) شرح رياض الصالحين ابن عثيمين رحمه الله
( 11 ) التمهيد 8 / 387
( 12 ) شرح النووي على مسلم 6/ 16
( 13 ) فتح الباري لابن حجر 8/ 297
( 14 ) شرح النووي على مسلم 6/ 16
( 15 ) فتح الباري لابن حجر 8/ 297
( 16 ) شرح رياض الصالحين ابن عثيمين رحمه الله
( 17 ) التمهيد 8/ 392
( 18 ) شرح النووي على مسلم 6/ 16
( 19 ) عون المعبود وحاشية ابن القيم 8/ 47
( 20 ) التمهيد 8/ 391
( 21 ) فتح الباري 8/ 297
( 22 ) شرح رياض الصالحين ابن عثيمين رحمه الله