الرد العلمي على منكري التصنيف محاضرة لفضيلة الشيخعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم-رحمه الله-


ترتيب وتنسيق


أبي عمرو محمد الكريمي




غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين




بسم الله الرحمن الرحيم




إن الحمد لله نحمدهونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا منيهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.



) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آلعمــران/ 102.



) يا أيها الناس اتقوا ربكمالذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقواالله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) النساء / 1 .



) ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكمذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) الأحزاب / 70ـ 71



أمابعد:-



فإن منة الله سبحانه وتعالى على عبده المسلم بتوفيقه إلى العمل بالسنة المطهرة وسلوك جادتها المستقيمة منة كبرى ونعمة عظمى تستحق أيها الإخوة شكراًوذكراً كثيراً إذ أن التمسك بالسنة اليوم عزيز والمتمسك بالسنة اليوم غريب أيضاًفالتمسك بالسنة مظهر من مظاهر الغربة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعها ،فأكثر المجتمعات الآن على غير السنة كما قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: )استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء)، وكما قال أبو بكر بن عياش رحمه اللهتعالى: (السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان) ، ويقول يونس بن عُبيدرحمه الله تعالى: (ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها)، فإذا كان أيهاالإخوة ، إذا كان هذا كلام أولئك الأئمة في زمانهم فما بالنا بزمننا هذا لا شك أنالغربة قد اشتد استحكامها، وعظم أمرها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فمنكان من أهل السنة فليحمد الله تعالى على هذا الفضل، وليسأل الله سبحانه وتعالىالثبات عليه، وأما من كان من غير أهلها فيا لخيبته ما أعظم مصيبته وما أشد خسارتهفليَعُد إلى ربه جل وعلا وليُراجع دينه فإن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام،ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا أنه جل وعلا لميُخلي زمناً من الأزمان من أهل السنة بهم تقوم حجته على الناس أجمعين فيبلغون شرعالله سبحانه وتعالى كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدعون إلى لزومالسنة وترك البدع والأهواء ، وقد كنا نعهد أهل السنة والجماعة فيما نقل إلينا منسيرهم وأخبارهم وأحوالهم أمة واحدة تجمعهم السنة وإن نأت ديارهم وتباعدت أقطارهميحنوا بعضهم على بعض ويحب بعضهم بعضا وإن لم يره حتى قال سفيان الثوري رحمه اللهتعالى: (إذا بلغك عن رجل في المشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلاموادع لهما ما أقل أهل السنة والجماعة) ويقول أيوب السختياني رحمه الله تعالى أيضاً:(إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي).



أما اليومفقد كثُر المنتسبون إلى السنة وكثر اللابسون للباس أهل السنة، حتى لم يعد تمييز أهلالسنة الحقيقيين من غيرهم بالأمر السهل الهين، وهؤلاء الذين تلبسوا لباس السنةوتظاهروا بالتمسك بها لم يفعلوا ذلك إلى لأجل القضاء على وحدة أهل السنة والجماعة،وتفريق صفوفهم، وضرب بعضهم ببعض، حتى تعلو راية البدعة وتسود جيوشها، ولكن يمكرونويمكر الله والله خير الماكرين، فأهل السنة مهما اندس بينهم مندس، ومهما تزيا بزيهمماكر فإن الله سوف يهتك ستره ويفضح أمره، فما أسر عبد سريرة إلا أخرجها الله سبحانهوتعالى على فلتات لسانه وقسمات وجهه.



ولخطورة ذلك الأمر الذي أشرت إليه وهو تلبسكثير من الناس بالسنة في هذه الأزمان وهم ليسوا من أهلها، وشدة تفشي هذا الأمروخوفي أن يندرس مذهب أهل السنة والجماعة، على أيدي أناسٍ يتسمون بهذا الاسم وليسوامن مسماه على نصيب ، فإننا في هذا المجلس نذكر بعض المسائل وبعض القضايا التي كثرطرحها في هذا الزمن وباسم أهل السنة والجماعة، وهذا الطرح الغالب الكثير ليس عليهأثارة من علم، وليس هو من مذهب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وإنما هو إفتآت علىمنهج السلف الصالح وتلبيس وخداع إما لنصرة حزباً من الأحزاب التي انتشرت في هذاالزمن باسم الإسلام أو لمجرد هوى أو نحو ذلك من الأمور العظام. أقول لما كان هذاالطرح لمثل هذه المسائل باسم أهل السنة والجماعة وهو بعيد عن هذا المسمى وجبالتنبيه ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً، ونحن في هذه العجالة نذكر بعض هذهالمسائل وندلي فيها بدلونا عل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وتحقيقمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوفيق لمنهج السلف الصالح رضي الله عنهم.فمن هذه المسائل مسألة التصنيف، ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله ومسألة هل الكفرإنما يكون بالتكذيب أو يكون بالتكذيب وغيره، ومسألة الأحزاب والتحزب.

