مناقشة القرضاوي
في تراجعه عن الثناء على حزب الله


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد طالعتنا وسائل الإعلام بما ذكره يوسف القرضاوي من قوله: (علماء السعودية كانوا أعلم مني بحقيقة حزب الله).
ولقد أثنى جماعة من أهل الفضل على هذا الرجل ثناء لا يستحق منه قدر أنملة، فهذه الكلمة أراد القرضاوي منها أن يصل إلى مسألتين:
الأولى: أنه لم يكن يعلم بحقيقة حزب الله.
والثانية: أنه منصف يرجع إلى الحق إذا تبين له.
ومما يؤسف له أن حال القرضاوي لا يفيد هذا ولا هذا، ومن عرف القرضاوي طيلة السنين السابقة عرف أنه لا يستحق أن يحسن الظن به.


أولا: معرفة حقيقة حزب الله


فالقرضاوي يعرف أن حزب الله ما هو إلا أحد أذرعة إيران في بلاد الشام، ويعرف أن حزب الله يسير في فلك ولاية الفقيه الخمينية الإيرانية، ومع هذا فموقف القرضاوي من الرافضة - على مدى العقود السابقة - موقف مخجل ومخزي.
يقول يوسف القرضاوي:
(وفي إيران - حيث يكون الشيعة الإثنا عشرية أغلبية الشعب - انطلقت حركة الإمام الخميني التي تقوم على "ولاية الفقيه" بدلاً من انتظار الإمام الغائب، ونيابة عنه، فقاوم طغيان الشاه وفساده، وأوذي في سبيل ذلك ما أوذي ...). [1]
هذا ما كتبه قريبا، وذلك مع بداية الألفية الثالثة -إن صح التعبير -، بعد أن عرف العالم كله جرائم الخميني في حق أهل السنة في طهران، وفي حق حرم الله الآمن -في مكة [2]- وبعد أن كتب ما كتب من الكفريات.
وتحدث القرضاوي مؤخرا عن المدّ الشيعي الرافضي في المناطق السنيّة وحذر منه، وهذا التحذير كان القرضاوي فيه -بالجملة- محقًا، لكن ينبغي أن يكون شأنه شأن غيره، فلا ينبغي أن يعطى له فوق قدره، ولا أن يلمع كما تفعل بعض الاتجاهات الحركية.
ومع هذا التراجع فإنه لم يعترف بأنه - هو نفسه - أحد الذين ساهموا قبل ذلك - مع جماعة "الإخوان المسلمين" - في انتشار المدّ الشيعي، متجاهلا كلام الأئمة على مدى التاريخ في الرافضة الاثني عشرية، فكم من زيارات له للمؤسسات الشيعية وكم من لقاءات له مع قادة الشيعة، وكم من ثناء عاطر على هؤلاء الذين لا يستحقونه، وكم هون من الخلاف معهم مما ساهم في التغرير ببعض أهل السنَّة فوقعوا في شباك التشيّع.
وكم دافع الإخوان المسلمون عن الرافضة وكم سعوا في التقريب بينهم وبين أهل الحق، ذلك المنهج التقريبي الذي جنت منه الأمة الخراب والدمار .
ولم يعترف القرضاوي كذلك لأهل السنة بأنهم كانوا على حق وصواب في موقفهم من الرافضة، وأن الواجب نصرتهم ومساندتهم والرجوع إلى ما كتبوه في ذلك، بل كانت عبارته فضفاضة لها مغزى بعيد، فلم يقل: "إن علماء الدعوة السلفية كانوا على صواب"، وإنما قال علماء السعودية، وهذا جواب فيه ما فيه، لأن الخلاف - حقيقة - ليس بينه وبين علماء السعودية، فقد خالفه كل علماء الدعوة السلفية حيثما كانوا في مصر واليمن والسعودية والمغرب العربي والخليج العربي والشام وغيرها، ولكن قال هذا يريد أن يوصل إلى الناس أن الخلاف بينه وبين غيره إنما هو خلاف مناطقي لا خلاف مذهبي منهجي.

حقيقة تراجع القرضاوي:


والسؤال ما زال قائما: "هل يوسف القرضاوي تراجع عن نظرته إلى الشيعة الاثني عشرية عموما، أم أنه تراجع خاص في نظرته إلى حزب الله ؟!".
فإن كان تراجع عن نظرته إلى الشيعة الاثني عشرية عموما، فليقم بما أوجب الله عليه وهو كما يلي:

أولا: عليه أن ينتقد طريقة حسن البنا الذي قام فيها بالتقريب بين الروافض وبين دعوة أهل السنة فهو أول من ابتدع هذه الطريقة، معرضا عن تراث الأئمة في التحذير من هذه الفرقة وتضليلها.
وعلى القرضاوي أن ينصح للملايين الذي ما زالوا - إلى اليوم - يغترون بطريقة البنا، ويرون أن انتقاد السلفيين لها كان غلطا.

