النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    1,048

    افتراضي فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ
    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى المَبْعوْثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.
    أَمَّا بَعْدُ :
    قال الأخ أبو معاذ سعد الدوخي :في سحاب الخير السلفية .
    فَمِنْ أَسْبَابِ البَلاءِ عَدَمُ الرُّجُوْعِ لِلعُلَمَاءِ الّذِيْنَ لِلحَقِّ هُمْ أدلّاء، وَللبَاطِلِ أَعْدَاء، بهِمْ تُعرَفُ البِدْعةُ فَتُجْتَنب وَالسُّنّةُ فتُتَّبع، لا يخْلُو مِنْهُم زَمَانٌ وهُم خِيَارُه بخِلافِ سَائِرِ الملَلِ وَالنِّحَلِ فَشِرارُهم عُلمَاؤهُم!.
    قَالَ الشَّعبيُّ -رَحمهُ الله-: "كُلُّ أمّةٍ عُلماؤها شِرارُها؛ إِلا المسْلمينَ؛ فَإِنّ عُلمَاءهم خِيَارهم". (مجموع الفتاوى) لابن تيمية.
    وَلَا يخْفَى عَلَى طَلَبَةِ العِلْمِ فَضْلُ العُلَمَاءِ العَامِلِيْنَ وَأَهمِّيّةُ الرّجُوعِ إِليْهِم، لا سيّمَا كِبَارهم، فَعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-: «لا يَزالُ النّاسُ بخيرٍ مَا أخذُوا العِلمَ عَن أكابرِهم وعنْ أُمنائِهم وعُلمائِهم , فإِذا أخذُوه منْ صِغارهم وشرارِهم هلكوا» (الفقيه و المتفقه/ باب في فضل العلم والعلماء)
    وممّا جاءَ في معناهُ أي: «لا يزالُ النّاسُ بخيرٍ ما كانَ عُلماؤهُم المشَايخ , ولَمْ يكن عُلماؤهُم الأَحداثَ , لأنَّ الشَّيخَ قَد زالتْ عنهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ وَحِدّتُهُ وَعَجَلَتُهُ وَسَفَهُهُ واستَصْحَب التّجرِبَةَ والخِبْرَةَ فَلا يدخُلُ عَليهِ في عِلْمِه الشُّبهةُ , ولا يَغْلبُ عَليهِ الهَوَى , ولا يميلُ بِه الطّمَعُ , ولا يَسْتَزلَّه الشَّيطانُ اسْتِزْلالَ الحَدَثِ ومَعَ السِّنِّ الوَقَارِ , والجَلالَة والهَيبَة , والحَدَثُ قَدْ يدخُلُ عَلَيهِ هَذِه الأُمُورُ , الّتي أُمِنَت عَلى الشَّيْخِ , فَإِذَا دَخلتْ عَليهِ , وَأفتى , هَلَك وأهْلَكَ» (الفقيه والمتفقه) .
    وَبعضُ مَنْ لَمْ يَعرفْ أَوصافَ العُلَماءِ وسِماتِهم سَوَّى المُحدِّثَ بالمُحْدِثِ، والفَقِيهَ بالسَّفِيهِ، والمبجَّلَ بالمُتعَجِّل، والوَاقِعُ خَيرُ شَاهِدٍ مِن تَطفُّلِ مَن تشبَّهَ بالعُلمَاءِ وَلَيسَ منُهم، وَإصدَارِ فَتَاوى لا زِمامَ لها، وتَقدُّماً بَينَ يَدي العُلَماء نفيَاً لِمَا أثبتُوه أَو إثباتاً لِمَا نَفَوه؛ أَو جَرْحاً لمنْ عدَّلُوه أو تَعدِيْلاً لِمَنْ جَرحُوه، ثُمّ إذا مَا رُوجِع الوَاحدُ منهُم فَسرعَان مَا يَبدَأ بِتبرِيرِ تلكُمُ الفَاضِحاتِ بدَعوَى المُناصَحات لِلْخَلقِ أَو رَجاءَ رجُوعِهم لِلحَقِّ . وَسَببُ هَذا الخللِ والإخْلالِ تَقدَّم ذِكْرُ شَيءٍ مِنْهُ [حِدَّةٌ...عَجَلَةٌ...سَفَهٌ]، وَمَا أَكثرَ المُتَنَافِسينَ لِجَمْعِها!.
    وَقَد أَرشَدَنا اللهُ -عزَّ وجَلّ- زَمنَ الفِتَنِ والشّائعاتِ أنْ نرُدَّ الأمرَ إلى رسُولَه -صَلوَاتُ اللهِ وسلامُه عَليهِ-، وإِلى أهلِ العِلمِ والفِقْهِ. قَال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83]
    قَالَ العَلامةُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ ناصِرٍ السّعديّ -رَحمهُ اللهُ-: «وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتّسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟»(تيسير الكريم الرحمن)
