فائدة عزيزة للإمام الألباني-رحمه الله-
في الترجيح عند تعارض قاعدة الجرح المفسر مع قاعدة أهل بلد الرجل أعرف بالرجل من غيره
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
أما بعد :
فهذه قاعدة من قواعد علماء الجرح والتعديل وهي(أهل بلد الرجل أعرف بالرجل من غيره)، فهل ذلك على الإطلاق؟، وإذا تعارضت هذه القاعدة مع القاعدة المعروفة عند المحدثين (الجرح المبين مقدم على التعديل)، فهل يرد كلام العارف بأسباب الجرح والتعديل المفسر في جرح بعض المخالفين لأن (بلدي الرجل أعرف به)؟، وجواباً على ذلك أنقل كلاماً نفيساً للشيخ الألباني -رحمه الله- حول هذه المسألة:

قال العلامة الألباني -رحمه الله- في كتاب[تأسيس الأحكام على ما صح عن خير الأنام بشرح أحاديث عمدة الأحكام للعلامة أحمد بن يحيى النجمي (1/ 162-163) هامش رقم(1)] معلقاً على كلام العلامة النجمي-رحمه الله- عند حديث ((من أذّن فهو يقيم)):
((...قال أحمد شاكر : وهذا حديث حسن صحيح ورواته كلهم ثقات إلا عبدالرحمن بن زياد بن أنعم . قلت : وقد ضعفه أحمد بن حنبل وابن عدي ووثقه يحيى بن سعيد القطان ويعقوب بن شيبة وأحمد بن صالح وقال فيه البخاري مقارب الحديث وحكى الشوكاني عن أبي بكر بن أبي داود قال : إنما تكلم الناس في الإفريقي وضعفوه لأنه روى عن مسلم بن يسار فقالوا له : أين رأيته بها ؟ قال بأفريقية فقالوا ما دخل مسلم بن يسار افريقية قط يعنون البصري ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له الطنبزي روى له وحكى أحمد شاكر أيضاً أن أبا العرب التميمي أثنى عليه في كتابه طبقات علماء افريقية ورى عنه عيسى بن مسكين عن محمد بن سحنون قال قلت لسحنون أن أبا حفص الفلاس قال : ما سمعت يحيى ولا عبدالرحمن يحدثان عن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم فقال سحنون لم يصنعا شيئاً عبدالرحمن ثقة وأهل بلد الرجل أعرف به وأعلم والذي ظهر لي بالتتبع أن كثيراً من علماء الجرح والتعديل من أهل المشرق كانوا أحياناً يخطئون في أحوال الرواة والعلماء من أهل المغرب مصر وما يليها إلى الغرب . قلت : وناهيك بما قاله سحنون فإن أهل بلد الرجل أعرف به من غيرهم وقد بين أبو بكر بن أبي داود وجه خطأ القادحين فيه فمن هنا يترجح قول من وثقه على قول من ضعفه فصح الحديث ولزم القول به .والله أعلم)).
علق العلامة الألباني -رحمه الله- في الهامش على كلام العلامة النجمي -رحمه الله-:
((قلت في هذه النتيجة نظر عندي ذلك لأن الإفريقي هذا وإن كان قد وثقه من ذكر - فقد ضعفه جماعة كبيرة من أئمة الحديث وأعلامهم مثل أحمد وابن معين ويحيى القطان والترمذي وصالح بن محمد والجوزجاني وابن خزيمة وابن خراش والساجي وابن عدي وتأتي تسمية بعضهم فيبعد جداً أن يجمع هؤلاء الأجلة على تضعيف الرجل بدون معرفة أو حجة ومن القواعد المقررة : أن الجرح مقدم على التعديل بشرط أن يكون مفسراً وهو كذلك هنا فقد ذكر بعض العلماء ما يدل على السبب الجارح وهو سوء الحفظ وكثرة الغلط مع السلامة من سوء القصد وإليك كلماتهم الدالة على ذلك فقال ابن معين : ليس به بأس وهو ضعيف وقال الجوزجاني : كان صادقاً خشناً غير محمود في الحديث وقال يعقوب بن شيبة : ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق رجل صالح . وقال يعقوب بن سفيان : لا بأس به وفي حديثه ضعف . وقال صالح بن محمد منكر الحديث ولكن كان رجلاً صالحاً وقال أبو الحسن بن القطان : كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس ومن الناس من يوثقه ويربأ به عن حضيض رد الرواية . والحق فيه أنه ضعيف لكثرة روايته المنكرات وهو أمر يعتري الصالحين . فأنت ترى كلمات هؤلاء الأئمة متفقة على أن الرجل صدوق في نفسه غير كذوب فهم يلتقون مع الذين وثقوه ولكنهم يزيدون عليهم بأنهم عرفوا فيه ما فات أولئك وهو ضعف حديثه وكثرة المنكرات التي وقعت فيه وقد ذكر ابو العرب نفسه - بعد أن أثنى عليه - أنهم أنكروا عليه أحاديث منها هذا الحديث فكيف يكون حديثه صحيحاً من هذا حاله في الرواية ؟ ومن ذلك يتبين أن قول ابن أبي داود إنما تكلم الناس في الإفريقي ليس بصواب وأن كلا من التوثيق فيه ليس بصحيح على ما يقتضيه البحث العلمي المستند على القواعد الأصولية)). أهـ.
وقال -رحمه الله - في [السلسلة الضعيفة (1 /109رقم (35)] في الكلام على نفس الحديث ((من أذّن فهو يقيم)):
((وقد ذهب إلى توثيق الإفريقي المذكور بعض الفضلاء المعاصرين وبناء عليه ذهب إلى أن حديثه هذا صحيح ؟ وذلك ذهول منه عن قاعدة الجرح مقدم على التعديل إذا تبين سبب الجرح ، وهو بيِّنٌ هنا وهو سوء الحفظ، وقد أنكر عليه هذا الحديث وغيره سفيان الثوري)). أهـ.
