الشبهة الثالثة : إدخالها في النذر وإهداء ثوابها للميت
فالجواب عن هذه الشبهة ما قاله أيضا العلامة مبارك بن محمد الميلي رحمه الله في رسالته الشرك ومظاهره
(( إدخال الزردات في النذر وإهداء الثواب فقد صوره أحدهم بقوله ( لله علي شاة أوبدنة أوبقرة لسيدي فلان صدقة عليه أو إن شفى الله مريضي أو ولد لي ولد فعلي إطعام كذا بمحل كذا )
وهذه الصيغة لا تعرف عند العامة لفظها ولا معناها فليست تصويرا لما في نفوسهم إنما هي تأويل فيه تضليل ثم لا يتأيد من الدين بدليل )) انتهى
والشيء بالشيء يذكر سئل العلامة الفقيه محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله كما جاء في مجموع فتاوى (20/ 89): عن حكم الصدقة للأموات؟ وذبح الذبائح في رمضان وإهداء ثوابها للأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة للوالدين والأموات جائزة ولا بأس بها إذا كانوا مسلمين، ولكن الدعاء أفضل من الصدقة لهما، لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجه إليه في قوله: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ولم يقل: ولد صالح يتصدق عنه، أو يصلي له، ولكن مع ذلك لو تصدق عن الميت لأجزأه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأله رجل عن أب له مات ولم يوص، فهل ينفعه أن يتصدق عنه؟ قال: «نعم»، لكن ما يفعله بعض الناس في ليالي رمضان من الذبائح والولائم الكثيرة، والتي لا يحضرها إلا الأغنياء، فإن هذا ليس بمشروع،( 13 ) وليس من عمل السلف الصالح، فينبغي تركه، لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد ولائم يحضرها الناس، ويجلسون إليها على أن البعض منهم يتقرب إلى الله تعالى بذبح هذه الذبيحة، ويرى أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وهذا يوجب أن يتقربوا إلى الله تعالى بنفس الذبح فيلحقها بالنسك في غير محله، لأن الذبائح التي يتقرب بها إلى الله هي الأضاحي، والهدايا، والعقائق، وهذه ليس منها، فلا يجوز إحداث شيء في دين الله تعالى. )) انتهى
الشبهة الرابعة : إعتقادهم خيرية ومشرعية شد رحال لزيارة المشايخ ، وتبرك بآثارهم ، وتمسح بقبورهم ، وتوسل بهم
والجواب عن هذا نقول
1 ـ قال فضيلة الشيخ أحمد حماني رحمه الله
(( الزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من ذوي العلم والفهم والصلاح ، فيكتسب منه الزائر العلم والدين والصلاح ، ويأخذ منه المعقول والمنقول ، ويرجع بفوائد جمة . كما كان عالم المدينة بها ، وأبو حنيفة في العراق , هذه هي الزيارة المأذون فيها ، وكانت تضرب إليها آباط الإبل , فأما إذا كان الشيخ كالصنم فماذا يستفيد الزائر ؟ أعلما أم زهدا أم صلاحا أم نصيحة أم عقلا ؟ إن المشايخ كانوا خلوا من كل ذلك , وفاقد الشيء لا يعطيه .
والذين كان يمكن الاستفادة من علمهم لم يردوا في سؤالكم ، ولا يمكن أن يخطروا ببالكم ، مثل ابن باديس والتبسي - رحمهما الله - , فقد كان يزورهما الطلاب ، ويرجعون من عندهم بعلم وفير ونصائح جمة أفادت الوطن والأمة .
وإنما حكمت أنك لا تريد هذا الصنف المقيد من العلماء ؛ لأنك ذكرت مع زيارتهم ، البركة والتمسح بالقبور والزردة والوعدة ، ونسيت الهردة والوخدة والفجور والخمور , فقد أنقذوا هذه الأمة من هذه الشرور وخلصوها من قبضة مشايخ الطرق , فكان ذلك مقدمة لتحريرها ورفع رايتها, ولم يكن لغالب مشايخ الطرق إلا فضيلة النسب الشريف وهو مظنون , وإن صح ففي الحديث (( من بطأ به عمـله لم يسرع به نسبه )) رواه مسلم ، وأم الشرفاء قال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (( يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا)) رواه البخاري ومسلم . فإذا أردت أخذ البركة من المشايخ ؛ فاقصدهم للعلم والفضل والصلاح والزهد ، واقتد بهم ، واعمل عملهم ؛ تنتفع وتحصل لك أنواع من البركة الحقيقية لا المتخيلة .)) انتهى
وقال العلامة المحدث أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله في كتابه ( المورد الذب الزلال ص 134 ـ 135 )
إن الزيارة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنية وبدعية وشركية.
فمن دعا صاحب القبر فهو مشرك وزيارته شركية، ومن زعم أن الدعاء عند ذلك القبر مستجاب فهو مبتدع وزيارته بدعية ومن زار قبر فلان ليدعو له، لعلمه أن المقبور في حاجة إلى الدعاء فتلك هي الزيارة السنية التي حث عليها النبي في قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة) أخرجه مسلم .
