بسم الله الرحمن الرحيم

قال فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

وذكر ابن اسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحُمس، وهو : الشدة في الدين والصلابة .
وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا ؛ بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة ، وكانوا يقولون : نحن أبناء الحرم ، وقطّان بيت الله . فكانوا لا يقفون بعرفات ـ مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام ـ حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة ، وكانوا يمنعون الحجيج والعمّار ـ ما داموا محرمين ـ أن يأكلوا إلامن طعام قريش ؛ ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش ، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحُمس ؛ طاف عريانا ولو كانت امرأة ، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك ؛ وضعت يدها على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ـ ـ ـ ـ وما بدا منه فلا أحله
قال ابن اسحاق : فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليه القرآن ردّا عليهم فيما ابتدعوه ، فقال : (( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس )) ، أي : جمهور العرب من عرفات ، (( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم )) [ البقرة : 199 ] .
وقد قدمنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه ؛ توفيقا من الله له .
وأنزل الله عليه ردّا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس : (( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )) [ الأعراف : 31 ـ 32 ] .
[ المستدرك]
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة ، فتقول : من يعيرني تطوافا ؟ تجعله على فرجها ، وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ـ ـ ـ ـ فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية : (( خذوا زينتكم عند كل مسجد )) [ الأعراف : 31 ] .
رواه مسلم ( 8 / 243 ـ 244 ) .
وقال عروة :
كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمس ـ والحُمس : قريش وما ولدت ـ وكانت الحمس يحتسبون على الناس ؛ يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها ، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها ، فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيت عريانا .
وكان يفيض جماعة الناس من ( عرفات ) ، وتفيض الحمس من ( جمع ) .
وعن عائشة رضي الله عنها :
أن هذه الآية نزلت في الحمس ( وفي رواية : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بـ ( المزدلفة ) ، وكانوا يسمون الحمس ، وكان سائر العرب يقفون بـ ( عرفات ) ، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي ( عرفات ) ثم يقف بها ، ثم يفيض منها ، قال : كانوا يفيضون من ( جمع ) ، فدفعوا إلى ( عرفات ) .
رواه البخاري بهذا التمام ( 818 ـ مختصره ) ، ومسلم ( 4 / 43 ) بحديث عائشة . [ انتهى المستدرك ] .



المصدر :
صحيح السيرة النبوية
بقلم محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ ( ص :48 )