الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد .. فنحمد الله على ما مَنَّ بهِ من هذا اللقاء، الذي نسأله - جلَّ وعلا- أن يجعلهُ مباركًا علينا جميعًا، وأُصَلِّي وأسلم على خير خلقهِ نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدّين. أمَّا بعد .. فيا معشر الأحبّة هذا فصلٌ دراسيٌّ كما تَرَوْن انطوى سريعًا، كأنَّهُ دَخَلَ بالأمس علينا، والإنسان يفرح بانطواءِ الأمر الذي يُؤمِّلُ من بعدهِ أن يصل إلى مطلوب، ومِمَّا يفرحُ بهِ طلبة العلم في هذا الباب بانتهاءِ فصلٍ، أو قربِ انتهائهِ، هو انتقالهُم منه إلى فصلٍ آخر، بعلومٍ ومقرَّراتٍ جديدة يُحصِّلونها فيه، فمن هذا الباب يفرحون، ولكنَّ الفرح الحقيقي - معشر الأحبّة- هو بحفاظِك على ما حصَّلتْ، هذا هو الفرح الحقيقي، والحفظ بما حَصَّله طالبُ العلم؛ يكون باستحضارهِ لهُ متى شاء، يختبرُ نفسهُ في حفظهِ، استحضارهِ لمحفوظهِ متى شاء، فإن كان ما حصّلهُ على هذا النحو؛ فليفرح بذلك، وإن كان على غيرهِ فعليهِ أن يجتهدِ في استكمالِ ما نقص، وإن كان في الإبتداء فعليهِ أن يجتهدِ في التأسيس وحُسنِ البِناء، فإنَّ العلم هو ما حفظته في صدرك، هذا هو العلم، والفرح الحقيقي هو بالعمل بهذا العلم الذي عَلَّمك الله - سبحانه وتعالى- إياه، والعمل بالعلم هو من أعظم الأسباب في حفظه،كما قال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى- حينما سُئِل عن كَتْبِهِ الحديث، قال: "ما كتبتُ حديثًا إلَّا وعملت به" حتى ذكر حديث الاحتجام، فَعَمِل به، فاحتجم؛ لَمَّا روى حديث احتجام النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعطاءه الحَجَّام أبا طيبة دينارًا، فاحتجم وأعطى الحَجَّام دينارًا، فالعمل بالعلم مما يقرر العلم ،ويثبته في القلب،فيحفظ الإنسان بذلك، فالتطبيق العملي ترسيخٌ للخبر الذي يكون في ذهن الإنسان. فعلينا جميعًا أن نراعيَ هذا الجانب،وعلينا جميعًا أيضًا أن نهتم بالإخلاص، فالإخلاص - معشر الأحبة- هو الذي يحمل صاحبه على التعلم التعلم الحقيقي، لا يَهُمّه إلا أن يتعلم هذا العلم ليرفع به عن نفسه أولًا الجهل، ومعرفة ما يجب لله - تبارك وتعالى- عليه، ثم بعد ذلك يُبَلِّغه للناس، ومن كان حرصه على هذا النحو، بأن يعلم ما أوجب الله عليه، ازداد نهمه في الازدياد من الخير، لأنه في ازدياد العلم إرغامٌ للأعداء من شياطين الإنس والجن، فيعرف ما يريده منه الربُّ - تبارك وتعالى- وما لا يريده منه، فالأمور المحكمة واضحة، لكن يبقى عليه الدقائق والمشتبهات، فتجده يسعى دائمًا لاستجلاءِ الخَفِيِّ والدقيق، ويسعى دائمًا لرفعِ وكشف الأمور المشتبِهة، وهذا ما يكون إلَّا بالازديادِ من العلم، لأنَّ هذه المرحلة ما يوصل إليها إلَّا بالرسوخ في العلم، والرسوخ يحتاجُ إلى جهد، وإلى تعب، وإلى نصب، فيُجاهِدُ نفسهُ والنَّاسُ لا يعلمون عنه شيئًا في هذا الباب، ويأتي اليوم الذي إذا سُئِل فيه؛ ظهر علمهُ واستبان للنَّاسِ فضلهُ، فهذا الأمرُ مردُّهُ إلى الله - جلَّ وعلا-. عليكَ أنتَ أيها الطالب بالإخلاص لله - جلَّ وعلا- في طلبهِ، لا تطلبُهُ لِتُمارِيَ بهِ، ولا لِتُجادل بهِ، ولا لِتصدَّرَ بهِ المجالس، ولا لِتصرِف بهِ وجوه النَّاس إليك، ولا لِتُحصَّل بهِ غرضًا من أغراضِ الدُّنيا وحُطامِها، وإنَّما الأصل: هذا الذي ذكرتْ، ترفع الجهل عن نفسِك، وتعرف ما يجبُ لله عليك. فالواضِحات يسهلُ تحصيلُها ويبقى الجهد في الدقائِق والخفايا، فهذه التي يتعبُ الإنسان فيها وفي التحصيل والمرور على الشيوخ، والاستكثار من المتون والقراءة فيها، فيظهر بعد ذلك فضلهُ. واعلموا أنَّ المرءْ لا يُحتاجُ إليه إلَّا إذا ذهب أشياخهُ في الغالب، قيل لابن عباس: "أترى النَّاس يحتاجون إليك وفيهم أبو بكر وعمر؟" فكان لا يلتفت لهذه المقالة، هو يتعلّم لنفسهِ، ليَعلم ما أوجب الله عليه، حَصَّل هذا العلم، ما ثنتهُ المقالة التي سمعتُم، ذَهَبَ أبو بكر، عمر، عثمان، علي، كبارُ الصّحابة - رضي الله عنهم-، فمن يبقى؟ وارِثُهُمُ الذي أخذ العلم عنهُم، ومن هذا نتأدّبُ نحن معاشر الأحبّة بآدابٍ عدّة: · الأول: الإخلاص في الطلب. · الثاني: أن لا تصدَّك العوائق والمثبِّطات من مثلِ هذه العبارة وما كان على شاكلتها. · الثالث: أن يعرف المرءُ قدر نفسه، فما يَتَصَدَّر وفي القوم أبو بكر وعمر، يهتم بما يُصلحه هو وما يُقيم أمره هو. · الرابع: الصبر على التحصيل والدأب والاستمرار في ذلك. فهذا حصل لابن عباس بعد ذلك، وبواكيره بدأت من حينما أشركه عمر في المجلس – رضي الله عنه -، وكان لا يُجالس عمر إلا القُرَّاء – رضي الله عنهم -. فالشاهد يجب على طالب العلم أن يُقبل على بناء نفسه، وأن يَهْتَمَّ بما يَعنيه، وأن يَدَعَ ما لا يَعنيه، وليعلم أنه إن كان في هذا صادقًا فسيأتيه اليوم الذي يُحتاج إليه فيه، ويكون قائمًا مقام أشياخه وشيوخه، فالله الله - معشر الأحبة- في الاجتهاد في هذا الجانب، وأعود وأُكرِّر وقد أمللت وأكثرت على كثير منكم، أعود وأقول الله الله بالحفظ، فالمحفوظ هو الذي يبقى، اجتهدوا في الحفظ في كُلِّ فَنٍّ متنًا، واجعلوه هو الأساس والبناء والزيادات على ذلك الأساس، من لم يحفظ في كل فن متنًا فقد نَقَص علمه، أبدًا لا بد أن يحفظ في كُلِّ فَنٍّ مَتْنًا، ويُتقن ويتخصص إذا أراد تخَصَّص في عِلمٍ أو عِلميْن أو ثلاثة لا بأس، لكن أن يبقى في بقية الجوانب يقول هذا ما هو تخصصي! عيبٌ هذا، فعليه بالنحو وإتقان متن في هذا الفن، الأصول – أصول الفقه - وإتقان متن، أصول الحديث المصطلَح وإتقان متن، البلاغة إتقان متن، أصول التفسير إتقان متن، الحديث حفظ متن مَتْنَيْن، الفقه كذلك، وهكذا وهذا كُلُّه بعد كتاب الله – جلَّ وعلا -. وبعد فالأدلة الشرعية في جملة الفرائض الدينية ينبوعها هو الكتاب المقتفى وسنة الهادي الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم-، فأصل العلوم وينبوع العلوم كلها هذا الكتاب الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ أحكمه الله وفصله وبينه غاية التبيين، تَحَدَّى به أرباب الفصاحة والبلاغة فعجزوا أن يأتوا بمثله وبِعَشْرٍ ثُمَّ واحدةٍ، فعلى طالب العلم أن يعتني بذلك، ويا معشر الأحبة أيضا لا تغفلوا الحفظ في الآداب نظمًا ونثرًا، فإن طالب العلم رونقه في أدبه، وجماله في أدبه مع علمه، فإن هذا العلم ثمرة فإذا وُضِعَت في إناء طَيِّب أقبل الناس على الأكل منها والشراء منها، وإن كانت في إناءٍ ضد ذلك نَفَرَ الناس، والعالم يَسَعُ الناس بأخلاق النبوة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- كان من أحسن الناس خُلقا - صلوات الله وسلامه عليه- ومن أعظمهم حلمًا، ومن أوسعهم صدرًا، ومن أجودهم وأسخاهم وأكرمهم - صلى الله عليه وسلم- ومن أعظمهم تواضُعًا حتى إنه ليُرَى بين أصحابه وكأنه واحد منهم، ويدخل الغريب لا يعرفه، وهو سيد ولد آدم على الإطلاق - صلى الله عليه وسلم-. فينبغي لطالب العلم أن يهتم بجانب الآداب، والآداب النبوية قد اعتنى بها أئمة السنة وعلماء الحديث وكتبوا فيها الكتب المستقلة والكتب المُضَمَّنة ضمن الجوامع، وضمن السُّنن، وضمن المصنفات، فيجب أيضًا على طالب العلم أن يعتني بالآداب النبوية الشرعية، وأيضًا بآدابِ كُرَماء الرجال، وكُمَّل الرِّجال، فيسعى إلى ذلك، فعليه أن يَعْتَنِيَ بالأدب لأننا كما قيل قديمًا: نحن إلى كثير من الأدب أحوج مِنَّا إلى كثيرٍ من العلم، فالأدب يَجْبُلُ به الإنسان. وأسأل الله – سبحانه وتعالى- أنْ يوفقنا وإياكم، وأنْ يجعل النتائج مباركةً عليكم جميعًا، وأنْ يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، كما أساله -جلَّ وعلا- أنْ يمد في أعمارنا وإيَّاكم جميعًا على طاعته، ولعلنا - إن شاء الله- نبدأ الدرس معكم إنْ مَتَّعنا الله في الحياة وقوينا - إن شاء الله-، نبدأ في بداية الفصل الدِّراسي الثاني من أول الدِّراسة بإذن الله - جلَّ وعلا-. العنوان: اللقاء الرابع والعشرون من لقاءات طلبة العلم مع فضيلة الشيخ محمد بن هادي المدخلي والذي كان يوم الأحد 22 صفر 1436هـ الشيخ: محمد بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى http://ar.miraath.net/fatwah/7724/07...dy-22-02-1436h