ملاحظة: قال الشيخ الشارح العلامة أحمد بن يحيى النجمي - رحمه الله تعالى- في مقدمة الكتاب(1/ 6-7):
((وسميته "تأسيس الأحكام على ما صح عن خير الأنام بشرح أحاديث عمدة الأحكام " وكنت قد عرضت جزءاً -وهو الأول- مما كتبت على فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله لطول باعه في الحديث وذلك في عام 1383هـ حينما كان فضيلته مدرساً بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية وقد تفضل الشيخ مشكوراً بتسجيل ملاحظاته المفيدة وقد أثبتها في الهامش في مواضعها من الكتاب وأشرت إليها باسمه)). أهـ.

منقول
************************************************** **
[ 2 ]
من مسائل " الجرح والتعديل "توضيح قاعدة : ( بلدي الراوي أعلم به من غيره )
ومما يساء استخدامه من قواعد "الجرح والتعديل" قاعدة: "بلدي الراوي أعلم به من غيره"، فإذا طولب بعض الفضلاء ببرهان على صحة قدحه في بعض الفضلاء من أبناء بلده وممن هم على طريقته في السلفية، ذهب يستدل بقاعدة: (بلدي الراوي أعلم به من غيره) أو (أهل البلد أدرى بما فيه) أو بالمثل القائل: (أهل مكة أدرى بشعابها):
وهذه القاعدة قاعدة صحيحة لا غبار عليها، لكن ينبغي أن تفهم الفهم الصحيح، فالقاعدة سليمة لكن لا وجه للاستدلال بها هنا، وذلك لأمور، منها: أن القاعدة ليس موضعها في حال اختلاف شخصين معروفين من أهل السنة والعلم، وإنما تنزل هذه القاعدة في حال اختلاف عالمين في شخص غير معروف، فمن نقدم ؟! نقدم بلدي المجروح فهو أعلم به من غيره.
أما العالمان المعروفان فإنهما إذا اختلفا وتكلم أحدهما في الآخر، كان على المتكلم أن يقدم البرهان على ما ادعى، فهنا يلزم بالبينة لأن البينة كما في الحديث: ( البينة على المدعي )، ولا ينبغي أن يقول: ( أنا أعلم به من غيري )، فإن هذا لا يكون إلا مع جهالة المتكلم فيه، وخفاء أمره على الآخرين، وأما مع معرفة الناس به ووضوح أمره فلابد من أن يكون عنده براهين على كلامه.
قال أبو عمر ابن عبد البر في "جامع بيان فضل العلم وأهله ":
(هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة) أ.هـ
وبعد أن ساق ابن عبد البر قول جملة من العلماء تكلم بعضهم في بعض ختم ذلك الفصل بقوله:
(فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض، فليقبل قول من ذكرنا قول من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا.
وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة، وفي الشعبي والنخعي، وأهل الحجاز، وأهل مكة، وأهل الكوفة، وأهل الشام، على الجملة، وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ما ذكرنا عن بعضهم في بعض، فإن لم يفعل ولن يفعل - إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف عند ما شرطنا في أن لا يقبل فيمن صحت عدالته، وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة والتعاون، وكان خيره غالبا وشره أقل عمله فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به، فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله) أ.هـ
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.
كتبه : أبو عمار علي بن حسين الشرفي المعروف بالحذيفي
عدن - اليمن .
************************************************** **
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثير
أما بعد :
فهذه قاعدة من قواعد أهل الحديث علماء الجرح والتعديل (( بلدي الرجل أعرف به )) أساء فهمها كثير من الناس ممن ينتسب إلى منهج السلف الصالح -زعموا – واستغلوها استغلالا سيئا في الطعن على أهل العلم الكبار وردوا بها كلامهم في جرح بعض المخالفين لمنهج السلف مع تلبسهم بلباسه ظلما وزورا ، وقد سألت طائفة من أهل العلم في هذه المسألة منهم شيخنا الوالد العلامة ربيع- حفظه الله – وشيخي وصي الله بن محمد عباس ، والشيخ علي رضا ، والشيخ محمد بن هادي المدخلي ، والشيخ أسامة العتيبي ، هذا السؤال :
ما هو الضابط في بلدي الرجل ، وهل ذلك على الإطلاق فيدخل فيه العرف ويشمل العوام أم هو مقيد بأهل العلم وطلابه ؟
وقد استخلصت من أجوبتهم أن هذه القاعدة (( بلدي الرجل أعرف به )) أو (( سألوا أهل بلده )) ليست على إطلاقها ، بل لا بد من التفصيل فيها ، وأن تستعمل بضوابطها في الأمور العامة ، وبقيودها في الأمور الخاصة بالعلم والرواية وقد أجاب العلماء حفظهم الله على سؤالي بأجوبة بعضها متقارب والآخر معه زيادة تفصيل ، وقد سجلت أجوبتهم إلا
جواب الشيخ محمد بن هادي المدخلي فقد امتنع من التسجيل لما ذكرته عنه في جوابه عن سؤالي في حكم العمل الدعوى تحت غطاء جمعية حزبية أو خيرية ..الذي أنزلته في بعض المواقع وكان جوابه - حفظه الله – اختصاره أحسن الأجوبة فيما ظهر لي وسأذكره بعد أن أنقل بعض المنقولات عن علماء الحديث لهذا المصطلح وفي أي باب كانوا يستعملونه :
ولقد تتبعت فيما بين يدي من كتب المصطلح وعلم الجرح والتعديل تطبيق العلماء لهذه القاعدة فوجدتهم يستعملونها في بابين اثنين لا ثالث لهما وهما :
الباب الأول : عندما يكون الرجل مجهولا عندهم ولا يعرفونه عندما يُسألون عنه ، ولا يجدون شيئا من آثاره ، من مروياته أو مؤلفاته ، يختبرونه بها فيقولون : اسألوا أهل بلده ، أو أنتم (( أهل بلده )) أعلم به وبمروياته ..
الباب الثاني : عند الترجيح إذا اختلفوا في الرجل بين معدل من أهل بلده ، ومجرح من خارجها ، أو العكس .. حيث يجدون بعض آثاره من مروياته من كلامه أو مؤلفاته ، غير مميزة ، ولا مسندة ، أو مسندة لكن بأسانيد غير واضحة ، ولا يبلغهم فيه جرح من معتبر بأسبابه.. أو تعديل ؛ أو يبلغهم ذلك ولكن يردونه لما يعلمون من حاله سلبا وإيجابا ويقولون أهل بلده أعرف به .. أي بحاله ومروياته ، ومؤلفاته ..وألفته ، ومدخله ومخرجه ..إلخ .