    فالمرجعُ فِيما يَنزلُ بالمُسلمينَ مِن حَوادثَ وقَضَايا مُستجدّةٍ إِنما يكونُ للعُلماءِ الكبارِ وخواصِّهم؛ فيُؤخَذ بقولِهم الحقّ ويُستَرشَد بتوجيهِهم الخَلْق، أُولئكَ الّذين شَابتْ لحاهُم في تأصِيلِ وتقعيدِ المسائلِ الشّرعيّةِ قَبْلَ أَن تنبُتَ لحى أَنصافِ المُتعلّمين.
    قَالَ العَلامةُ أبو إسحاق الشّاطبي -رحمهُ اللهُ-: « إذا عرضت النوازل؛ روجع بها أصولها، فوجدت فيها، ولا يجدها من ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه » (الاعتصام).
    وقال -أيضاً-: (والعالم [1] إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باقٍ على الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره ويعلم هو من نفسه ما شهد له به، وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى. إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره ولم يفعل، وكان من حقه أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره، ولم يفعل هذا»(الاعتصام)
    علَّقَ الإمامُ الألبانيُّ-رحمهُ اللهُ-: «هذه نصيحة الإِمام الشاطبي إلى (العالم) الذي بإمكانه أن يتقدم إلى الناس بشيء من العلم، ينصحه بأن لا يتقدم حتى يشهد له العلماء خشية أن يكون من أهل الأهواء، فماذا كان ينصح يا ترى لو رأى بعض هؤلاء المتعلقين بهذا العلم في زمننا هذا؟!لا شك أنه كان يقول له: "ليس هذا عشك فادرجي"، فهل من معتبر؟! وإني والله لأخشى على هذا البعض أن يشملهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يُنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويُخلف لها هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء" والله المستعان» (السّلسلة الصّحيحة)، والحديث برقم (1682).
    بَلوى التَّصدُّرِ وَحُبُّ الظّهُورِ لَيْسَ وَليدَة العَصرِ وَلا مَزيدَ عَلى مَا قَالا -رَحمهُمَا اللهُ-، فَرَحِمَ اللهُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفسِهِ وَأرَاحَها، كَمَا قَالَ الفَضْلُ بنُ عِياض: «رأس الأدب عندنا أن يعرف الرجل قدره» (المنتخب من معجم شيوخ السمعاني)
    وَأَخْتِمُ بِكَلامٍ لِلْعَلَّامَةِ مُحمَّد بنِ صَالحٍ العُثَيمينَ -رَحمهُ اللهُ- كما في مجموع فتاوى ورسائل العلامة ابن عثيمين (240/26) مُحَذِّرَاً مِنَ التَّصَدُّرِ وَنَاصِحَاً المُبْتَلِيْنَ بِهِقَالَ -رَحمهُ اللهُ-: «مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلاً للتصدّر، لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلاً على أمور:
    الأمر الأول: إعجابُه بنفسه حيث تصدّر فهو يرى نفسه علم الأعلام.
    الأمر الثاني: أن ذلك يدلّ على عدم فقهه ومعرفته للأمور، لأنه إذا تصدّر، ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، إذ أنّ النّاس إذا رأوه مُتصدرًا أو ردّوا عليه من المسائل ما يبين عواره.
    الأمر الثالث: أنه إذا تصدّر قبل أن يتأهّل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم؛ لأنّ الغالب أنّ من كان هذا قصده، أنه لا يبالي ويجيب على كلّ ما سُئل، ويخاطر بدينه وبقوله على الله- عزّ وجلّ- بلا علم.
    الأمر الرابع: أنّ الإنسان إذا تصدّر فإنه في الغالب لا يقبل الحق؛ لأنه يظنّ بسفهه أنه إذا خضع لغيره ولو كان معه الحق كان هذا دليلاً على أنه ليس بعالـم».
    وَقَالَ -أيضاً-: «مع الأسف صار اليوم يتصدّر للفتوى من ليس أهلاً له, من يقول بلا علم، بل بمجرّد هواه, ولا أقول بمجرد عقله؛ لأنّ العقل يقتضي بأن توكل الأمور إلى أهلها, ومن الذي يفتي الناس؟: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء:176] .