ولكن الزيارة السنية لا يجوز أن يشد إليها رحل لقول النبي : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) إرواء الغليل للألباني .....
والذهاب إليها والمحاضرة فيها عن غير الشرك الذي يجري فيها شاهد ثالث وفيه من المحاذير:
1 ـ إيهام العامة أن ما يجري عندتلك القبور من الدعاء لغير الله والاستغاثة بغيره من المخلوقين والذبح والنذر لهم دونه أنه هو الإسلام وذلك محاربة للإسلام الصحيح لا دعوة إليه.
2 ـ فيه تشجيع للوثنية التي حاربها الإسلام من أول يوم نزل القرآن فيه على النبي وبالأخص في السور المكية كقوله تعالى {ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً لمن الظالمين}يونس 106 .
3 ـ صدور هذا من داعية يظهر للناس أنه يمثل الإسلام الصحيح أعظم في التغرير بالسذج، وأكثر إيغالاً في الإيهام والخداع، وأنا لا أعتقد أن البنا قصد الإيهام، ومن سبر حاله من كتبه وسيرته يتبين له أن الذي أوقعه في ذلك هو الجهل بالإسلام الصحيح)) انتهى
2 ـ أما التمسح على قبورهم : فإن مثل هذا التمسح نوع من الشرك ولا يكون إلا للحجر الأسود بالكعبة فقط مع التوحيد الخالص لله وقد قال له عمر – رضي الله عنه - يخاطبه : « والله ما أنت إلا حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك » متفق عليه, فإن كنت مع الحجر الأسود كما قال عمر ، فلا بأس أن تقبله ، أما غيره فلا يجوز لك التمسح به ؛ فإن التمسح به وتقبيله شرك يتنـزه عنه المؤمن الموحد .
إن المؤمن يعلم - كما علم عمر – أنه حجر والله يقول في مثله من الجماد الذي كان يفتن العباد : ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ﴾ [فاطر 14] ، فالبركة المستفادة من هذا التمسح هي الرجوع إلى عهد الجاهلية والشرك بالله. هذا هو التمسح بالقبور , فإنها أجداث ، فإن قصدت ساكني القبور ، فإن ذلك منك أضل ، ألم تر أن صاحب القبر كان حيا يرزق ثم جاءه الموت , والموت كريه لا يحب زيارته أحد من الأحياء , فلم يستطع دفعه عن نفسه واستسلم مكرها ولو استطاع أن يفتدي منه لبذل له الدنيا وما فيها .
فمن رجا الخير من ميت أو دفع الضر المتوقع فلا أضل منه , فادع في كل ما يصيبك الحي الذي لا يموت فإنه النافع الضار وحده والله يوصي عباده فيقول﴿ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ﴾ [ فصلت :37]
3 ـ أما التوسل بهم ، فإن التوسل الشائع بين الناس وهو دعاء - الدعاء مخ العبادة – شرك محض , فالتوحيد أن تدعو الله الذي خلقك - ولو عظمت ذنوبك – فإنه معك يسمع دعاءك فإن كان لابد من التوسل فتوسل بصالح أعمالك كما فعل الثلاثة أصحاب الغار حينما نزلت عليهم الصخرة وسدته عليهم , فاستجاب لهم من يعلم بشدتهم, هذا هو التوسل الصحيح وغيره قد يوقع صاحبه في الشرك فلا تحم حوله.)) ( 14 )
وسئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله كما جاء في مجموع فتاوى (2/ 346): عن التوسل هل هو من مسائل العقيدة؟ وعن حكم التوسل بالصالحين؟
فأجاب - رحمه الله تعالى - بقوله : التوسل داخل في العقيدة، لأن المتوسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيرًا في حصول مطلوبه، ودفع مكروهه؛ فهو في الحقيقة من مسائل العقيدة؛ لأن الإنسان لا يتوسل بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيرًا فيما يريد.
والتوسل بالصالحين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول : التوسل بدعائهم فهذا لا بأس به؛ فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتوسلون برسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدعائه: يدعو الله لهم فينتفعون بذلك؛ واستسقى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " العباس بن عبد المطلب " بدعائه.
وأما القسم الثاني : فهو التوسل بذواتهم: فهذا ليس بشرعي؛ بل هو من البدع من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر.
فهو من البدع؛ لأنه لم يكن معروفًا في عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه.