وثانيا: عليه بتصفية الروافض من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه هو [3].
وإن كان تراجع خاص في نظرته إلى حزب الله، فلا فائدة إذا من هذا التراجع لأنه تراجع منطلق من منهج الجماعة، فحزب الله بدخوله في الحرب في سوريا قام في وجه المسلمين عموما، ومنهم الإخوان المسلمين الذين لهم تعاطف - كغيرهم من المسلمين - مع الشعب السوري.
وهذا غضب جاء من القرضاوي كردة فعل، لا لما تحمله الروافض - ومنهم حزب الله - من العقائد الفاسدة، والمؤامرات الخطيرة على المسلمين، ولكن بسبب مصادمة مسلحة، وهذا غضب مؤقت يوشك أن ينتهي بتسوية أو غيرها.
وهذا يذكرني بموقف القرضاوي من اليهود فإنه يرى أن عداءنا لليهود ليس إلا للأرض، هكذا يقول القرضاوي، فلا نعاديهم لأنهم قتلوا الأنبياء وحرفوا الكتب وكتموا المواثيق وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، وإنما لأنهم احتلوا أرضنا فقط.
ونحن نرى أن احتلالهم لأرضنا ما هو إلا ظلم يضاف إلى ما عندهم من رصيد الكفر والمظالم لا كما يقول القرضاوي.
وهذا يذكرني بموقف آخر من مواقف القرضاوي وهو موقفه من عمرو خالد، فقد انتقدت الأقلام عمرو خالد من كل جانب لأمور كثيرة وقع فيها، ولم يلق القرضاوي لها بالا ولا جعل لها وزنا، فلما اختلف القرضاوي هو وعمرو خالد في أمر الذهاب للحوار مع أولئك الذي رسموا الصور المسيئة في حق النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معهم، - وكان القرضاوي يمنع من الذهاب إليهم وعمرو خالد يصر على حوارهم ومناقشتهم - إذا بالقرضاوي يتكلم في عمرو خالد في الصحف وغيرها ويجهله، فلم يتكلم فيه لله وتكلم فيه لنفسه.
نعوذ بالله من الهوى.

وثانيا إنصاف القرضاوي والرجوع إلى الحق

وأما إنصاف القرضاوي ورجوعه إلى الحق فهذا لم يظهر منه شيء إلى الآن، فقد جاءت مناسبات كثيرة - طيلة هذه السنين - كانت باستطاعة القرضاوي أن يثبت فيها أنه منصف يتكلم لله تعالى ولا يتكلم فيها لنفسه ولا انتصارا لجماعته جماعة الإخوان المسلمين، لكنه للأسف لم يظهر منه شيء.
ونحن نقول -بإنصاف- ما عرفنا الإخوان المسلمين إلا أنهم يتكلمون من منطلق منهجهم وجماعتهم، لا يتكلمون لله تعالى، وإذا اختلفوا في أمر يخص منهجهم ألبسوه ثياب الدين، وسنأخذ على ذلك مثالا: فموقف الإخوان المسلمين في اليمن من الرافضة موقف عجيب، فقد وقفوا مع الرافضة في حربها مع الدولة، وسخروا وسائل الإعلام في نصرة الحوثي الرافضية، وما ذلك إلا لأنها من الطوائف المعارضة لحكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح فقط لا غير.
بل أخرج بعض الإخوان المسلمين كتابا يتكلم عن الحوثيين يبرؤهم من وصمة الرافضة، وأنهم إنما هم زيدية.
بل أصدر المرشد العام لـ"لإخوان المسلمين" مهدي عاكف خطابا مع ملك المملكة العربية السعودية يدعوه لوقف حربها على الحوثي، وهي إنما قاتلت دفاعا على حدودها وأرضها وهو حق شرعه الله ثم القوانين الوضعية وأجمعت عليه الأمم، لكن لم ترض جماعة الإخوان المسلمون بذلك، حيث دعت جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى وقف قتال الحوثيين اليمنيين.
ونقل الموقع الرسمي للجماعة عن المرشد العام محمد مهدي عاكف قوله في بيان له: (أدعو خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود إلى وقف القتال فورًا لمنع إراقة دماء المسلمين وقتل المدنيين الأبرياء).
مع أننا كنا نتمنى من الإخوان المسلمين أن يصدروا نداء بوقف إراقة دماء المسلمين وقتل المدنيين الأبرياء يوم أن ارتكب الحوثي وزمرته الجرائم العظيمة في حق الأبرياء قبل ذلك، ومن ذلك ما فعله الحوثيون - طوال خمس حروب سابقة مع هذه الحرب السادسة - في المدنيين، وأكثرهم لا علاقة له بالحرب لا من بعيد ولا من قريب.
ولما انقلب الناس على الدولة في اليمن وانتقل الإخوان المسلمون من جهة المعارضة إلى جهة السلطة اختلفوا مع الرافضة الحوثيين حيث بقيت الحركة الحوثية في المعارضة، فتكلم الإخوان المسلمون في الصحف عن الحوثيين، وطالبوا بطرد السفير الإيراني من اليمن.
أكتب هذا ليعرف القارئ الكريم أن من عرف "الإخوان المسلمين" فإنه لا يحسن الظن بهم أبدا.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.

أبو عمار علي الحذيفي
رجب / 1434 هـ
--------------------------------
[1] "أمتنا بين قرنين" (ص 72).
وليست الاثنا عشرية أغلب الشعب الإيراني، ولا الخميني وحده هو الذي قاوم الشاه بل كان معه طوائف الشعب الإيراني كله، ويعرف هذا من له أدنى إلمام بتاريخ الثورة الإيرانية، ومع هذا ذهب ظالم وجاء مثله، فلم يتغير حال إيران.
[2]انظر: "الإلحاد الخميني في أرض الحرمين" لشيخنا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله.
[3] وبقي فيه طوائف أخرى سيتعلم القرضاوي من أهل السنة لكن -مع الأسف - على المدى البعيد.

المصدر:

http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=137968