وقد نص الأئمة على هذه القاعدة، بلدي الرجل أعلم بأهل بلده وجعلوها من القرائن التي ينبغي اعتمادها في ترجيح حال الراوي المختلف فيه،أذكر منهم على وجه التمثيل منهم:
قال حماد بن زيد -رحمه الله - : كان الرجل يقدم علينا من البلاد ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه ، فإذا سألنا أهل بلده وجدناه غير ما يقول . وكان يقول : بلدي الرجل أعرف بالرجل. الكفاية للخطيب(ص 175)بإسناد جيد .
قال العقيلي في (الضعفاء) (3/37) (993) : حدثنا عبد الملك بن خلج الصنعاني ، حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا صالح بن أحمد قال حدثنا علي قال : سألت هشام بن يوسف عن عبد الملك بن خلج شيخ من أهل صنعاء روى عن وهب بن منبه ، فضعفه ، ومن حديثه ما حدثناه إبراهيم بن محمد بن بره قال حدثنا محمد بن الحسن بن سدوس الصنعاني قال حدثنا رباح بن زيد عن عبد الملك بن خلج عن وهب بن منبه في قول الله تبارك وتعالى :{{ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}} قال العمل الصالح يبلغ الدعاء لم يقع إلينا لهذا الشيخ رواية نختبر بها حاله ، وأهل بلده أعلم به.
أبو حاتم الرازي حيث قال في العلل(1: 173) لابنه في بعض الرواة : وأهل بلد الرجل أعرف به.
ابن ماكولا الأمير حيث قال في الإكمال (2: 396): ذكره ابن يونس كذلك وعبد الغني بن سعيد وهما أعرف بأهل بلدهما.
وقال الخطيب في الكفاية (133) مما لاشك فيه أن أهل البلد أعرف بحديث شيوخهم من غيرهم ، فأهل المدينة أعرف بحديث نافع ومالك من غيرهم ، وأهل مكة أعرف بحديث عمرو بن دينار ، وأهل البصرة أعرف بحديث قتادة ، وأهل الكوفة أعرف بحديث أبي إسحاق السبيعي ، وأهل مصر أعرف بحديث الليث بن سعد ، وهكذا ...
وقال أبو زرعة الدمشقي : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : يا أبا عبد الله ، ما تقول في سعيد بن بشير ؟ قال : " أنتم أعلم به " تاريخ أبي زُرعة (1/540 ).
وقال ابن عدي في ( شقيق الضبي ) : " كان من قصاص أهل الكوفة ، والغالب عليه القصص ، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره ، وهو مذموم عند أهل بلده ، وهم أعرف به ". ( الكامل (5 /71).
وكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين ، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين : " ما يقول ابن نمير فيهم ؟ "( أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في " التقدمة " ( ص : 320 ).
وقال ابن عدي في ( محمد بن عوف الحمصي ) : " هو عالم بأحاديث الشام ، صحيحها وضعيفها " الكامل ( 1 / 231 ).
وقال الشيخ الألباني – رحمه الله - في الضعيفة (758) :
أبو عمرو- إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ضعيف جدا ، قال النسائي : ليس بثقة. وقال أبو داود : ليس بشيء . وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي وهو أعرف بأهل بلده.
روى عن محمد بن إدريس الأنطاكي قال حدثني بعض أصحابنا قال ذكر عند يحيى بن معين حديث من حديث الشام فرده وقال ليس هو هكذا قال : فقال له رجل من الحلقة يا أبا زكريا، ابن عوف يذكره كما ذكرناه فقال إن كان بن عوف ذكره فإن ابن عوف أعرف بحديث بلده .
قلت : ومن أمثلته في النقاد : أبو مسهر في الشاميين ، ومحمد بن عوف في الحمصيين ، وأحمد بن صالح ، وابن يونس في المصرين .
من عاد المحدثين أن يقولوا : (بلدي الرجل أعلم به) أو (أهل بلده أعلم به) ، ولا شك أن هذا حق ، وأنه مستند من مستندات الترجيح عند اختلاف النقاد في راو من الرواة .
وأما الغرباء من النقاد فقد يخطئون في الكلام على من لا يعرفونه ؛ كما قد يخطئ عليه من يعرفه ، فلا بد من التثبت في قبول كلامهم في غير أهل بلدهم إذا خالف أهل ذلك البلد ؛ وآفة الأخبار رواتها ، والكلام على مسألة كلام الغرباء من النقاد من وجوه :
الوجه الأول : أهل بلد الراوي أعرف به كما تقدم ، ولكن بشرط أن يكونوا من علماء النقد ، وليسوا من الرواة الذين لا علم لهم بالنقد أو لم يبلغوا مرتبة الإمامة في هذا الفن ؛ وإلا قُدم كلام الإمام العالم العارف بأسباب الجرح وضوابط التعديل ولو كان غريباً وسيأتي – إن شاء الله - مزيد بيان .
وهذا حق لا مرية فيه ، ولكن المؤلم والمحزن في الأمر أنه ظهرت طائفة من الشباب الذي ينتسب إلى سبيل السلف الصالح ، حريصة على العمل بالقاعدة الذهبية عند علماء الحديث " إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " فتراهم لا يقبلون إلا من زكاه العلماء ، وأثنوا عليه ، وهذا شيء يفرح ، ويبشر بالخير ، ولكنهم يختلفون في حجم الثناء وعدد المزكين ، فمنهم من يقبل مزكي واحد وثناءه ، ومنهم من يقبل ثناء وتزكية اثنين ، ومنهم من لا يقبل إلا ثناء وتزكية مجموعة من العلماء الأكابر .. ومنهم من لا يقبل إلا تزكية شيخه أو شيوخه وجرحهم ، فلا يقبل غيرهم ولو كانت من كبار العلماء، وبالغ بعضهم حتى قال لابد أن يشهد له سبعون من شيوخه ... مع أن القاعدة عند أكثر أهل الحديث في مجهول العين أن لا يؤخذ عنه إطلاقا ،إلا إذا ارتفعت جهالة عينه ،ووثق من معتبر ، وقبل أن أكمل المسألة أقف هنا وقفة قصيرة مع الجهالة بأنواعها ومتى ترتفع ، وبأي شيء ترتفع ، حتى تثبت عدالة الشخص وثقته وبأي طرق تثبت العدالة وخلاصة حكم رواية المجهول .
قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته: ومن روى عنه عدلان و عيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة.
قلت : هذا يفيد أن جهالة العين ترتفع عند ابن صلاح برواية عدلين قد سمياه . إلا أن الإمام محمد بن يحيى الذهلي - وتبعه المتأخرون – ذهب إلى أنه لا يشترط العدالة فيهما
فقال: رجلين فصاعدا تخرج الراوي عن حد الجهالة .شرح ألفية العراقي (1/325) وبهذا قال الدارقطني في السنن (3/174).
وقال الخطيب في الكفاية ( ص 149 ) : المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
وقال الخطيب (ص150): و أقل ما يرتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان من المشهورين بالعلم كذلك ،وبسنده إلى أبي زكريا يحي بن محمد بن يحي قال سمعت أبي يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة .وعقب عليه بقوله :قلت :
إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه ، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك ونحن نذكر فساد قولهم بإذن الله .
قلت : وهذا تعريف لمجهول العين ، فقيد-رحمه الله – رفع الجهالة بأن يكون الراوي مشتهرا بطلب العلم في نفسه وعرفه العلماء بذلك وأن يروي عنه اثنان مشهوران بالعلم ، أو يوثقه ويزكيه واحد معتبر ..
وعرفه العراقي –رحمه الله – بأنه من لم يرو عنه إلا راو واحد .شرح ألفية العراقي (/324) واستشكله أهل العلم ، وعرفه ابن القطان – رحمه – بأنه من لم يرو عن أحدهم إلا واحد ، ولم تعرف مع ذلك حاله ..كتاب الوهم والإيهام وأحسن تعريف هو ما ذكره الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب (ص10) فقال : هو من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق .
قلت : هذا يعني أن مجرد الرواية من دون تزكية لا تثبت له العدالة ، وإنما ترتفع بها عنه الجهالة ، أما إذا رويا عنه وعدلاه فهنا تثبت له العدالة لأن العدالة تثبت بهذا الطريق اتفاقا بين العلماء وذلك قياسا للرواية على الشهادة ، وتثبت أيضا بشهرة الراوي والاستفاضة بين أهل العلم بالعدالة والاستقامة والثناء الجميل عليه وذهب الخطيب إلى إثبات عدالته بتعديل عالم واحد والعمل بروايته فقال :(ص 154) : إذا قال العالم كل من أروي لكم عنه واسميه فهو عدل رضا مقبول الحديث ، كان هذا تعديلا منه لكل من روى عنه وسماه ، ونسب هذا لعبد الرحمن ابن مهدي ثم قال :وهكذا إذا قال العالم : كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه فإذا روى عنه كان تزكية له ، وكذلك إذا عمل العالم بخير من روى عنه لأجله فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضا عنده عدل فقام عمله بخيره مقام قوله هو عدل مقبول الخبر .وهذا الذي أختاره ابن الصلاح وقال إن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله ، علوم الحديث (98-99) وقال ابن القطان -رحمه الله -: إن الراوي إذا وثق زالت جهالته وإن لم يرو عنه إلا راوي واحد. ورجحه الخطيب مستحبا له (ص160 ) وابن كثير. وحكى نحوه الزيلعي – رحمه الله – عن ابن الجوزي –رحمه الله - حيث قال : قال ابن الجوزي : متى كان الإنسان ثقة فينبغي أن يقبل قوله ، وكيف يقال عن الثقة مجهول ؟ واشتراط المحدثين أن يروي عنه اثنان لا وجه له . مصب الراية (4/360).
وزاد ابن عبد البر في إثبات العدالة قوله : أن كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبد على العدالة حتى يتبين جرحه في حاله أو كثرة غلطه .مقدمة التمهيد ونقله السخاوي في فتح المغيث (1/257)وبه قال ابن المواق من المالكية وابن الجزري ، ونصره الصنعاني واحتج له بحجج من القرآن والسنة . انظر الروض الباسم (20-21).
والخلاصة في حكم حديث مجهول العين : عند أهل العلم على أربعة مراتب ، الأول : لا تقبل روايته ، والثاني تقبل ، والثالث :تقبل في حالة أن يفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل ثقة وإلا لا تقبل ، والرابع : إن زكاه ووثقه أحد أئمة الجرح والتعديل العارف بأسباب الجرح والتعديل قبل وإلا فلا ..
والراجح هو القول الأول ، وهو قول أكثر علماء الحديث ، والثالث والرابع بالقيود المذكورة ..وإلا فلا .
قال العراقي في ألفيته : مجهول عين من له راو فقط ...ورده الأكثر ، والقسم الوسط.
وأما مجهول الحال ، فأهل العلم بالحديث يطلقونه على صنفين من الناس ، الصنف الأول وهو أشهرهما : من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق ، قال الحافظ بن حجر في تقريب التهذيب في مراتب الرواة (1/ص9)ونقله الصنعاني في توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (1/150).
قال : المرتبة السابعة : من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق ، وإليه الإشارة بلفظ مستور أو مجهول الحال . وقال في نزهة النظر : ( ص50)وإن روى عنه اثنان فصاعدا ولم يوثق فمجهول الحال ، وهو المستور .وهذا ما أشار إليه ابن القطان كما في كتاب الوهم والإيهام (1/157/أ) والزركشي كما في اللآليء المنثورة في الأحاديث المشتهرة (ص206).
وأضاف ابن رجب في شرح العلل- .أو روى عنه إمام حافظ ،فالمجهول على هذا هو المستور الذي عُلمت عدالته الظاهرة ، وجُهلت عدالته الباطنة .
والصنف الثاني هو : مَنْ جُهلت عدالته الظاهرة والباطنة ، لكن عُرفت عينه . وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ليس من النقاد .