وهو من الشرك لأن كل من اعتقد في أمر من الأمور أنه سبب ولم يكن سببًا شرعيًا فإنه قد أتى نوعًا من أنواع الشرك؛ وعلى هذا لا يجوز التوسل بذات النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مثل أن يقول: أسألك بنبيك محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا على تقدير أنه يتوسل إلى الله -تعالى- بالإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحبته فإن ذلك من دين الله الذي ينتفع به العبد، وأما ذات النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فليست وسيلة ينتفع بها العبد؛ وكذلك على القول الراجح لا يجوز التوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن جاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنما ينتفع به النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفسه؛ ولا ينتفع به غيره؛ وإذا كان الإنسان يتوسل بجاه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باعتقاد أن للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جاهًا عند الله فليقل: اللهم إني أسألك أن تشفع بي نبيك محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وما أشبه ذلك من الكلمات التي يدعو بها الله عز وجل. )) انتهى
وفي الأخير يا قومنا ندعوكم ونأمل فيكم الخير ، ونرجو لكم السعادة والفلاح في الدنيا والأخرة ، وأن تكون لكم قلوبا واعية وأذانا سامعة لم وجهناه إليكم من كلام دعاة الإصلاح وعلمائكم الأبطال الذين كانوا لهم يد وسابقة في تحرير وطنكم العزيز الغالي من بطشة وغطرسة وظلم العدو المستدمر الفرنسي الكافر ، وهذا بعد فضل الله ونعمته وإحسانه علينا
يا قومنا أجيبوا داعي الله ولا تجيبوا داعي الشيطان ، يل قومنا إن أصول هذه المنكرات مفسدة للعقيدة وإن فروعها مفسدة للعقل والمال وإنكم مسؤولون عند الله عن جميع ذلك ، يا قومنا إنكم تنفقون هذه الأموال في حرام وإن الذبائح التي تذبحونها حرام لا يحل أكلها ، لأنها مما أهل به لغير الله ، فمن أفتاكم بغير هذا فهو مفتي الشيطان لا مفتي القرآن ) ( 15 ) وينبني على هذا يا قومنا أنه يحرم حضور لهذه المشاهد الشركية والبدعية أو مشاركة فيها أو إعانة على إقامتها أو بيع ما يستعن به على إظهارها أوتهنئة من يقوم بها أو إتخاذ إيامها يوم راحة وفرح وسرور وترك الوظائف في ذلك اليوم أو طبخ طعام مخصوص وصنع الحلوة وتوزيعها أو إيقاد الشموع وتبخير البخور وتزيين الشوارع والمباني وغير ذلك من الأمور المنكرة لأن في ذلك إعانة على المنكرات والله تعالى يقول في محكم تنزيله
(( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) المائدة 2 ( 16 )
اللهم إن هذا جهد مقل فتقبله مني فأنت تعلم أني دافعت به عن التوحيد والسنة التي هي عقيدة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المهتدين، وانفعني به في يوم الفاقة والحاجة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم ما كان فيه من حق وصواب فهو منك؛ لأنه تم بعونك وتوفيقك وتسديدك وما كان فيه من خطإ وباطل فهو مني، والله ورسوله بريئان من ذلك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه وجمعه الفقير إلى الله : أبوأنس بن سلة بشير بن عبدالقادر الجزائري
وانتهى من زبره صبيحت يوم الخميس 9 يونيو 2011 م / 7 رجب 1432هـ
معسكر / الجزائر
( 1 ) المورد العذب الزلال للعلامة المحدث أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله من ص 44 إلى ص 87 باختصار مني
( 2 ) كتاب أعراس الشيطان الزردة والوعدة ص 36 مقال للشيخ محمد السعيد الزاهري رحمه الله
( 3 ) مقال للشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله نفس المصدر ص 22 ـ 23 ـ 24
( 4 ) منشور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى الأمة الجزائرية المسلمة نفس المصدر ص 17
( 5 ) مقال للشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله نفس المصدر ص 24
( 6 ) نفس المصدر ص 36 ـ 37
( 7 ) من رسالة الشرك ومظاهره للشيخ العلامة مبارك بن محمد الميلي رحمه الله نفس المصدر ص 28
( 8 ) مقال بعنوان ( لماذا نحيي عهد الزردة والوعدة ؟ ) نفس المصدر ص 44
( 9 ) من رسالة الشرك ومظاهره نفس المصدر ص 29
( 10 ) نفس المصدر ص 18
( 11 ) القائد إلى تصحيح العقائد للعلامة المحدث عبدالرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليمني ص 22 ط المكتب الإسلامي / علق عليه العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله
( 12 ) شرح الأربعين النووية للعلامة الفقيه محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله عند شرح الحديث الخامس
( 13 ) انظر إلى كلام العلامة ابن عثيمين رحمه الله وتفهمه وتأمله جيدا وقد عد تلك الذبائح والولائم والتي لا يحضرها إلا الأغنياء وفي ليالي رمضان أن هذا عمل ليس بمشروع وليس من عمل السلف الصالح فكيف بتلك المظاهر الشركية والبدعية فأمرها أفضح وأشنع وأنكر
( 14 ) مقال بعنوان ( لماذا نحيي عهد الزردة والوعدة ؟ ) للشيخ أحمد حماني رحمه الله نفس المصدر ص 44
( 15 ) مقال العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله
( 16 ) هذا ما نصح به الدكتور الأصولي فضيلة الشيخ عبدالمجيد جمعة الجزائري حفظه الله من عدم مشرعية إعانة أصحاب أعياد النصارى كما هو في مجلة الإصلاح عددها السادس ، فمن باب أولى أن يسد كل طريق يعين أهل الزردة ( الوعدة ) في شرهم




رد مع اقتباس
