لماذا اتباع
الكتاب و السنة
بفهم
السلف ؟


الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
قال ابن القيم رحمه الله :
العلمُ قال الله قال رسوله ***** قال الصحابة هم أولوا العرفان
ما العلم نصبُك للخلاف سفاهةً***** بين الرسول وبين رأي فلان
السلف لغة: قال ابن منظور "والسلف من تقدمك من آبائك وذوى قرابتك الذين هم فوقك فى السن والفضل ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء رضى الله عنها "فإنه نعم السلف أنا لك" [1]
اصطلاحاً: قال القلشانى: السلف الصالح، وهو الصدر الأول الراسخون فى العلم، المهتدون بهدي النبى صلى الله عليه وسلم، الحافظون لسنته، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه، ورضيهم أئمة للأمة، وجاهدوا فى سبيل الله حق جهاده، وأفرغوا فى نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا فى مرضاة الله أنفسهم. قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه} [التوبة: 100]
وقال السمعاني: "السلفي؛ بفتح السين واللام وفي آخرها فاء: هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذاهبهم على ما سعمت منهم '' [2]
وقال الإمام الذهبي قال في ترجمة للحافظ أحمد بن محمد المعروف بـ أبي طاهر السلفي: " السلفي بفتحتين وهو من كان على مذهب السلف" [3]
والسلف هم الصحابة رضي الله عنهم و يجب فهم القرآن و السنة على فهمهم لأنهم خير من فهم الوحيين فقد لازموا الرسول و فهموا منه و أقرهم على ذلك و كانوا إذا أشكل عليهم أمر رجعوا إليه صلى الله عليه و سلم فيسألونه فيجبهم عما أشكل عليهم لهذا صار الدين واضحا لديهم ، و القرآن نزل بلغتهم التي يفهمون معانيها و تراكيبها ، و هو خير الناس كما في الحديث : '' خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ''[4] و الخيرية هنا تشمل خيرية الفهم الصحيح السليم ، و من هنا نقول أن فهمهم لكتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم خير بكثير من فهم من تأخر ، كما أنهم ذكروا في القرآن و توعد ربنا عزوجل من اتبع غير سبيلهم بالوعيد حين قال سبحانه وتعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( [النساء: 115]. و قال ابن تيمية في هذه الآية : '' و قد شهد الله لأصحاب نبيه صلى الله عليه و سلم و من تبعهم بإحسان و بالإيمان ، فاعلم قطعا أنهم المراد بالآية الكريمة ، فقال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) ، و قال تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا ).
فحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى و أصلاه جهنم ''.[5]
وقال رحمه الله تعالى : " فكل من شاق الرسول من بعدما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وكل ما ابتع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعدما تبين له الهدي. فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ، وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة مخالفة الرسول ، وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول ...". [6]
و إليك أخي القارئ مثال على أن الصحابة هم خير من فهم الكتاب و السنة فعن أسلم أبي عمران التجيبي قال : '' كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفّاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم '' . [7]
و مما جاء أيضا ما رواه الإمام أحمد فقال : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، أخبرنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قلت : أرأيت قول الله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) قلت : فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما ؟ فقالت عائشة : بئسما قلت يا ابن أختي ، إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية ، التي كانوا يعبدونها عند المشلل . وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة ، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية . فأنزل الله عز وجل : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) إلى قوله : ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما ، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما .''[8]
قلت : تأمل هذا الفهم للقرآن تجده فهما قام على العلم و التلقي من رسول الله صلى الله عليه و سلم عكس الذين يرفضون فهم السلف فهم يفسرون القرآن بفهمهم القاصر فضلوا و أضلوا، و لله درء التابعين فقد كانوا يرجعون إلى فهم الصحابة و كهذا من بعدهم من أهل السنة و الأثر ، و اعلم رحمك الله أنه يعلم من هذه الأمثلة أنه يجب فهم القرآن بما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، و انه لا يتصور أن يفهم القرآن على غير فهمهم ، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يتبع سبيل الصحابة و من تبعهم بإحسان كما نسأله تعالى أن يُعزَّ أولياءَه، ويُذِلَّ أعداءَه، ويهديَنا للحقِّ، ويرزقَنا حقَّ العِلم وخيرَه وصوابَ العمل وحُسنَه، فهو حَسْبُنَا ونعم الوكيل، وعليه الاتكال في الحال والمآل، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.




[1] : رواه مسلم (2482) و انظر الصحيحة ( 3524)

[2] : انظر الأنساب (3/273).

[3] : انظر السير (21/6).

[4] : أخرجه البخاري في الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد: (2509)، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين...: (6472)، والترمذي في «المناقب» باب ما جاء في فضل من رأى النبي وصحبه: (3859)، وابن حبان في صحيحه: (7228) وأحمد: (5383)، والبزار في مسنده: (1777)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[5] : مجموع الفتوى ( 4/1-2).

[6] : مجموع الفتاوى (7/38).

[7] : رواه الترمذي( 2972 ) واللفظ له ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأبو داود (2512) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح موارد الظمآن ( 2 / 119) و الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من أساب النزول.

[8] : انظر تفسير ابن كثير ، و الحديث أخرجه البخاري في الجامع (3/244).