الإيمان عند ابن القيم، وأقوال الناس فيه
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: "الايمان له ظاهر وباطن.وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح.وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته؛فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء وعصم به المال والذرية.ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك؛فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن وخلوه من الإيمان.ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته؛فالإيمان قلب الإسلام ولبه .واليقين قلب الإيمان ولبه .وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول.وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول"اهـ([1]).وقال رحمه الله: "وأما الايمان فأكثر الناس أو كلهم يدعونه و]ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين[ وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل، وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول وهو إيمان الصديق وحزبه.وكثير من الناس حظهم من الإيمان : الإقرار بوجود الصانع وأنه وحده الذي خلق السموات والارض وما بينهما، وهذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم. وآخرون الإيمان عندهم : هو التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن وسواء وافق تصديق القلب أو خالفه.وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض وأن محمدا عبده ورسوله وان لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن .وآخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالي من علوه على عرشه وتكلمه بكلماته وكتبه وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته وارادته وحبه وبغضه وغير ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فالايمان عندهم انكار حقائق ذلك كله وجحده والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يرد بعضهم على بعض وينقض بعضهم قول بعض، الذين هم كما قال عمر بن الخطاب والإمام أحمد : "مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب"وآخرون : عندهم الايمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسول.وآخرون : الايمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان بل ايمانهم مبنى علي مقدمتين :احداهما : أن هذا قول أسلافنا وآبائنا .والثانية : أن ما قالوه فهو الحق .وآخرون : عندهم الإيمان مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه واحسان الظن بكل أحد وتخلية الناس وغفلاتهم .وآخرون : عندهم الإيمان التجرد من الدنيا وعلائقها وتفريغ القلب منها والزهد فيها، فاذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الايمان وان كان منسلخا من الايمان علما وعملا.وأعلي من هؤلاء : من جعل الإيمان هو مجرد العلم وان لم يقارنه عمل. وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الايمان ولا قاموا به، ولا قام بهم وهم أنواع :منهم من جعل الإيمان ما يضاد الايمان .ومنهم من جعل الايمان ما لا يعتبر فى الايمان .ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفى في حصوله.ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده .ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الايمان . والايمان وراء ذلك كله .وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول علما والتصديق به عقدا والاقرار به نطقا والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة اليه بحسب الامكان .وكماله في الحب في الله والبغض في الله والعطاء لله والمنع لله . وأن يكون الله وحده الهه ومعبوده.والطريق اليه تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا وتغميض عين القلب عن الالتفات الي سوى الله ورسوله وبالله التوفيق .من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله الي نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله اليهم"اهـ([2]). ([1]) الفوائد ص86/ الشاملة.([2]) الفوائد 105-107.
منقول سحاب