    الفتوى من الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-, أو من علماء موثوقين في العقيدة، وفي العلم وفي الأمانة معروفين, لا تفرّطوا في دينكم, العمل بالفتوى معناه: دين يتقرّب به الإنسان إلى الله, وإذا كان الإنسان لا يأخذ دواءً يتداوى به إلا إذا وصفه له طبيب حاذق مأمون فكيف يأخذ فتوى إنسان لا يدري من هو، وقد يكون منحرفاً في عقيدته أو في سلوكه, أو ضائع ليس عنده علم إطلاقاً يتخبط؟!.
    فنصيحتي لكل مؤمن يريد الحفاظ على دينه ألا يأخذه إلا ممن يثق به...ولهذا يجب أن نحفظ ديننا, وألا نأخذه إلا من أهله, قال بعض السّلف: [إن هذا العلم دين, فانظروا عمّن تأخذون دينكم]».
    وَقَالَ - أيضاً -: «وتأمل الفتاوى التي على السّاحة تجد العجب العجاب من إفتاء أنصاف العلم، الفتاوى التي ليس لها زمام، ويا ويل هؤلاء الذين يتعجّلون في الفتوى، إنهم سيُسألون يوم القيامة، حيث قالوا على الله ما لا يعلمون، قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33] .
    ويا سبحان الله! لو أن طبيباً صار يتطبّب في الناس وهو لا يعلم، وهلك كثير من الناس على يده ماذا يقول الناس عن هذا الطبيب، أساء أم أحسن؟ أساء أيّ إساءة، هذا في طبّ الأبدان فكيف في طبّ القلوب وهو الشريعة؟!! ثم عجباً لهؤلاء الذين يتسرّعون السّيادة أن يشار إليهم بالأصابع، ويقال: فلان عالم!! يا أخي: لا تتسرّع! اصبر! إن كان الله قد قدّر لك السّيادة حصلت لك، وإلا لم تحصل لك، ولا يزيدك هذا التسرّع إلا هواناً عند الله وعند عباد الله، كلّ شيء مكتوب للإنسان سوف يعطاه في حياته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها) لو لم يبق له من الرزق إلا حبّة أرز لأكلها، ولو لم يبقَ عليه إلا لحظة من الأجل أدركها فأنا أحذر هؤلاء الذين يتسرّعون في الفتوى وأقول: اصبروا انهلوا من العلم ثم أفتوا وأحذر الناس -أيضاً- من الالتفات إلى فتاويهم .شبكة سحاب .
    ---------------------
    قلت معلقا:
    جزاك الله خيرا أخانا أبا معاذ ووفقك لكل خير على هذا الموضوع المفيد النافع الذي ينبغي لكل واحد من الطلبة السلفيين أن يجعله بين عينيه ، ويحفظه في صدره حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها .
    وإثراء للموضوع وإتماما للفائدة أحببت أن أشارك بهذه المداخلة وليس لي فيها إلا الجمع والترتيب أسأل الله تعالى أن ينفع بها جامعها وقارئها وناشرها إنه ولي ذلك والقادر عليه .
    إن للتصدر في المجالس والمنتديات شهوة خفية عجيبة وليست هي وليدة الساعة بل هي مركب مزخرف عجيب يحرص على ركوبه كثير من المتعالمين ، والأصاغر من حب الظهور والتباهي والشهرة ، وقد تكلم عنها العلماء وحذر منها السلف ..
    وقد أكثر السلف من التحذير من طلب التصدر وحب الشهرة، وزيادة على ما ذكره الأخ الفاضل أبو معاذ سعد الدوخي أضيف هنا نقلا أو نقلين للعبرة والاتعاظ وليس للحصر فهذا شيخ المالكية في عصره أبو عثمان ابن الحدّاد يقول:((ما صد عن الله مثل طلب المحامد ، وطلب الرفعة)). انظر ((سير أعلام النبلاء)): (14/ 205 – 214)و((نزهة الفضلاء)): (2/ 1034).
    ويقول الذهبي رحمه الله محذراً من حب الشهرة:((فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب ... فكم رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفيٌ سارٍ في نفوس الفقهاء، كما أنه سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء وَأَربَاب الوُقُوْف وَالتُّرب المُزَخْرَفَة...إلى أن قال :فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب ومقتته الأنفس {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ... وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشَّمْس:9 و10] أَي دسَّسَهَا بِالفجُور وَالمَعْصِيَة.انتهى كلامه .