وقال الصنعاني في كتابه توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (1/150)هو: من تناوله العلماء بجرح وتعديل ولم يترجح أحدهما على الآخر .وعزاه للسخاوي .
وخلاصة القول : في مجهول الحال : أنه على ثلاث مراتب 1- يرد ولا يقبل ، 2- ومنهم من قبله ، 3- ومنهم من فصل ، فقال : يقبل من علمت عدالته الظاهرة وروى عنه اثنان فصاعدا فهذا هو المستور وهو معتبر ..
أما النوع الثاني فلا يقبل إلا إذا زكاه إمام معتبر . هذا ما حرره الحافظ في شرح النخبة والخطيب قبله في الكفاية .
هذه هي قواعد أهل العلم في التعامل مع المجهول بأنواعه يختبرون ما عنده من بضاعة وآثار علمية ومنهجية ويعرفون أحواله برواية العلماء عنه وتعدليهم أو تجريحهم له ،من أهل بلده ومن غيرهم ممن أخذ عنهم أو أخذوا عنه أو خالطهم والتقى بهم .
وعودا على بدأ - إلى مسألتنا - فأقول أن الواقع إلى هذا الحد معقول ، ومقبول ، ولكن الغريب في الأمر المستنكر هو ما طالعنا به كثير منهم بقاعدة جديدة وهي أنهم لا يقبلون من الثناء والتزكية فيمن لا يعرفونه إلا من أهل بلد الرجل ، بل بالغ بعض المتعصبة أو قل الحدادية فلم يقبل إلا تزكية شيوخه وإلا فكل من لم يزكهم شيخه أو لم يعرفهم فهم مجهولون عنده ، لا يلتفت إليهم ولا كرامة ؛ هذا مع ظهور آثارهم السلفية ومروياتهم العلمية، وثناء بعض العلماء عليهم ، بحجة أنهم ليسوا من بلده ، أو بحجة :" بلدي الرجل أعرف به " فأساءوا العمل بهذه القاعدة الطيبة ، وراحوا يردون بها كلام العلماء حتى الكبار منهم وللأسف الشديد ، وخاصة إذا أرادوا أن يسقطوا الرجل فلا يقبلون أي تزكية أو ثناء حتى لو كانت معه تزكية أعلم أهل زمانه بهذا العلم الشريف، مع أن علماء الجرح والتعديل لم يعينوا المزكي من أي بلد ، مادام زكاه على معرفة وعلم به ، كما لم يعينوا المجرح من أي بلد إذا جرح بعلم وعدل وورع..
والمشكلة قائمة فيمن اختلف يه ، فالحالة الأولى هي أن يجرحه رجل من أهل بلده جرحا مفسرا، ويعدله آخر أو آخرون من خارجها يرجح التجريح تطبيقا للقاعدة الأخرى : الجرح مقدم على التعديل فكيف إذا كان الجرح مفسرا بأدلته ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو بضوابط ستأتي- إن شاء الله –
أما في الحالة الثانية وهي: أن يعدله رجل أو رجال من أهل بلده ، ويجرحه رجل من خارجها ، وهي عكس الأولى ، فهل يقدم تعديل أهل بلده تطبيقا للقاعدة " أهل بلد الرجل أعرف به " أم تطبق عليه قاعدة الجرح المفسر مقدم على التعديل مع مراعاة الضوابط التي ذكرناها آنفا ، أم في هذه الحالة ينظر في الأدلة ، فإن رد أهل بلد الرجل الجرح وقالوا إنما جرحه من جرحه بما لا يعتبر جرحا ، كأن يجرح بالإرسال أو التدليس، بما لا يسقط العدالة فيأتي أهل بلده ويردون ذلك وينفونه عنه بأدلته فهل يرد الجرح حينئذ؟
نعم في هذه الحالة يقبل قولهم ويرد الجرح وخاصة إذا كان مبهما ويكون حديثه صالحا مقبولا من قبل أهل بلده ، أما إذا لم يقيموا أدلة وإنما جاءوا عشاء يبكون فأقاموا عويلا وتهويلا وجاء الناقد المجرح بعلم غاب عنهم وأدلة تدينه فلا عبرة لمن عدله من أهل بلده ..
وهذا جواب الشيخ الفاضل محمد بن هادي المدخلي على سؤالي فقال حفظه الله :
بلدي الرجل أعرف به على نوعين :أما في المسائل العامة المشتهرة كشرب الدخان مثلا وشرب الخمر وترك الصلوات وغيرها من الأمور الواضحة فهذا عام يشترك فيها كل من يعرفونه من بلدته ، من العوام وغيرهم ..
فإذا كان الرجل يأتي المنكرات ويجهر بها وشهد عليه أهل بلده بذلك ديانة ونصحا لله تعالى حتى يحذر الناس من شره ، فهذه الشهادة صحيحة معتبرة كما لو شهدوا له بالصلاح والاستقامة ..
قلت : ويمكن أن يستدل له بما بوب به البخاري (1367) باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ. وبسنده إلى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:<< وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مَا وَجَبَتْ قَالَ هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ>>.
وفيه أيضا برقم (1368 ) إلى أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ .
فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :<< أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَقُلْنَا وَثَلاَثَةٌ قَالَ وَثَلاَثَةٌ فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ >> ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ ، عَنِ الْوَاحِدِ.
ولفظ مسلم (2243) - << مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ >>.
وأخرج الحاكم في مستدركه( ج 4/ص 483/8345) حديث رقم: بسنده إلى أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في خطبته :<< يا أيها الناس توشكون أن تعرفون أهل الجنة من أهل النار أو قال خياركم من شراركم فقال رجل من الناس : بم يا رسول الله ؟ قال : بالثناء الحسن و الثناء السيئ أنتم شهود بعضكم على بعض >>. وقال : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ووافقه الذهبي .وأخرجه ابن ماجه في سننه (ح 4221)والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج 3/ ص 416/15477) وابن حبان في صحيحه (ج 16/ ص 393)حديث رقم:( 7384) وبوب عليه : ذكر إيجاب الجنة لمن أثنى عليه الناس بالخير إذ هم شهود الله في الأرض . وقال الشيخ الألباني في تحقيق الطحاوية ( 489) وفي صحيح ابن ماجة (3400).