فنبدأبالمسألة الأولى وهي التصنيف :




هل هو حق أم باطل وهل يصح التصنيف بالظن أم لا يصح ؟



وجواب هذه المسألة أن يقال إن التصنيف الذي هو نسبة الشخص الذي تلبس ببدعة إلىبدعته ونحو ذلك كنسبة الكذاب إلى كذبه وهكذا كل ما يتعلق بمسائل الجرح والتعديل.نقول إن هذا التصنيف حق ودين يدان به، ولهذا أجمع أهل السنة على صحة نسبة من عُرفببدعة إلى بدعته، فمن عرف بالقدر قيل هو قدري، ومن عُرف ببدعة الخوارج قيل خارجي،ومن عرف بالإرجاء قيل هو مرجئ، ومن عرف بالرفض قيل رافضي، ومن عرف بالتمشعر قيلأشعري، وهكذا معتزلي وصوفي وهلما جرا، وأصل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرأن أمته ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار،ففيه دلالة على وجود الفرق ولا يتصور وجود الفرق إلا بوجود من يقوم بمعتقداتها منالناس، وإذا كان الأمر كذلك فكل من دان بمعتقد أحد هذه الفرق نسب إليه لا محالة.



وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً لهذه الفرق وهم القدرية في قوله عليهالصلاة والسلام: القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلاتشهدوهم.



والقدرية واحدهم قدري، فالنبي صلى الله عليه وسلم نسب أشخاصاً من أمتهسيأتون من بعده إلى القدر فصنفهم بالبدعة التي وقعوا فيها وهي إنكار القدر، مثالاًآخر لتلك الفرق جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج واحدهم خارجي ،وقد أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر وهو عليهالصلاة والسلام لم يسميهم بالخوارج ولكن الصحابة ورد عنهم تسميتهم بذلك وتنزيلالأحاديث التي جاءت في الخوارج على الخوارج الذين وجدوا بعد النبي صلى الله عليهوسلم، والأحاديث كثيرة منها ما جاء في المسند والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: "سيكون في أمتي اختلافاً وفرقة ، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأوونالقرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون منالدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شرالخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء،من قاتلهم كان أولى بالله منهم" قالوا: يا رسول الله ما سيماهم، قال: "التحليق".حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد واللالكائي وغيرهم وهو في السنن أيضاً.



وقدأخرج مسلم وغيره عن بسر بن عمرو قال سألت سهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلى اللهعليه وسلم يذكر الخوارج، فقال: سمعته وأشار بيده نحو المشرق قوم يقرأوون القرآنبألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والحديث كماأنه في مسلم أيضاً هو في البخاري وفي مسند الإمام أحمد.



وامتداداً لهذاالمأثور جاءت أقوال السلف وأفعالهم في هذا الباب واضحة، فهم يثبتون هذه الفرقوينسبونها إلى بدعتها التي خرجت بها عن موجب الكتاب والسنة، ومن عُرف بها من آحادالناس نسبوه إليها وكل هذا منقول عنهم ومثبت في دواوين السنة لا يخفى على أهل العلمولو كتب المرء في ذلك مجلداً كبيراً لما أحاط ببعض ذلك، وكتب السير والتراجموالمؤلفات الموصوفة بالسنة فيها شىءٌ كثيرٌ من هذا الباب، وعلى سبيل المثال لاالحصر ما جاء في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرةمعبد الجُهني وفيه أنه لقي ابن عمر فقال له إنه قد ظهر أناس من قبلنا يقرأوونالقرآن ويتعلمون العلم ، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقالابن عمر: (إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم براء مني)، وأولئك إشارة إلىالأشخاص الذين دانوا بالقدر أي دانوا بإنكار القدر فنسبوا إلى القدرية، وقد جاء عنأبي أمامة رضي الله عنه أنه تأول قول الله سبحانه وتعالى: " إن الذين فرقوا دينهموكانوا شيعاً" تأولها في الخوارج، وكذلك جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد روي فيذلك أحاديث مرفوعة الى النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان لا يثبت منها شيء، وقد جاءأيضاً عن أبي أمامة رضي الله عنه في تأويل قول الله سبحانه وتعالى: " ولا تكونواكالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات " أنها في الخوارج.



