التكبير للقنوت هذه السنة هجرها كثير من الناس، بل قد هجرها كثير ممن هم محسوبين على طلبة العلم وكذلك كثير من أئمة المساجد ولا أستثني حتى المساجد الثلاثة.
جاء في الآثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم التكبير ثم دعاء القنوت - بمعنى: عند الانتهاء من قراءة السورة وإرادة الشروع في القنوت جاء بالتكبير ثم دعاء بدعاء القنوت - وهذا على حد سواء كان القنوت بعد القراءة أو بعد الركوع، وسواء كان في قنوت النوازل أو قنوت الوتر.
وجاءت هذه آثار - التكبير للقنوت - في الفرض وكذلك في الوتر.
أولًا: التكبير للقنوت في الفرض.
الذي وقفت عليه ثلاث آثار، أثرين عن خليفتين راشدين، أحدها عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والأخر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأثر عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عمر بن الخطاب الْفَجْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَبَّر، ثُمَّ قَنَتَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ رَكَعَ.
مدار هذا الأثر عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ به، أخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن الثوري في ((المصنف)) ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) وهذا الإسناد رجاله ثقات وابن أبي شيبة في ((المصنف)) واللفظ له قال: حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حدَّثَنَا سُفْيَانُ وهذا الإسناد أيضًا رجاله ثقات والطبري في ((تهذيب الآثار)) مختصرًا والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) وفي ((مشكل الآثار)) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) مختصرًا وذكره المروزي في ((مختصر قيام الليل)).
وقد تابع الثوري ابن عيينة كما عند عبد الرزاق الصنعاني في ((المصنف)) وشعبة كما عند الطبري في ((تهذيب الآثار)) مختصرًا والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) وفي ((مشكل الآثار)) و إسرائيل بن يونس كما عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) وفي ((مشكل الآثار)).
قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) (ص 48): صحيح، في قنوت الفجر.
قال الطحاوي في ((مشكل الآثار)): ((فهذا عمر أيضًا قد كبر للقنوت قبل الركوع)) هـ.
أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ حِينَ قَنَتَ فِي الْفَجْرِ وَكَبَّرَ حِينَ رَكَعَ.
مدار هذا الأثر على عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ به، أخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن الثوري في ((المصنف)) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) وهذا الأثر إسناده ضعيف فيه عبد الأعلى وهو: ابن عامر الثعلبي الكوفي صدوق يهم كما في ((التقريب)).
قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 17): إسناده حسن.
وجاء عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقُنُوتَ بِالتَّكْبِيرِ.
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) فيه الحارث وهو: ابن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي فى حديثه ضعف، كذبه الشعبى فى رأيه، ورمى بالرفض كما في ((التقريب))، وفيه ابن أبي ليلى وهو: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة صدوق سيئ الحفظ جدًا كما في ((التقريب)).
قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 17): ((إسناده ضعف. وثبت مقيدًا بالفجر.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/316) فيه الحارث الأعور والنضر بن إسماعيل كلاهما في حديثه ضعف)) اهـ.
أثر البراء بن عازب رضي الله عنه
عن مطرف بن ظريف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب أنه قنت في الفجر فكبر حين فرغ من القراءة ثم كبر حين فرغ من القنوت.
أخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن الثوري في ((المصنف)) ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) وهذا الإسناد رجاله ثقات.
قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 29): وإسناده صحيح.
وهذا الأثر رفعه عبد الله بن واقد الحراني وهو: متروك كما في ((التقريب)) وقد بين ضعفه فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 28).
وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) قال: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ، قَالَ: كَانَ الْبَرَاءُ يُكَبِّرُ قَبْلَ أَنْ يَقْنُتَ.
قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 29): إسناده صحيح.
ثانيًا: آثار التكبير للقنوت في الوتر.
الذي وقفت عليه ثلاثة آثار أحدها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والثاني عن عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه والثالث البراء بن عازب رضي الله عنه.
أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه
عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقُنُوتَ بِالتَّكْبِيرِ.
قد مر معنا قريبًا، قال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 17): إسناده ضعف. وثبت مقيدًا بالفجر.
وقال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 17): ((ويلاحظ أن ابن أبي شيبة أورده في باب التكبير في قنوت الفجر من فعله؟ وإنما أوردته في قنوت الوتر لأنه مطلق)) اهـ.
أثر عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه
عَنْ الأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَنَتَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقُنُوتِ كَبَّرَ ثُمَّ رَكَعَ.
هذا الأثر مداره عن ليث، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه به، أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) والطبراني في ((المعجم الكبير)) بلفظ ((كان يكبر حين يفرغ من القراءة ثم إذا فرغ من القنوت كبر وركع)) هذا الأثر إسناده ضعف فيه ليث وهو: ابن أبي سليم بن زنيم القرشي صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك كما في ((تقريب التهذيب)) وقال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) حاشية (ص 27): ضعيف.
وله متابع عند الطحاوي في ((مشكل الآثار)) من طريق مسروق والأسود، وأصحاب عبد الله قالوا: كان عبد الله لا يقنت إلا في الوتر، وكان يقنت قبل الركوع، يكبر إذا فرغ من قراءته حين يقنت.
وهذا الأثر فيه أبي إسحاق وهو: السبيعي ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة كما في ((التقريب))، وحديج بن معاوية صدوق يخطئ كما في ((التقريب)).
هذا الأثر حسنه الأرنؤوط محقق ((مشكل الآثار)) (11/374).
