تأدّب طالب العلم مع المعلم/ للشيخ صالح الفوزان
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد ، فنضع بين أيديكم مقتطفًا من محاضرةٍ قيّمة لفضيلة الشيخ الوالد بقية السلف معالي الدكتور
صالح الفوزان حفظه الله تعالى

المادة مقتبسة من محاضرة
[توجيهات لطالب العلم]
ومن أراد الإستزادة ، فهذا رابط المحاضرة من موقع الشيخ حفظه الله تعالى .
http://www.alfawzan.ws/node/5407

------------------------------

التفريغ :

[...] وكذلكَ من آدابِ طالب العلم التأدّب حال الطّلب ، التأدّبُ مع العالِمِ الذي يَتَتَلْمَذُ عَلَيْهِ ، فهذا موسى عليه السّلامُ لمّا لقِيَ الخَضْرَ قال له ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ [ سورة الكهف/66]، يَعْرِض عليه عرض ، مع أنّه رسولُ الله وكليمُ الله .
والخَضْرُ لمّا لقِيَه قال
((أنتَ موسى ؟)).
قال ((نعم)).
قال ((أنت موسى بني إسرائيل؟)).
قال ((نعم)) .
ومع هذا قال له موسى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[سورة الكهف/66]؛ يعرضُ عليه عرض ويطلبُ مِنهُ أن يتفضّلَ عليهِ بأن يتعلَّمَ عليهِ أو يأخذَ عنهُ هذا العلمَ الذي عِندَه .﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[سورة الكهف/66]، قال له الخَضرُ ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا[سورة الكهف/67]، هذا يعنِيْ أنَّ طالبَ العلمِ يحتاجُ إلى صبرٍ ، وعدمِ عَجَلةٍ ، وهذا من آدابِ طالبِ العلمِ أنْ يصبرَ فلا يَسْتَعْجِلَ مَعْ مُعَلِّمِهِ ،﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(67)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(68)[الكهف/67-68].
ماذا قالَ موسى ؟﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا[سورة الكهف 69] ، قال إن شاءَ الله ، ما قالَ ستجدُنِي صابرًا يجزم ، بل ردَّ المشيئةَ إلى الله سبحانه وتعالى لأنَّ الإنسانَ لا يُزكّي نفسَهُ ، بل يستعينُ بالله ويردّ الأمر إلى الله ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا[سورة الكهف /69]، كذلكَ طالبُ العلم لا يعصِي معلّمَهُ، لأنّه جاءَ يستفيدُ منه فلا يعصِه ما لم يعصِ الله عزّ وجلّ ، أمّا إذا عصى الله فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ ، بل على طالبِ العلمِ أن يخضعَ لأوامرِ معلِّمِهِ ، ما دامَتْ في سبيلِ طلبِ العلمِ ، ولا يفرضُ رأيًا على المعلّمِ ، وإنّما يخضعُ لأمرِهِ ،﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا[سورة الكهف/ 69]، فكانَ ما ذكَرَهُ الله سبحانَهُ وتعالى من مسيرةِ موسى عليه السلام مع الخَضر .
ثمّ بينما كان موسى والخَضرُ جالسَيْنِ عندَ السّفينةِ جاءَ طائرٌ فغطَّ مِنقارَهُ في البحرِ ثمَّ رفَعَهُ ، قالَ الخَضْرُ لموسى ((يا موسى، ما عِلمِي وعلمُكَ في عِلْمِ الله إلا كَمَا أَخَذَ هذا الطّائرُ من البَحرِ)) ، هذا تأديبٌ : أنّ طالبَ العلمِ لا يغترُّ بعلمِهِ وتحصيلِهِ مهما بَلَغَ ، فإنّه لا يغترُّ به ولايظنُّ أنَّه بلَغَ شيئًا من العِلم ، وكلّما شَعرَ طالبُ العلم أنّ عِلْمَهُ قَلِيْلٌ ، فإنّه يسعى في طلبِ العلمِ ، لكن إذا شعَرَ أنّهُ صارَ عالمًا وأنّه متبحّرٌ وأنّ غيرَهُ لا يَفْهَمُ مثلَ فَهمِهِ فإنَّه حينئذٍ يضيعُ ويجهلُ، وفي الحكمة ((مَنْ قَالَ أنا عالمٌ فهوَ جاهلٌ )) .