وفوقهذا أن السلف رضي الله عنهم ينسبون من تلبس بهذه البدعة ونحوها إليها، فنافع ابنالأزرق أحد رؤوس الخوارج كما هو معلوم وقد نسبه السلف إلي هذه البدعة ، بل قد كاناسمه في زمن من الأزمان عندهم علمٌ أو علماً على الخوارج ، فقد كانت طائفة منالخوارج تدعى بالأزارقة ، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد أن عبد الله بن أبي أوفى رضيالله عنه قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة ، حدثنا رسول الله صلى اللهعليه وسلم أنهم كلاب النار، فقال الراوي عنه قلت له: الأزارقة وحدهم أم الخوارجكلها، قال: بلى الخوارج كلها.



والأزارقة قد قتلوا في زمن عبد الله بن الزبير رضيالله تبارك وتعالى عنه، ورؤوس الخوارج وأمراؤهم الذين قاتلهم علي بن أبي طالبمعروفون عند السلف ينسبون بأعيانهم إلى هذه البدعة ، كعبد الله بن وهب، وحرقوص بنزهير، وشريح بن أبي أوفى، وعبد الله بن صخبرة السُلمي وغيرهم، ومثل هؤلاء أيضاًالسلسلة المشينة الجهم بن صفوان عن الجعد بن درهم عن أبان بن سمعان عن طالوت ابنالأعصم اليهودي فقد عرف أهل السنة خُبث هذه السلسلة وحذروا منها ونسبوا كل من عرفبهذه الملة إلى مشيعها ومفشيها الجهم بن صفوان فقالوا جهمي وهكذا الحال في معبدالجهني وغيلان الدمشقي القائلين بالقدر وفي واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد أهلالأعتزال فكل هؤلاء وغيرهم كثير صنفهم السلف رضي الله عنهم وذكروا أسمائهم منسوبةإلى بدعهم دون نكيرٍ بينهم .



وأنت إذا أخذت جانباً آخر من هذا الباب وجدتكتب الجرح والتعديل مليئة بنسبة من دون أولئك إليهم ما داموا مشتركين معهم فينحلتهم ووجهتم وبصرف النظر عن ثبوت ذلك في حق من نسب إليه هذا الأمر أو عدم ثبوتذلك .



المقصد أن أهل السنة فعلوا ذلك فإن ثبت فقد حصل المقصود وإن لم يثبت بُرء مننسب إليه ذلك.



أقول هذا لأن بعض من نسبوا إلى ذلك الأمر قد لا يثبت عنهم نسبتهم إلىتلك البدع وهذا كما قيل في الجوزجاني إبراهيم بن يعقوب فقد قال عنه ابن حبان كانحريزي المذهب يعني أنه يرى رأي حريز بن عثمان الذي رمي بالنصب وقال ابن عيينة رحمهالله تعالى في إسماعيل بن سُميع كان بيهسياً، وقال فيه ابن القطان كان صفرياًوبُهيتياً نسبة إلى أحد رؤوس الخوارج ينسب إليه طائفة منهم والبُهيتية طائفة منالصفرية اتباع زياد بن الأصفر من الخوارج وهكذا يقول أحمد رحمه الله تعالى في سيفبن سليمان قدري وهلما جرا، تجد من هذا الكلام شيئاً كثيراً في كتب السلف رحمهم اللهتعالى .



فثبت بجميع ما ذكر أن التصنيف حق أجمعت عليه الأمة فلا ينكره عاقلوكما أن أهل البدع ينسبون إلى بدعهم ليعرفوا فيحذروا فهكذا أهل الحق ينسبون إليه لاإلى غيره فليس لهم ألقاب تنم عن الخروج عن مقتضى الكتاب والسنة وما عليه سلف هذهالأمة، وهذا معنى قول الإمام مالك رحمه الله تعالى: (أهل السنة ليس لهم لقب يعرفونبه لا جهمي ولا قدري ولا رافضي) ذكره عنه ابن عبد البر في الانتقاء وسئل رحمه اللهتعالى عن السنة فقال: (هي ما لا اسم له غير السنة وتلا قول الله سبحانه وتعالى: "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" .