    وقال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (1/101) ذكر تلبيسه عَلَى القراء:فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراآت الشاذة وتحصيلها فيفني أكثر عمره فِي جمعها وتصنيفها والأقراء بِهَا ، ويشغله ذلك عَنْ معرفة الفرائض والواجبات فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ولا يعرف مَا يفسد الصلاة ، وربما حمله حب التصدر حتى لا يرى بعين الجهل عَلَى أن يجلس بين يدي العلماء ويأخذ عنهم العلم ، ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال عَلَى مَا يصلح النفس ويطهر أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع ، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم.
    وقال في صيد الخاطر 170- فنظرت، فإذا العلماء، والمتعلمون، والعباد، والمتزهدون، فتأملت العباد والمتزهدين، فرأيت جمهورهم يتعبد بغير علم، ويأنس إلى تعظيمه، وتقبيل يده، وكثرة أتباعه، حتى إن أحدهم لو اضطر أن يشتري حاجة من السوق لم يفعل، لئلا ينكسر جاهه! ثم تترقى بهم رتبة الناموس إلى ألا يعودوا مريضًا، ولا يشهدوا جنازة، إلا أن يكون عظيم القدر عندهم.ولا يتزاورون، بل ربما ضن بعضهم على بعض [بلقاءٍ] ، فقد صارت النواميس(العادات والأعراف) كالأوثان، يعبدونها ولا يعلمون! وفيهم من يُقدم على الفتوى بجهل، لئلا يخل بناموس التصدر! ثم يعيبون العلماء لحرصهم على الدنيا، ولا يعلمون أن المذموم من الدنيا ما هم فيه لا تناول المباحات!ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب: إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي. انتهى كلامه .
    وفي حلية طلب العلم وشرحها للشيخ العثيمين تحت عنوان التصدر قبل التأهل:احذر التصدر قبل التأهل، هو آفة في العلم والعمل.
    وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.(( قلت : قاله أبو الطيب سهل الصعلوكي وهو في ((نزهة الفضلاء)): (3/ 1277 – 1278).
    فاحذر ما يتسلى به المفلسون من العلم ، يراجع مسألة أو مسألتين، فإذا كان في مجلس فيه من يشار إليه، أثار البحث فيهما، ليظهر علمه! وكم في هذا من سوءة، أقلها أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته.انتهى كلامه .
    وكم فشل أناس كثيرون في طلب العلم وحفظه والوصول إلى أخذه من أفواه أهله ، لذلك تجد طائفة طلبوا العلم لله ، فلما عجزوا عنه وأعيتهم سننه حولوا نيتهم إلى طلب الدنيا به وبما حصلوا منه ، وهناك طائفة طلبوا العلم لله ثم تحولت النية إلى الشهوة الخفية الكامنة في النفس ، من حب الرئاسة، وطلب الشهرة والظهور ، والحرص على التصدر، والتعالي على الأقران، والدفع والدفاع في وجه كل من ينصحه أو يعترضه ، والقدح في العلماء ومن يتخذهم خصوما بشتى القذائف والشتائم ...
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. (صحيح رواه أبو داود).
    وتجد نوعا من المتصدرين إذا حوصر إلى زاوية ضيقة في سؤال أو مسألة أو رد من الردود يغضب ويركب حمار التصدر ليصك به من لقيه في طريقه أو منتداه أو مجلسه أو ناصحه خوفا على نفوذ الجاه والصيت وسقوط التصدر في المجالس والمباهاة في العلم ..