لأنهم شهود الله في أرضه ،كما جاء في الحديث ، لكن المسألة إذا اختلفوا فيه ، فالمسألة حينئذ ترجع إلى أهل العدل والورع منهم، والاستقامة وليست لمن هب ودب .
قال : والثاني : في المسائل العلمية ، العقدية والمنهجية الدقيقة التي لا يدركها إلا العلماء وطلاب العلم فهذه لا تكون إلا لأهل العلم وطلابه من بلدي الرجل فالعوام يمكن أن يلبس عليهم الأمر ، أما العلماء فيعرفون ما عند الرجل ويدركون ما في الزوايا من خبايا .
قلت : وهذا الأخير الذي يكون للعلماء وطلاب العلم المتمكنين لا يكون إلا بضوابط وشروط وستأتي - إن شاء الله -.
وسألت شيخنا العلامة ربيع نفس السؤال : ما هو الضابط شيخنا في بَلَدِيّْ الرجل وهل هو على الإطلاق فيدخل فيه العرف ويشمل العوام، أو هو للعلماء وطلاب العلم فقط، أفيدونا بارك الله فيك وجزاكم خيرا في بَلَدِيّْ الرجل؟.
فأجاب -حفظه الله ورعاه-: هذه يقولها علماء الحديث، يعني: الرجل أعرف بأهل بلده.
لماذا؟، لأن أهل الحديث لهم عناية بكتاب الله وبسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ودراسة أحوال الرواة وأحوال أهل البدع، لهم عناية شديدة، وكل واحد لا شك أنه أعرف بأهل بلده من البلدان الأخرى، ويستند بعضهم على بعض في معرفة الرجال، هذا يعرف أهل بلده أكثر، وذاك يعرف أهل بلده أكثر-بارك الله فيك-هذا شيء معروف
لا يريدون أن كل الناس هكذا. يعني: الإنسان، الآن أنا كثير من جيراني ما أعرفهم!، بينما أهل الحديث يعرفون لأنهم لهم صلات بهؤلاء تربطهم بهم الرواية-بارك الله فيك-، يبحثون عن عقائدهم، لهم تخصصات في هذه الأمور-بارك الله فيك-، فأعني: فيما أعتقد أن هذا يراد به من يعتني بكتاب الله وسنة الرسول ويذب عنه ويحمي حياضه لا كل من هب ودب.
الشروط والضوابط التي تكون في الناقد من بلدي الرجل .
1- أن يكون بلدي الرجل من أهل العلم وطلابه المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج .. وقد يكون هذا واضحا ولا إشكال فيه ، فمن كان من أهل الهواء ، او ليس من العلماء فإنه لا يقبل قوله ، ولكن المشكل كل المشكل اليوم فيمن تلبس بلباس السلفية وانتسب للعلم وخرج يطعن في إخوانه السلفيين بغير موجب لذلك إلا حظوظ النفس، والانتصار لها لما هو عليه من قواعد وتأصيلات خالف فيها منهج الحق ، أو من الذين يريدون أن يمتطوا جواد الريادة الوهمية والصدارة على أعراض إخوانهم ولو كانوا من شيوخهم .
2- وأن يكون بلدي الرجل من العارفين بأسباب الجرح والتعديل وقواعده ، وضوابطه ، وليس لكل من هب ودب كما قال شيخنا العلامة ربيع ؛ حتى لا يلقي الكلام على عواهنه بل يتكلم بعلم وعدل وورع .
وقد سئل الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله هذا السؤال: الجرح والتعديل للعلماء فهل للطلاب النقل؟ وإن كان نعم فكيف النقل؟
فأجاب - حفظه الله ورعاه - نقول: نعم، لا يجوز أن يكون الجرح إلا مِن متأهل؛ مِن عارف بأسباب الجرح وطرائق الجرح التي تدعوا إلى هذا الجرح؛ فإذا لم يكن عالما فلا يُقبل، إذا لم يكن عالماً بأسباب الجرح ودواعيه وطرائقه، هذا لا يُقبل قوله، فالجاهل بهذه الطرائق لا يعول عليه، وإنما المعول على أهل العلم في ذلك والمعرفة في هذا الباب.
قلت : فإن من لم يكن كذلك أهلا ليتكلم في الرجال فإنه لا يقبل قوله في الأمور التي لا يحسنها وإنما يقبل قوله في الأمور العامة بعد أن يستفسر منه ، وقد أشار إلى هذا الخطيب في الكفاية (ص 178).
3- أن لا يكون متعنتا متشددا في الجرح ؛ فإن علماء الحديث قسموا علماء الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام متعنتين ومعتدلين ومتساهلين ...
متعنتين كالخوارج من قطبيين ، وتحريريين وحدادية .. ولا متساهلين كالإخوان المفلسين ، ومن نحى نحوهم من الحزبيين والمأربيين والحلبيين المميعين .. الذين أصبحوا يجرحون بأشد مما يستنكرونه على أهل العدل والانصاف من العلماء كردة فعل لما تكلم فيهم العلماء فيصفونهم بالغلاة ..
قال الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله وعاه - إتماما لجوابه السابق : أنت الآن تنظر في نقاد الحديث المتساهل-وهو من نقاد الحديث- المتساهل هل يقبل قوله؟ يقبل؟ ما يقبل قوله، تتركه عنده، المتشدد هل يقبل قوله مطلقاً؟ ما يقبل قوله، القول للمعتدل، فإذا وافق المعتدل المتشدد كان الميزان، وإذا وافق المعتدل المتساهل كان الميزان، لم؟ لأن المتشدد قد يجرح بما ليس بجارح، والمتساهل قد لا يجرح حتى بالجوارح، الأسباب الجارحة لا يجرح بها ويفوتها ويتساهل في ذلك، فالعلم وسط، العدل هو الحق في هذا، فمن لم يكن عالماً فكيف يقبل بعد ذلك منه.

4- أن يكون قصده تحري الحق ونصرة الحق والنصح لله تعالى ليس إلا، فالنصيحة واجبة بضوابطها، ولا يكون قصده تتبع العثرات ، والسقطات على حين غفلة ممن يريد الكلام فيه وإسقاطه ..
ومن تمام جواب الشيخ محمد بن هادي المدخلي السابق قال : الباب الآخر الذي أحب أنا أيضًا أن أنبه عليه هو: هذا الجانب بالذات أن يكون يا أبنائي هدفنا وقصدنا خالصاً لوجه الله - تبارك وتعالىٰ- ما هو فلان ولا فلان، أن يكون القصد بنصرة الدين والسنة وإعزاز الدين والسنة، لا الانتصار لفلان على فلان أو لفلان على فلان، فلك أن تسأل بحاجتك وقدر حاجتك لاستقامة دينك، واستقامة دين إخوانك تحذرهم مما فيه شرهم أو الشر عليهم، وتحثهم على ما في خيرهم والخير لهم؛ فهذا المقصد في الجرح والتعديل: حماية الدين وصيانة الملة واستقامة الأمة، فقام عند ذلك الأئمة بخدمة الدين-وقديماً حفظت بنصرة الدين- ونصح الأمة..
تنبيه: هذا السؤال المقدم للشيخ محمد والجواب عليه مأخوذ من شريط بعنوان "وصية مهمة لطالب العلوم الشرعية ".
5- أن لا تكون بينهما خصومة دينية بسبب تحزب أو طائفية أو بدعة أو تأويل فاسد كأن يكون بلدي الرجل من أهل الأهواء... أو تكون بينهما خصومة دنيوية ، بسبب مصاهرة ،أو مال أو جاه أو.. مما يولد الغيرة والحسد والشقاق ، والافتراق ..
6- أن يكون بلدي الرجل ممن يعرف مدخله ومخرجه ، ومروياته وآثاره العلمية ، وألفته تحقيقا للقاعدة السلفية من أخفى علينا بدعته لا تخفى علينا ألفته .. فإن لم يكن كذلك وكان بينهما مفاوز ولا يعرف شيئا من ذلك عنه فينبغي له أن يتحقق مما ينقل أو يشاع ويذاع فآفة الأخبار رواتها ..
7- أن لا يكونا من الأقران بالمفهوم العلمي الصحيح عند علماء الحديث ، فالقرين ربما أخذته الغيرة والحسد ، فدفعته للطعن فيه بلا موجب لذلك ، فكلام الأقران ينظر فيه ،فإذا وافق بلديَ الرجل القرين لبلديه أحدٌ من أهل العلم المعتبرين أو القوم في المسائل الواضحة فيؤخذ به ، وإلا يطوى ولا يروى كما قال الإمام الذهبي رحمه الله .
ومن عجيب ما سمعت مؤخرا في هذا أن هناك من يقول أن علي الحلبي من أقران الشيخ ربيع ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، وشتان بين من شابت لحيته في العلم وبلغ من العمر فوق الثمانين ، وشهد له أكابر العلماء بالفضل والسبق والعدالة والضلوع في العلم والدفاع عن حياض السنة ، والمنهج السلفي وبين من يعتبر ابنه في العمر وتلميذه في العلم ، بل لا يعرف له طلب للعلم على العلماء كالشيخ ربيع حفظه الله ، فأين وجه المقارنة أيها المنصفون ؟
وقد عرضت بعض هذه الضوابط على بعض أهل العلم - حفظهم الله - فأقرها ، والحمد لله رب العالمين . وزدت الآن عليها ..
8- ينبغي ملاحظة مذهب بلدي الرجل الناقد فيما يراه جرحاً ، ومذهبه فيه مرجوح
وهذا لا يضبطه إلا بما ذكره العلماء من اشتراط تفسير سبب الجرح ، وإنما المراد هنا أن يتفطن إلى أن الناقد المعتد به في الجملة قد يقدح بما ليس بقادح في التحقيق ولذلك رد كثير من أهل العلم جرح من جرح بأمور غير معتبرة عندهم والأمثلة كثيرة أذكر منها على سبيل المثال :
من ذلك : قال ابن الجنيد : سألت يحيى بن معين عن هلال بن خباب ، وقلت : إن يحيى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت واختلط ؟ فقال يحيى : لا ، ما اختلط ، ولا تغير . قلت ليحيى : فثقة هو ؟ قال : ثقة مأمون. سؤالات ابن الجنيد (288 ).
فهدا يحي بن معين يرد جرح يحي بن سعيد القطان ، ويوثق هلال بن خباب والتعويل عليه .
وقال الآجري : قلت لأبي داود : العوام بن حمزة ، حدث عنه يحيى القطان ، قال عباس ( يعني الدوري ) عن يحيى بن معين : إنه ليس بشيء ؟فرده وقال : ما نعرف له حديثاً منكراً . سؤالات الآجري (355 ).
قلت : فأبو داود يقول : لا وجه لجرحه بما قاله ابن معين ؛ لسلامة حديثه .
وهناك طائفة من الرواة كان البخاري عدهم في جملة الضعفاء في فيما ألفه في ذلك ، فخالفه فيهم أبو حاتم الرازي ، على ما يذكر من تشدده :
ومنهم : عبيد بن سلمان الأعرج ، قال أبو حاتم : لا أرى في حديثه إنكاراً ، يحول من كتاب الضعفاء الذي ألفه البخاري إلى الثقات. أنظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج5/ص 407) وانظر أمثلة أخرى في (ص 269- 286-316)من نفس الجزء.
وتكلم علي بن المديني في إسحاق بن إسماعيل الطالقاني في سماعه من جرير بن عبد الحميد الضبي لصغر سنه :
فأجاب عنه الإمام أحمد، فيما رواه أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن إسحاق بن إسماعيل، فقال: لا أعلم إلا خيرا. قلت: إنهم يذكرون أنه كان صغيرا. قال: قد يكون صغيرا يضبط.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سئل يحيى بن معين - وأنا أسمع - عن إسحاق بن إسماعيل، فقال: كان عندي لا بأس به صدوق، ولكنه يُبْلَى من الناس، ولقد كلمني أن أكلم
أمه تأذن له في الخروج إلى جرير، فكلمتها، فأجابتني، فخرج معي اثنا عشر رجلا مشاة، ولم يكن له تلك الأيام شيء.
قلت ليحيى: فما بُلِيَ به من الناس؟ قال: يكذبونه وهو صدوق.