يقول ابنالقيم رحمه الله تعالى عندما ساق هذه الجملة عن الإمام مالك في كتابه مدارجالسالكين : (يعني أن أهل السنة ليس لهم اسماً ينسبون إليه سواها)، ويقول الثقةالثبت مالك بن مغول رحمه الله تعالى: (إذا تسمى الرجل بغير الإسلام والسنة فألحقهبأي دين شئت)، ويقول أيضاً ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: (إياكم وكل اسمٍ يُسمىبغير الإسلام)، ذكر هذين الأثرين ابن بطه رحمه الله تعالى في الإبانة الصغرى.



وكلهذه الآثار مأخوذة من الكتاب والسنة وما عليه الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم،الله تعالى في كتابه سمانا مسلمين ولذا جاء في حديث الحارث الأشعري في مسند الإمامأحمد "فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد اللهعز وجل"، وقد جاءت لهم تسميات في الشرع المطهر هي مرادفة لتسميتهم بالمسلمين كأهلالسنة الذي دل عليه المقابلة بين البدعة والسنة في قول صلى الله عليه وسلم: "فعليكمبسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعه وكلبدعة ضلالة"، ولذا يقول الإمام البربهاري رحمه الله تعالى: (اعلم أن الإسلام هوالسنة والسنة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلى بالآخر).



وكذلك يسمون بأهل السنةوالجماعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية : "وهي الجماعة" أخرجهأحمد وأبو داود وغيرهما من حديث معاوية رضي الله تبارك وتعالى عنه ، ويسمون الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وكل هذه الأسماء قد قام الدليل عليها.



خلاصة القول أنالتسمية إن كانت مطابقةًً للمسمى فذلك المراد، وإن لم تكن فإنها لا تفيد شيئاً، فماقيمة التسمية بأهل السنة والجماعة بطائفة الأشاعرة ، لا شيء، وهكذا غير الأشاعرة إذا تسموا باسم أهل السنة والجماعة ولم يلتزموا عقائد وأصول أهل السنة والجماعة فهمليسوا أهل سنة وجماعة ، وإن تسموا بهذا الاسم وإن تزينوا به .



والضابط في أهل السنةكما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: هو أن أهل السنة المحضة همالسالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبما عليه أصحابه في الأصول كلها أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان، وغيرها .



وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرع عنهم كلهم من أهلالبدع الاعتقادية ( ذكر هذا الضابط في فتاويه رحمه الله تعالى).



وقبله قرر هذا الأمرالإمام البربهاري بكلام أدق حيث يقول رحمه الله تعالى في شرح السنة يقول : (ولا يحللرجل مسلم أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلممنه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، لايقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها).



فمن أثبت في القدر اعتقاد أهل السنةوالجماعة ولم يثبته في الأسماء والصفات، أو أثبت الأسماء والصفات ولم يكن على عقيدةأهل السنة والجماعة في باب الإيمان ومرتكب الكبيرة ونحو ذلك فكيف يسمى من أهل السنةوالجماعة ؟؟؟.



إذن فمن كان على الصفات التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعديوالبربهاري رحمه الله نسبناه إلى أهل السنة وصنفناه مع أهلها وهكذا كان عمل السلفالصالح رضي الله تبارك وتعالى عنهم.



فظهر بهذا الموجز واستبان مشروعية نسبةالناس إلى عقائدهم، فمن كان من أهل السنة فهو سني ومن كان من أهل البدع والأهواءفهو منهم . أشعرياً كان أو معتزلياً أو مرجئياً أو خارجياً أو رافضياً وهكذا .



إذا تبين هذا، فإن هذا الباب باب قد طرقه أهل العلم عملياً ونظرياً فيقديم الزمان وفي حديثه، ولعلنا قد قدمنا من العملي ما يتضح به المقصود .



أما النظريفأهل الاختصاص ، أهل الجرح والتعديل قد اعتنوا به وأوسعوه بحثاً فبينوا حكمه فيالشرع وذكروا قواعده ، فتصنيف الناس ونسبتهم إلى عقائدهم ونحلهم وصفاتهم من حيثالحكم ومن حيث القواعد، ليس علماً مخترعا وليس علماً جديداً بل هو علم الجرحوالتعديل الذي لا ينقطع من هذه الأمة ما بقي الليل والنهار .



فمن رام أنيطفئ نور هذا الفن ، لخاطر حزبه أو خوفاً على محبوبيه المجروحين فقد ضل وأضل وشقي وأشقى !!!.



فتصنيف الناس بحقٍ وبصيرة حراسة لدين الله سبحانه وتعالى، وهو جند من جنودالله سبحانه وتعالى ينفي عن دين الله جل وعلا تحريف الغالين وانتحال المبطلينوتأويل الجاهلين وزيغ المبتدعين ومكر الخوارج المارقين وسائر الفرق المنشقة عن صفوفأمة الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم .



فالتصنيف رقابة تترصد ومنظار يتطلعإلى كل محدث فيرجمه بشهاب ثاقب لا تقوم له قائمة بعده، حيث يتضح أمره ويظهر عوره (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ، وما ظننا يوماً من الأيام أن معاولأهلالأهواء المتـثلمة وعصيهم المتـشققة ستصل إلى هذا المبلغ البعيد الشأو فيضربوا بها حرس الدين وجنده ويعتدوا على باب من أعظم أبواب العلم وهو باب الجرح والتعديل باب التصنيف؛ ليزيلوه من هذه الأمة خوفاً على ،أسيادهـم ،وبنّــائِهم !!.



[فالتصنيف ]من معاول أهل السنة والجماعة التي بحمد الله جلوعلا لم تفتر ولن تفتر في إخماد بدع أهل البدع والأهواء وفي كشف شبههم وبيان بدعهم حتى يحذروا وحتى تعرفهم الأمة فتكون يداً واحدة على ضربهم ونبذهم والقضاء عليهم .

والعجب أن يخرج أناس ينتسبون إلى السنة ، [يجعلون] التصنيف لهم جائز على كل الوجوهوعلى ما يشاءون ويختارون، أما غيرهم فهو في حقهم من الموبقات السبع !!!، فهم يصنفون منشاؤوا بهواهم ولا يرضون تصنيف آخرين من أهل البدع لمجرد هواهم أيضا .




أما إذا صنف أهل الحق أحد أسيادهم ومتبوعيهم بحق وبرهان غضبوا غضباً وسكَّروا أبوابالتصنيف وأبواب الجرح والتعديل في وجوههم !!!!.



فخذ على ذلك مثالاً يضحك ويبكي ، الكل منا يعرف الصابوني وأنه أشعري المعتقد ولما أخرج تفسيره الصفوة وانتشر فيالأقطار تصدى له كثير من أهل العلم وفقهم الله تعالى وبينوا عواره وكشفوا مخبآته وحذروا الناس من اقتناء هذا التفسير ومن التعويل عليه لما هو منطوي عليه من تأويلأسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته .



فلما جاء السيد قطب وسلطت أضواء أهلالحق على تفسيره فأخرجوا ما عنده من تأويل لأسماء الله تعالى وصفاته، ومن تخبيط فيأبواب المعتقد كلها، وذكروا ما تفوه به في حق بعض الصحابة رضي الله تبارك وتعالىعنهم، وذكروا أيضاً ما تلفظ به لسانه وكتبه قلمه من سوء الأدب مع بعض أنبياء اللهجل وعلا ، لما ذكروا ذلك ثار ثائرت بعض القوم فشنعوا وجدعوا وقالوا إن كتبه نافعهطيبة ويجب قراءتها .



فقلي بربك أيها المنصف فما الفرق بينه وبين الصابونيالذي فعل به ذلك الرجل ما فعل( !!)
ما هو الفرق عند أهل العلم والإيمان ،أنا أقول إن الصابوني أحسن حالاً بمئات المرات من مثل سيد قطب ، فالصابوني يتكلمبطريقة أهل العلم الذين سبقوا ، كالصاوي والنسفي والجلالين ونحوهم .




أماهذا فهو قد جاء بأسلوب مخترع مبتدع في تفسير كتاب الله جل وعلا لم تكن عليه الأمةمن قبل، وأسلوبه وطريقته مشوبة بالأفكار الضالة التي كان يعتنقها والتي كانت بعيدةعن الإسلام بعداً كاملا .



ولكن الكلام لِم يفرق بين هذا وذاك ، وما هو السر؟ !!



إلا لأجل أن هذا هو قائد الطريقة وهو شيخ الطريقة ؛ فلذا حرمته حرمة تفوق كلحرمة، فينسب كل الناس إلى البدع والتمشعر والاعتزال والجهمية ونحو ذلك، أما هذافقفوا قد حرم الكلام عليه، وقد سيج بسياج من حديد فلا يخلص أحد إليه .



وهذا تناقض مشين ولعب بقواعد الدين، فالواجب الإنصاف والتخلي عن الأغراض والأهواء والمطامع والنزعات الحزبية العرقية في مثل هذا الباب العظيم، فالمسلم الصادق العالمالمحق هو الذي يمشي على وتيرة واحدة ولا يتلون في دين الله سبحانه وتعالى .