الإنسانُ دائمًا بحاجةٍ إلى طلبِ العلمِ والمزيد ، ولهذا نبيُّنا صلّى الله عليه وسلّم أمَرَهُ الله فقال له ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[سورة طه/114]، فمن آدابِ طالبِ العلمِ أنَّه لا يشعرُ أنّه بلَغَ غايةً تكفِيهِ من العِلمِ ، بل يرى نفسَه دائمًا بحاجةٍ إلى العِلمِ وبحاجةٍ إلى التزوّد ، أمّا إذا أُعجِبَ بنفسه وأُعجِبَ بعلمه وظنّ أنّ أحدًا لا يبلغ مبلغه ، فإنّه حينئذٍ يكون جاهلًا بقيمة العلم وكثرته ، وقد يُحرَم بسبب الإعجابِ بنفسِهِ ، يُحرم من التزوّد ويُحرم من التعلّم ويقفُ عندَ حدِّهِ الذي بلَغَهُ وهو لم يبلغْ إلا شيئًا يسيرًا ، ولهذا يقولون ((العِلْمُ إذا أَعْطَيْتَهُ كلَّكَ أَعْطَاكَ بَعْضَهُ)).
ما يعطيكَ العلمَ كلَّهُ وإنّما يعطيكَ بعضَهُ ، وهذا البعضُ يختلفُ ، قد يكونُ يسيرًا وقد يكونُ كثيرًا وقد يكونُ متوسِّطًا... لكن على كلِّ حالٍ فهو قليلٌ بالنسبةِ لعلمِ الله سبحانَهُ وتعالى وبالنسبةِ لما أنزلَ الله على رسولِهِ صلّى الله عليه وسلّم .
فعلى طالبِ العلمِ أن يصبِرَ في طَلَبِ العِلمِ وألا يَضْجَرَ ويُوَاصِلَ الطَّلَبَ ولا يقَف عندَ حدٍّ مهما أمكَنَهُ التزوّد، ولهذا يقول الشاعر
أُطْلُبِ العِلْمَ وَلا تَضْجَرَا ___ فَآفّةُ الطَّالِبِ أنْ يَـضْجَـرَا
أَمَـا تَرى الحَبْلَ بِتَكْرَارِهِ____في الصَّخْرَةِ الصَمَّاءِ قَدْ أثَّرَا
فطالبُ العِلمِ إذا استعصى عليه طلبُ العلمِ أو إذا استعصَتْ عليهِ مسألةٌ من المسائِلِ فلا ييأسْ ويتركها ، بل يحاول ويحاول ...حتّى يفهَمَها ، ولو أخَذَ ذلك مِنْهُ جهدًا وأخذ وقتًا ، فإنّه في سبيل الله .
ولا شكَّ أنّ طالب العلم إذا حصل على المسألة بعد مشقّة ، فإنّها تكون أثبتَ في ذِهنِه، أمّا لو حصّلَ المسألَةَ بسهولةٍ ، فإنّها تذهبُ بسرعةٍ ، هذا شيء معروفٌ ومجَرَّب .
فعلى طالب العلم أن يصبرَ ولا ييأسَ ؛ إذا لم تفهمْ المسألَةَ اليومَ تفهمها من الغد أو بعد الغد أو في السنة القادمة . فلا تيأس من حصول هذه المسألة التي صعُبَت عليك ، أو هذا الفنّ الذي صعُب عليك .
ويُروى أنّ أحد طلب العلم صَعُبَ عليه علم النحو لأنّ علمَ النحوِ صعبٌ في أوّلِ الأمر – وعلم الفرائضِ صعبٌ ، يحتاجُ إلى صبر وإلى تأنّي – صَعُبَ عليه علمِ النّحوِ وكادّ أن ييأسَ ، فبينما هو جالسٌ يفكّر ، وإذا بنملةٍ أو ذرّة تصعدُ في الجدارِ وتحملُ معها حبّةً ثمّ إذا قرُبت من رأس الجدار سقطت ، ثمّ عادَت وحملَت الحبَّة وصعدت ، ثمّ تسقطُ، ثمّ ترجعُ وتحملها … في النهاية ظهرت النملة ، ظهرت على الجدار ومعها حِملها ، فحينئذٍ تذكّر ، قال هذه النملة صبرت وحاولت وتعبَت حتى أدرَكَت مطلوبَها ، أفلا أصبر وأحاول؟
فحاول وحاول حتّى صار من أئمة هذا الفنّ
فالعلم إنّما يؤخذ بالصبر والجَلَد والطمأنينةِ وعَدَمِ اليَأسِ

كذلكَ مِنْ آدَابِ طَلَبِ العِلمِ التأدُّبُ مَعُ المُعَلِّمِ إذا جَلَسَ إليه .
الله جلَّ وعَلا أدّب الصحابة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، فقال﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [سورة الحجرات/1-2 ]