لكن في تحقيقه للمسند تحت حديث رقم (4400) قال: إسناده ضعيف، حديج بن معاوية، قال أحمد في "العلل " (5251) : ليس لي بحديثه علم، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وليس مثل أخويه، في بعض حديثه ضعف، وقال البخاري: يتكلمون في بعض حديثه، وضعفه النسائي وابن سعد وأبو زرعة الرازي وابن ماكولا والبزار، وقال ابن حبان في "المجروحين": منكر الحديث كثير الوهم على قلة روايته، وقال الدارقطني: غلب عليه الوهم، وقال أبو داود: كان زهير (يعني إخاه) لا يرضى حديجا. ثم إنه لا يعلم هل روى عن أبي إسحاق - وهو السبيعي - قبل الاختلاط أم بعده؟
وقال الإمام الألباني رحمه الله وهو يتكلم على أثر آخر لابن مسعود رضي الله عنه في ((إرواء الغليل)) (2 / 281): ((وإسناده ضعيف، فيه حديج بن معاوية وهو ضعيف كما قال النسائى وغيره. عن أبى إسحاق وهو السبيعى وكان اختلط)) اهـ.
وعلى هذا يكون قول الأرنؤوط حسن ليس بحسن فالإسناد ضعيف، ولعله يرتقي لدرجة الحسن لغيره بالأثر الذي قبله، فهو يحتاج إلى زيادة دراسة وتأمل.
أثر البراء بن عازب رضي الله عنه
عَنْ أَبِي الْجَهْمِ، قَالَ: كَانَ الْبَرَاءُ يُكَبِّرُ قَبْلَ أَنْ يَقْنُتَ.
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) وهذا الأثر إسناده أقل أحواله حسن فيه محمد بن فضيل بن غزوان صدوق عارف رمي بالتشيع كما في ((تقريب التهذيب)).
وهذا أيضًا ذكره ابن أبي شيبة في باب التكبير في قنوت الفجر من فعله؟ وهو كما تري جاء مطلقًا غير مقيد بقنوت الفجر.
قال الطحاوي في ((مشكل الآثار)): ((فقال قائل ممن ينكر القنوت قبل الركوع: قد وجدت هؤلاء الذين يقنتون قبل الركوع يزيدون في هذه الصلاة تكبيرة لم نجد لها أصلا، ولا يجوز أن يزاد في الصلوات ما لا يوجد له أصل. فكان جوابنا له في ذلك: أن الذين زادوا هذه التكبيرة قد وجدوا لها أصلا عن رجلين جليلين من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود)) اهـ.
وقال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) (ص 65): ((الذي ورد في قنوت الوتر [يعني: التكبير للقنوت] عن الصحابة جميعه لا يصح)) اهـ.
قال المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)): ((واعلم أن الحنفية اختاروا القنوت قبل الركوع فإذا كانوا يريدون القنوت قبل ركوع الركعة الثالثة يكبرون ويرفعون أيديهم كرفع اليدين عند التحريمة ثم يقنتون أما التكبير فيستدلون على ثبوته ببعض الآثار.
وقد عقد محمد بن نصر في قيام الليل لذلك بابا فقال باب التكبير للقنوت وذكر فيه عن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب لما فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر وركع يعني في الفجر.
وعن علي أنه كبر في القنوت حين فرغ من القراءة وحين ركع وفي رواية كان يفتتح القنوت بتكبيرة وكان عبد الله بن مسعود يكبر في الوتر إذا فرغ من قراءته حين يقنت وإذا فرغ من القنوت وعن البراء أنه كان إذا فرغ من السورة كبر ثم قنت وعن إبراهيم في القنوت في الوتر إذا فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر وركع وعن سفيان كانوا يستحبون إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر أن يكبر ثم يقنت وعن أحمد إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة.
قلت لم أقف على حديث مرفوع في التكبير للقنوت ولم أقف على أسانيد هذه الآثار)) اهـ.
وقال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول في ((الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية)) (ص 65): ((لكن ثبت عن بعض التابعين في قنوت الوتر:
عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي رحمه الله قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْنُتَ، فَكَبِّرْ لِلْقُنُوتِ، وَكَبِّرْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرْكَعَ.
وفي رواية عنه: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ إِذَا فَرَغْتَ فَكَبِّرْ وَارْكَعْ.
عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا وَأَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُونَ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: إِذَا فَرَغَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَنَتَ.
وعن سفيان قال: كانوا يستحبون إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر أن يكبر ثم يقنت.
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة.
قلت [الشيخ بازمول]: نعم ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعن البراء رضي الله عنه في قنوت النازلة في الفجر.
وعليه فإنه يشرع في قنوت الوتر إذا فرغ من القراءة وأراد القنوت قبل الركوع أن يكبر قبل القنوت وبعده. وهذا من السنن المهجورة اليوم إلا ما رحم ربي)) اهـ.
وهذا البحث جاء ذكره في مصنف ابن أبي شيبة باب فِي التَّكْبِيرِ لِلْقُنُوتِ.
ومختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر للمروزي بَابُ التَّكْبِيرِ لِلْقُنُوتِ بَابُ مَنْ كَبَّرَ لِلْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ.
والأوسط لابن المنذر ذكر التكبير للقنوت إذا كان القنوت قبل الركوع .
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وأخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأربعاء 7 رمضان سنة 1436 هـ
الموافق لـ: 24 يوليو سنة 2015 م