إذن فهذا العلم علم الجرح والتعديل يجب الرجوع فيه إلى أهله ، السالمين من الهوى المتجردين في أحكامهم، أهل الغيرة على دين الله سبحانه وتعالى، لا يرجع فيهإلى أصحاب الحظوظ النفسية والتقلبات والتلون في دين الله سبحانهوتعالى.



ولأجل استيفاء حق هذا الموضوع أو استيفاء بعض حقوقه فأنا اختصر علىإيراد كلام للعلامة السخاوي رحمه الله تعالى ذكره في كتابه فتح المغيث وهذا الكلام يتناول أربعة عناصر .



العنصر الأول: أهمية علم الجرح والتعديل، ومعرفةالثقات من الضعفاء .



والثاني: التحذير من إعمال الهوى وحظوظ النفس في هذاالباب الخطير .



والثالث: كون الأمة بحاجة ماسة إلى هذا العلم، وبيان الأدلةمن الكتاب و السنة عليــه.



الرابع: رد الشبه ، أو رد بعض الشبه التي ترد علىهذا الباب .



مثل قول بعضهم إن الأمة في هذه الأزمنة المتأخرة لا تحتاج إلى تصنيف الناس وتعديلهم وتجريحهم؛ لأن هذا إنما يحتاج إليه في علم رواية الحديث والآنلا حاجة إلى ذلك إذ لا رواة يوجدون في هذه الأيام!!! ، ولو وجدوا أيضاً قبل هذه الأياملم يكن هناك فائدة من الكلام عليهم؛ لأن الدواوين قد دونت وقد تُكلم في رجالها بمافيه الكفاية. فمثل هذه الشبه سوف يكشفها رحمه الله تعالى في كتابه الآنف الذكر فتحالمغيث، وهو قد أيضاً توسع في ذلك في كتابـه ( الإعلام بالتوبيخ لمن ذم التاريخ )فمن شاء فليرجع إليه ونحن الآن نقرأ إن شاء الله ما تيسر من كلامه أو مقتطفات منكلامه .



يقول وهو يشرح ألفية العراقي يقول : ( واحذر أيها المتصدي لذلك الجرح والتعديل المقتفي فيه أثر من تقدم من غرض أو هوى يحملك كلاً منهما علىالتحامل والانحراف وترك الإنصاف أو الإطراء والافتراء؛ فذلك شر الأمور التي تدخلعلى القائم بذلك الآفة منها والمتقدمون سالمون منه غالباً منزََّهون عنه لوفور ديانتهم، بخلاف المتأخرين فإنه ربما يقع ذلك في تواريخهم وهو مجانب لأهل الدين وطرائقهم ، فالجرح والتعديل خطر لأنك إن عدلت بغير تثبت كنت كالمثبت حكماً ليسبثابت فيخشى عليك أن تدخل في زمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب، وإن جرحت بغيرتحرز أقدمت على الطعن في مسلمٍ برىءٍ من ذلك ووسمته بميسم سوءٍ يبقى عليه عاره أبداً) .



يقول: ومع كون الجرح والتعديل خطراً فلا بد منه ـ هذا أيضاً مبحث آخر مهموهو تعين هذا الفن على جماعة من الأمة ـ ومع كون الجرح والتعديل خطراً فلا بد منهنصحٌ في الدين لله ورسوله ولكتابه وللمؤمنين حقٌ واجب يثاب متعاطية إذا قصد به ذلكسواء كانت النصيحة خاصة أو عامة وهذا منه لقول الإمام أحمد وهذا منه –يعني منالعراقي يعني هذا التقرير ـ وهذا منه لقول الإمام أحمد لأبي تراب النخشبي حين عذلهعن ذلك بقوله لا تغتب الناس قال أحمد: (ويحك هذه نصيحة وليست غيبة)، وقد قال اللهتعالى : ( وقل الحق من ربكم) ، وأوجب الله الكشف والتبيين عن خبر الفاسق بقوله: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) .



وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الجرح: "بئس أخوالعشيرة"، وفي التعديل "إن عبد الله رجل صالح" إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في الطرفين، ولذا استثنوا هذا من الغيبة المحرمة وأجمع المسلمون على جوازه بل عد منالواجبات للحاجة إليه وممن صرح بذلك النووي والعز بن عبد السلام ولفظه في قواعده القدح في الرواة واجب لما فيه من إثبات الشرع ولما على الناس في ترك ذلك من الضررفي التحريم والتحليل وغيرهما من الأحكام ، وكذلك كل خبر يجوِّز الشرع الاعتماد عليهوالرجوع إليه وجرح الشهود واجب عند الحكام عند المصلحة لحفظ الحقوق من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع و الإنساب وسائر الحقوق، وتكلم في الرجال كما قال الذهبيجماعة من الصحابة ثم من التابعين ...