وكذلكَ المعلِّمُ ، لأنَّ العلماءَ ورثَةُ الأنبياءِ ؛ فعليكَ أن تتأدَّبَ مَعَهُم وتخْضَعَ لهم خُضُوعَ مُحْتَاجٍ وخضوعَ طالبٍ عندَ معلِّمِهِ
هذا جبريلُ عليه السلام جاءَ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بحضرةِ أصحابِهِ [1]، دخلَ عليهم ، فرأوا رجلًا أشكلَ عليهم رجل شديدُ بياضِ الثّيابِ ، شديدُ سوادِ الشّعرِ لا يُرَى عليه أثرُ السّفر ولا يعرفه منهم أحد كيف يكون هذا؟ لا هو من أهل المدينة فيعرفونه ، ولا عليه آثار السّفر حتّى يقولوا أنّ هذا جاء من بعيد أشكل عليهم ،جلس إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم ينظرونَ إليه ، وأسندَ ركبَتَيْه إلى ركبتَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ووضَعَ يدَيْهِ على فَخِذَيْهِ تأدّبًا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فقال « يا محمد ! أخبرني» ، يسأل الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، « أخبرني عن الإسلام»فالرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجابَهُ ، قال « أخبرني عن ... »؛ لما أجابَه ، قال «صدقت»، فعجبوا ، قالوا كيف يسأل ثمّ يصدّق!؟ هذا دليلٌ على أنَّه عالِمٌ ، فكيف جاء يسأل!؟ (( عَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقَهُ)) ، ثمّ قال «أخبرني عن الإيمان»، أخبره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الإيمان بأركانه ، قال «صدقت»، «أخبرني عن الإحسان»، أخبَرَهُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن الإحسان، قال«أخبرني عن الساعة »، قال صلّى الله عليه وسلّم «ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائِلِ »، لأنّ علم الساعة عند الله جلّ وعلا ، لا يعلمُها ملَكٌ مُقرَّب ولا نبيٌّ مُرسَل ، وهذا فيه تأديبٌ لطالبِ العلم أنّه لا يسأل عن شيءٍ خارج نطاق العلم ، أو يفترضَ أسئلةً ليس في استطاعة المعلّم أن يجيب عليها ، أو لا يناسِبُ السؤالُ عنها ؛ لا يناسب السؤال عن الساعة لأنّها من علم الله ، قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل …
إلى أن استكملَ المهمةَ التي جاءَ من أجلِها ثمّ خرجَ ، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم « أتدرون من السائل؟ » قالوا الله ورسوله أعلم . قال «إنّه جبريل أتاكم يعلّمكم دينَكم» .
بهذه الطريقة ، طريقة الأدب ، طريقة العرض ، طريقة المُسترشِد ، مع أنّه عالمٌ ، لكن جاءَ بصورة المسترشِدِ ليعلّمَهم كيف يطلبون العِلمَ وكيف يتأدبون مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، وهذا يَسري على كلّ متعلّم مع معلّمه ، إقتداءً بجبريل مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .
فأنت إذا احتقرتَ المعلّمَ تُحرَمُ من عِلْمِه ؛ كلُّ من احتقَرَ مُعَلِّمَهُ فإنّه يُحرَمُ من عِلْمِهِ ، أمّا إذا تَوَاضَعْتَ له وتأدّبتَ مَعَهُ فإنَّكَ تَستفيدُ من عِلْمِه.
هذا من آدابِ طالبِ العلمِ : أن يتأدّبَ مع معلِّمِهِ وأن يحترمَهُ وأن يَرَى أنّهُ بحاجةٍ إلى عِلمِهِ ، وألا يُفْحِمَ مُعَلِّمَهُ بالأسئِلةِ التي تَخْرُجُ عن نِطاقِ الموضوعِ الذي يَدرُسُهُ على معلِّمِهِ : تكون أسئلتُه محصورةً في الفنِّ الذي يريدُ أن يفهَمَهُ على معلِّمِه ، ولا يُشَتِّتُ فَهْمَ الُمعلِّم أو ذهنَ المعلِّمِ بالأسئلةِ الُمفترَضَة والأسئِلةِ البَعيدة .
هذا من آداب طالب العلم .[...]
انتهى المقطع الصوتي

---------------------------
[1] بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا نعرفه ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال : صدقت ، قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . قال : فأخبرني عن أماراتها قال : أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان . قال : ثم انطلق ، فلبثت ثلاثا ، ثم قال : يا عمر ، هل تدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: الألباني
المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4695
خلاصة حكم المحدث: صحيح
م : السنن والاثر