    وليعلم أن كل من غلب عليه حب التصدر والمباهاة تجده يغضب أشد الغضب حتى يخرج عن طور المناقشة والجدال بالتي هي أحسن للتي هي أقوم فيسارع إلى التهم والرمي بكل نقيصة ، ويسارع إلى الانتقام إذا زاحمه أحد في المحافل والمجلس والمنتديات .
    وهناك نوع من المتصدرين يراعي درسه؛ فيفرح بكثرة من يحضره أو يسمعه ، ويحزن بقلة ذلك ، لأنه همه الشهرة وحب الظهور ، ويقدح في كلام من يخالفه ، ويمضي زمانه في التفكر في المناقضات ، وهفوات العلماء والزلات ليقهر من يجادله، وعينه إلى التصدر والارتفاع في المجالس، والشهرة والتباهي على الأقران وربما كانت همته جمع الحطام والطمع فيما عند السلاطين!.
    ويمكن أن نفرق بين من لا يحب ذلك من طلبة العلم وبين من يحب التصدر وحب الشهرة ويحرص عليه ببعض العلامات وكل إنسان منا على نفسه بصيرة وهي:
    1 - أن الذي لا يحب التصدر تجده محبا للعلماء موقرا لهم حافظا لقدرهم وكرامتهم ، ومرشدا إليهم ناصحا بهم في كل ما لا يحسن وما ليس له .
    على خلاف من يحب التصدر والشهرة فهو يتظاهر أنه من العلماء ، وأنه يمتعض من ذكر العلماء عنده ، ومن أقوالهم التي تخالفه فلا يحترمهم ولا يوقرهم ولا يحفظ قدرهم وكرامتهم ولا يحب أن ينتقده أحد ولو من العلماء لأنه يظن نفسه أنه بلغ منزلتهم ، وربما أظهر شيئا من حبهم حتى لا يفتضح ..
    2 – الذي لا يحب التصدر تجده متواضعا للعلم فالعلم قد كسر شموخه ، (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )) معظما لأمر الفتوى وعاقبتها، أجرأكم على النار أجرأكم على الفتوى ، خائفا من الله أن يخطأ فيقول عليه غير الحق لأنه يقرأ قوله تعالى في كل حين تعرض عليه الفتوى ..{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } النحل (116). فإذا أقلبت الفتوى عليه ردها حتى لو كان يعلم جوابها ، فالنوازل شأنها عظيم ، وأمرها خطير ؛ لا يحسن لطالب العلم أن ينفرد برأيه فيها ، ولا يحسن به أن يستقل السفينة في بحر لجي وأمواج الخطر تتقاذفه ، فهذا ما كان عليه السلف الصالح فقد كانت تعرض على أحدهم في المجلس الفتوى فيردها على أخيه حتى تدور المجلس ثم تعود إليه ..وصدق من قال من السلف : ((من أفتى الناس في كل ما يسألوه إنه لمجنون ))،فما بالك إذا كان الأمر المسئول عنه نازلة ؟؟؟.
    3- فإذا حصل منه شيء من ذلك ورُجع فيه رجع إلى العلماء ولا يجد غضاضة في الرجوع إلى أقوالهم ؛ بل ويفرح بذلك ، بل إن كان في مجلس لا يبالي ولو جلس في صف النعال أو آخر المجلس ...مادام هناك علماء يناقشون النازلة.
    على خلاف المتصدر فإنه لا يرجع عن قوله إلى قولهم بل يبرر لفعله وقوله ، ويجد في نفسه غضاضة وامتعاض ويحزن أن يؤخر عن المقدمة والتقدم بين أيديهم .
    4- الذي لايحب التصدر عنده عدم التسرع في الجواب في النوازل والمسائل الكبار لأنه يعرف قدر نفسه ومدى رسوخ قدمه مكتوب على توقيعه رحم الله امرؤ عرف قدر نفسه ، فنهاها عما ليس لها وأنزلها منزلتها ليسلم بذلك .
    على خلاف المتصدر فهو متسرع لا يكاد يقلب المسألة على وجه من وجوهها بل يظن نفسه فارسها وفحلها فيدلي بدلوه ويلوي على رأسه ويفرح بما هنالك ويتبجح بذلك ...
    وخلاصة القول : فكل من رأى نفسه خيرا من العلماء أو بعضهم المعروفين بالعلم والفضل ولم يكسر نفسه أمامهم ويزدريها عندهم ولأقوالهم يلجمها ويلزمها في النوازل ما لم يكن فيها خطأ واضح مخالف للكتاب والسنة فهو المتصدر المريد للشهرة .
    نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من ذلك وأن يملأ قلوبنا بحب العلماء وتوقيرهم وأن يحشرنا في زمرتهم يوم القيامة .