إلى أن قال بعد أن سرد أسماء المتكلمين فيالرجال ـ قال: (ولقد أحسن الإمام يحيى بن سعيد القطان في جوابه لأبي بكر بن خلادحين قال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصمائك عند الله يومالقيامة، قال: لأن يكونوا -أي: المتروكون - خصماء لي أحب إليّ من كون خصمي المصطفىصلى الله عليه وسلم إذ لم أذب -أي: أمنع الكذب عن حديثه وشريعته ـ .



ثم قالالسخاوي: فإن قيل ـ وهذه شبهة لا بد من الإنتباه لها ـ فإن قيل قد شغف جماعة منالمتأخرين القائمين بالتأريخ وما أشبه كالذهبي ثم شيخنا ـ يعني ابن حجر ـ بذكرالمعايب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية وذلك غيبة محضة ولذا تعقب ابن دقيق العيدابن السمعاني في ذكره بعض الشعراء وقدح فيه بقوله:



إذا لم يضطر إلى القدح فيهلرواية لم يجز، ونحوه قول ابن المرابط قد دونت الأخبار وما بقي للتجريح فائدة بلانقطعت من رأس الأربعمائة، ودندن هو وغيره ممن لم يتدبر مقاله لعيب المحدثين بذلك .



قلت: ـ هذا الآن الرد على هذه الشبهة وعلى من قالها ـ قلت: الملحوظ في تسويغ ذلككونه نصيحة ولا انحصار لها في الرواية ـ العلة في ذلك كونها نصيحة والحكم يدور مععلته ـ قلت: الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة ولا انحصار لها في الرواية فقد ذكروامن الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره ولا يُعد ذلك غيبة بل هو نصيحة واجبة، أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها إما بأن لا يكون صالحاً لها،وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً أو نحو ذلك، فيذكر ليزال بغيره ممن يصلح، أو يكونمبتدعاً أو فاسقاً ـ يعني المذكور في الطعن أو يكون المذكور بما يسميه أولئك غيبة ـأو يكون مبتدعاً أو فاسقاً ويرى من يتردد إليه للعلم ويخاف عليه عود الضرر من قبله ببيان حاله، ويلتحق بذلك المتساهل بالفتوى، أو التصنيف أو الأحكام أو الشهادات أوالنقل أو المتساهل في ذكر العلماء أو في الرشاء والإرتشاء إما بتعاطيه له، أوبإقراره عليه مع قدرته على منعه، وأكل أموال الناس بالحيل والافتراء أو الغاصب لكتبالعلم من أربابها أو … بحيث تصير ملكاً أو غير ذلك من المحرمات، فكل ذلك جائز أوواجب ذكره ليحذر ضرره، وكذا يجب ذكر المتجاهل بشىءٍ مما ذكر ونحوه من باب أولى.



قالشيخنا -يعني ابن حجر-: ويتأكد الذكر لكل هذا في حق المحدث هذا بيان لمن يقوم بهذاالأمر فليس كل أحد يتصدى لهذا الباب ويقوم به وإنما هو للمحدثين لأهل العلم بألفاظالجرح والتعديل وبالقواعد التي ذكرها أهل العلم رحمهم الله تعالى وثنوها في هذاالباب ونحو ذلك ، فهو لا يجوز إلا لمن توفرت فيه الشروط التي نص عليها أهل العلم فيالقائمين بالجرح والتعديل ، ويتأكد الذكر لكل هذا في حق المحدث لأن أصل وضع فنه بيانالجرح والتعديل فمن عابه بذكره لعيب المجاهر بالفسق أو المتصف بشيء مما ذكر ـ يعنيببدعة أو نحو ذلك ـ مما ذكر فهو ـ انتبه هنا أحد ثلاثة رجال يكون ـ يقول : الحافظرحمه الله فمن عابه بذكره لعيب المجاهر بالفسق أو المتصف بشيء مما ذكر فهو جاهل أوملبس أو مشارك له في صفته فيخشى أن يسري إليه الوصف .



انتهى ما أردنا نقلهفي هذا المقام ولعل به يكتفى عن الإطالة والتوسع في ذكر من يحق له الجرح والتعديلوما شابه ذلك من المباحث التي قد تطول في مثل هذه الخلاصة.



الشق الثاني منالسؤال : وهو هل يصنف بالظن ؟ .



فنقول : إن الظن الذي هو الشك في اللغة ليسكله مذموماً كما أنه ليس ممدوحاً كله، فمنه ما هو مذموم ومنه ما هو ممدوح، يقولالله سبحانه وتعالى: ( إن بعض الظن إثم ) وقد سمى الله سبحانه وتعالى الظن علماً فيمواضع من كتابه كما في قوله سبحانه وتعالى: ( فإن علمتموهن مؤمنات) ، وكما في قولهجل وعلا ( وما شهدنا إلا بما علمنا) ، أما قول الله جل وعلا: ( إن الظن لا يغني منالحق شيئاً) فإن المراد هنا الظن الذي يعارض العلم وهو ظن المشركين أن شركهم صحيح بدليل قوله ( لا يغني من الحق شيئاً ) وهذا يدل على أنه ظن غير الحق ، فخرج بذلكأنه حيث يذم الظن فيراد به الشك المساوي دون الغالب الراجح.



وليعلم أن أكثر أحكام الشريعة العملية مبنية على الظن الغالب الراجح ، يعرف ذلك أهل العلم وطلابه، بل أكثر قواعد الشرع مبينة على ذلك كما في قاعدة المصالح والمفاسد فإنها مبنية على الظنون ، وقد عرف أهل العلم أن الظن المعتبر ثلاث مراتب ظنٌ في أدنى المراتب وظنٌ فيأعلاها وظنٌ متوسط ، كما قرر ذلك العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، وفائدة هذا التقسيم هو الرجوع عند الاختلاف إلى أعلى الظنون دون متوسطاتها وأدناها وإذا تعارضالمتوسط مع الأدنى قدم المتوسط وهكذا .



إذا تبين هذا فإننا نقول ماذا يُرادبالتصنيف بالظن ؟؟



إن كان الشك المساوي فلا يصح ذلك وعليه ينزه قول النبي صلى اللهعليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".



وإن كان الظن المعتبر في الشرع وهوالغالب الراجح فهذا يصنف به ولا ريب عند أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولذلك لوتأملت طريقة السلف في باب الجرح والتعديل والكلام في أهل البدع تراهم يعتبرون الظن .



فمثلاً بعضهم يقول : من أخفى علينا أو عنا بدعته لم تخفى علينا ألفته ،يعني أننا نعرفه من خلال من يجالس وإن لم يظهر البدعة في أقواله وأفعاله .



وقد قال يحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى : لما قدم سفيان الثوري البصرةوكان الربيع بن صبيح له قدر عند الناس وله حظوة ومنزلة فجعل الثوري يسأل عن أمرهويستفسر عن حاله فقال: " ما مذهبه؟ " قالوا : " مذهبه السنة " قال : " من بطانته ؟ "قالوا : "أهل القدر" قال : " هو قدري " وقد علق ابن بطة رحمه الله تعالى على هذاالأثر بقوله : رحمة الله على سفيان الثوري : " لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلمفوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان ويعرفه أهل البصيرة والبيانقال الله جل وعلا: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكمخبالاً ودوا ما عنتم " .



وليعلم طالب العلم أن أكثر تصنيف أهل العلم في قديمالزمن وحديثه إنما هو بالظن المعتبر، أما التصنيف باليقين فهو نادر جداً في الأمة .



والتصنيف بالظن كالتصنيف بالشهادة فإذا شهد عدلان على رجل بأنه من أهل الأهواءوالبدع حكم عليه بذلك ، والتصنيف بالقرائن ونحو ذلك من الأمور التي هي مبناها علىالظن كما هو في أكثر أحكام الشريعة الإسلامية.



وفي ختام هذه الكلمة أقول إنهينبغي لطالب العلم أن يحترز من هذا الباب وأن يخشاه خشية عظيمة وأن يبتعد عنه أول طلبه للعلم لأن هذا الباب باب وعر المسلك صعب المرتقى، فعلامة توفيق طالب العلم فيأول أمره أن يشتغل بحفظ المتون العلمية وأن يقبل عليها حفظاً وفهماً ودراسةوتكريراً ونحو ذلك، وعلامة عدم توفيقه أن يشتغل بمثل هذه الأبواب في أول الطلبفليترك الطالب العناية بهذا الباب في أول طلبه وليقبل على أصول العلم حتى يكونتوفيقه إن شاء الله.



والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينامحمد.

المصدر :http://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=32599





~$رد العلمي على منكري التصنيف.doc