قلت: كان يتهم تلك الأيام بالكذب أو الآن بعد ما حدّث؟. قال: لا، الآن بعد ما حدّث. ثم قال يحيى: ما كان به بأس . الخطيب: التاريخ (6/335)، والكفاية (ص 114).
قلت: والظاهر أن ابن المديني رأى إسحاق بن إسماعيل فاستصغره وظن أنه لا يضبط، وترجح لديه هذا الظن لما رآه يقوم من مجلس جرير، فيحضر لهم التراب فيفوته بذلك بعض السماع فضعفه.
وابن المديني بصري، وإسحاق بغدادي، ويبعد أن يكون ابن المديني على معرفة به قبل التقائهما عند جرير، فأجرى حكمه على إسحاق على ما شاهده منه في ذلك اللقاء.
وخالفه يحيى بن معين والإمام أحمد حيث وثقا إسحاق، فقولهما أولى بالقبول، لأن بلدي الرجل أعرف به من غيره.
ومنهم من جرح الرجل لكثرة كلامه ؛ ومنهم رآه يبول قائما ، ومنهم من تركه لكثرة حديثه ، وإكثاره عن بعض الرواة ، ومنهم من تركه لأنه ذكر عند حماد بن زيد فامتخط حماد عند ذكره فجعل ذلك جرحا له ، ومنهم من رآه يركض على برذون فتركه . وهذه أمور ير قادحة ولا مسقطة لعدالة الرجل .راجع الكفاية للخطيب (182-186). وهكذا في سلسلة يطول ذكرها في مذهب الناقد مما ينبغي مراعاته في بلدي الرجل أعرفه به .
9- أن لا يكون بلدي الرجل ممن يقبل التلقين في الجرح والتعديل ، من طلابه وأتباعه ؛ وكذلكم الغريب البعيد مما ينقله إليه بلدي الرجل وهو ولا يتثبت فيما ينقل من أخبار ممن يعدهم من الثقات عنده وهو ربما لا يعرفهم ولم يسأل عنهم أهل بلدانهم كما قال حمدا بن زيد -رحمه الله - : كان الرجل يقدم علينا من البلاد ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه ، فإذا سألنا أهل بلده وجدناه غير ما يقول ، والعكس صحيحا قد يطعن بعض الطلاب في شيوخ بلدانهم عند بعض من يتتلمذون لهم ويقبل منهم الشيخ ما لقنوه ولما تسأل وتتحرى عن تلك الأخبار تجدها إشاعات مغرضة ، وتأويلات وقراءات لوجهات النظر لا تقدح في عدالة الرجل .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين .
وكتب : أبو بكر يوسف لعويسي .
***********************************
الشيخ أحمد بازمول حفظه الله :

العلماء رحمهم الله تعالى وضعوا قواعد وأسس في باب الجرح والتعديل منطلقة ومتمشية ومبنية على أصولها في الكتاب والسنة و منهج سلف الأمة رضوان الله عليهم ومن ذلكم تلك القواعد التي قرروها وقعدوها بناءا على الأدلة الواردة في الباب

أن الجرح والتعديل إذا تعارضا قدم الجرح المفسر على التعديل إلا إن قال المعدل أعلم ذاك الجرح وأن هذا المجروح تراجع عنه أو لم يثبت عنه .

وأيضا من القواعد التي وضعوها أن يكون الجارح والمعدل ممن تأهلوا وممن بلغوا درجة يقبل قولهم في باب الجرح والتعديل فليس كل من تكلم في باب الجرح والتعديل قبل قوله هذه قضية مهمة حتى ولو كان طالب علم سلفي حتى وإن كان دكتورا سلفيا حتى ولو كان له دروس فإن الجرح والتعديل باب دقيق لا يحسنه كل أحد ولذلك نجد من بعض إخواننا السلفيين جزاهم الله خيرا وهدانا الله وإياهم للصواب تراهم يعدلون أشخاصا هم في حقيقة أمرهم هم مجرحون عند العلماء وإنما وقعوا في هذا الباب لأنهم لا يحسنون هذا الباب وهذه حقيقة لابد من الوقوف عندها ولابد من التصريح بها حتى لا تتعارض الأقوال وأعني بقولي لا تتعارض الأقوال هو أن القول بين المجرح و المعدل لا يتعارضان إلا إذا كان كلا الطرفين من أهل الجرح والتعديل أما إذا كان المتكلم مثلاً المعدل من أهل الجرح والتعديل والمجرح بخلاف ذلك فكلام أهل الفن مقدم .


ومن ذلك أيضا من قواعدهم في هذا الباب عندما يتعارض الجرح والتعديل يقولون في الترجيح بالقرائن فيرجحون بأن بلدي الرجل أعلم به وذلك مشروط بشرطين :

الشرط الأول : أن يكون بلدي الرجل هذا ممن تأهل في باب الجرح والتعديل فيعرف أسباب الجرح وأسباب التعديل .

والشرط الثاني : وهو أن لا يكون الجرح واضحا مفسرا ألا يكون الجرح واضحا مفسرا غير مدفوع فإذا لم يتوفر هذان الشرطان لم يقبل قولهم بلدي الرجل أو لم يتحصل قولهم بلدي الرجل أعلم به فهذا هو محله أن يكون البلدي هذا من أهل الجرح والتعديل والثاني أن لا يكون الجرح مفسرا واضحا ولا مدفع له.

وبالتالي أنبه على قضية وهو أن بعضهم جعل هذه القرينة أصلا وجعل القاعدة الأساسية أن الجرح المفسر مقدم على التعديل قرينة أو فرع أو أمر ثانوي وهذا خطأ وهذا خلط للقواعد فبلدي الرجل أعلم به عند الترجيح بين الجرح والتعديل عند إختلاف العلماء عند تعارض الأدلة وعندما يكون الجميع من أهل الجرح والتعديل فلا مرجح بين القولين من حيث القولان هذان , فيلجأ العلماء إلى قاعدة بلدي الرجل أعلم به أما مع ظهور الجرح وظهور البطلان فلو كل أهل البلد وثقوه فقول عالم عدل واحد بحجة مقدم عليهم .