  2. #2

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    جزاك الله خيرا الشيخ يوسف لعويسي. على هذا الإضافة ونفع الله به

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    5,765

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    جزاك الله خيرا الشيخ يوسف لعويسي.

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    5,765

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله-
    ومما أحب التنبيه عليه هو: أن بعض الناس يدعون تزكيات صدرت مني لهموربما نشروها في الناس وأنا لا أذكر شيئاً من ذلكم .
    وإنما يزكي المرء عمله .
    فعلى كل مسلم أن يزكي نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الإسلامية العالية .

    وفقكم الله وسدد خطاكم وألف بين قلوبكم .


    أخوكم في الله
    ربيع بن هادي عمير المدخلي

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser



  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    المشاركات
    86

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    جزاكم الله خير

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    217

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    بارك الله فيك شيخنا الفاضل و زادك حرصا لحرصك
    و جاء الان عمل اهل المطبعات لعلهم يكونوا من الذين علموا فعملوا بنشر هذا الخير
    و ليرجعوا لكبار العلماء في هذا الشان
    نسال الله الهداية و العافية

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    5,765

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    يرفع للفائدة

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser



  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    1,048

    افتراضي رد: فتيا النوازل من شأن الكبار وتصدر الصغار ضرر وإضرار

    وطائفة طلبوا العلم لله، ثم تحولت النية إلى الشهوة الخفية، حب الرئاسة، والشهرة، والتصدر، التعالي على الأقران، المراء والجدل، القدح في الخصوم والطعن في العلماء ..

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب العبودية( 1/122):وَكَثِيرًا مَا يخالط النُّفُوس من الشَّهَوَات الْخفية مَا يفْسد عَلَيْهَا تَحْقِيق محبتها لله وعبوديتها لَهُ وإخلاص دينهَا لَهُ كَمَا قَالَ شَدَّاد بن أَوْس : يَا نعايا الْعَرَب يَا نعايا الْعَرَب إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الْخفية.. وَقيل لأبي دَاوُد السجسْتانِي : وَمَا الشَّهْوَة الْخفية؟ قَالَ: حب الرِّئَاسَة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (16/346) :
    وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَأَقْوَالُ النَّاسِ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَشْعُرُ بِهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ كَامِنٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ بَلْ إنَّهُ مُخْلِصٌ فِي عِبَادَتِهِ وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ. وَكَلَامُ النَّاسِ فِي هَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ. وَلِهَذَا سُمِّيَتْ هَذِهِ " الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ ". قَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ: يَا بَقَايَا الْعَرَبِ إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّيَاءُ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ. قِيلَ لِأَبِي دَاوُد السجستاني: مَا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ؟ قَالَ: حُبُّ الرِّيَاسَةِ. فَهِيَ خَفِيَّةٌ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وَكَثِيرًا مَا تَخْفَى عَلَى صَاحِبِهَا..


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. جهل علي الصلابي بأساسيات يعرفها الأبناء الصغار للسلفيين
    بواسطة عزالدين بن سالم أبوزخار في المنتدى منبر الرد على أهل الفتن والبدع والفكر الإرهابي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 28-Aug-2017, 10:12 PM
  2. جهل علي الصلابي بأساسيات يعرفها أبناء السلفيين الصغار.
    بواسطة عزالدين بن سالم أبوزخار في المنتدى منبر الرد على أهل الفتن والبدع والفكر الإرهابي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-Aug-2015, 06:52 AM
  3. موقف المسلم من النوازل والأحداث
    بواسطة أبو ياسر إسماعيل بن علي في المنتدى المنبــر الإسلامي العــام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-Sep-2014, 08:10 AM
  4. كشف الحجاب عن فتيا شمس الدين بوروبي في الإنتخاب
    بواسطة أبو عبد الله المعتز بالله الجيلالي السلفي في المنتدى المنبــر الإسلامي العــام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-May-2012, 09:34 PM
  5. تلاوة جيدة لأحد الأطفال الصغار
    بواسطة أبو يوسف عبدالله الصبحي في المنتدى منبر العلوم الشرعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 26-May-2010, 07:59 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •