شبهة وجوابها :





قال تعالى :{ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ }(179)الأعراف .



قال الخازن في تفسيره(2/273): وَلَقَدْ ذَرَأْنا يعني خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنّار وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ، ومن خلقه الله للنّار فلا حيلة له في الخلاص منها.
واستدل البغوي على صحة هذا التأويل بما رواه عن عائشة قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال صلى الله عليه وسلم « أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنّة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنّار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » أخرجه مسلم.
قلت : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ثُمَّ يَبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلِكَ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ -سَعِيدٌ".
وفي موطأ الإمام مالك(3337/ 677) تحقيق الأعظمي : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوابَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف 7: 172].
فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ آدَمَ. ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ. فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً. فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ.
ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً. فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤُلاَءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ».
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ.
وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ. فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ». ومن طريق مالك أخرجه أبو داود (4703) ، والترمذي (3075) ، وابن أبي عاصم (196) ، والنسائي في " الكبرى " (11190) وأحمد (1/399)(311) وصححه الحاكم في ثلاثة مواضع من " المستدرك " 1 / 27 و2 / 324 - 325 و544، ووافقه الذهبي في الموضعين الثاني والثالث، وخالفه في الموضع الأول فقال: فيه إرسال. وقال الترمذي: هذا حديث حسن وقال الأرنئوط في تحقيق المسند (1/400) صحيح لغيره . وكذلك قال الألباني : وصححته لغيره في تخريج الطحاوية (266 )انظر الصحيحة (1623).
قلت : وفي هذا إشكال كبير وشبهة عند كثير من النّاس إذ يقولون كيف يعلم أن عبده الفلاني من أهل النّار ثم يخلقه للنّار وليس للجنة ، ومعناه أنّ الله ظلمه ..
والجواب على هذا من وجوه
1 - أولا مسألة القدر مسألة كبيرة أكبر من العقل ، فالقدر سر الله سبحانه فلا ينبغي التعمق فيه ، وإنّما ينبغي أن نؤمن به ، ونقول بما ورد فيه من النصوص ، ونجمع بين ما ظاهره التعارض أو التناقض ونرد شبه الملحدين والقلانيين الذين لا يؤمنون به ، ونكل ما غاب عنّا إلى عالمه سبحانه .
2 - إن الله سبحانه عليم حكيم ، وعلمه أزلي قديم قبل أن يخلق الخلق كله عنده العلم بمن سيخلق وعدد ما سيخلق ومقدار ما سيخلق ، ومتى يخلقه ، والمؤهل إلى السعادة وغير المؤهل لها، والشقي في الدنيا سعيد في الآخرة ، والسعيد في الدنيا سعيد في الآخرة ، والسعيد في الدنيا شقي في الآخرة ، والشقي في الدنيا شقي في الآخرة ، فالنّاس لايخرجون عن هذا ، وهو سبحانه المالك لذلك كله ، فلا أحد يعترض عليه في شأنه فيما يملك فلا يسأل عما يفعل لأنه ملكه. وهو يسألون لأنهم عبيده ويملكهم .
3- إن الله حكمٌ عدلٌ ، لا يظلم ربك مثقال ذرة ، فالظلم منتفي عنه ؛وقد حرمه على نفسه ، لذلك هو يعلم أن فلان من النّاس غير مؤهل للسعادة الأبدية قبل أن يخلقه ، ثم خلقه كما سبق في علمه ، ثم جعل له مشيئة لا يخرج بها عن قدره وإرادة الله ، وخلق أعماله ، وذلك أن الله سبحانه خلق جميع ما في الدنيا من أعمال العباد ، وأن العبد مختار في عمله الخير والشر شرعا ، وأن ما عمله مم قدره الله هو نصيبه ومكتوبه من أعماله مما قدره الله تعالى كونا .فالله خلق أعمال العباد كونا وامرهم بها شرعا ، فما كان كوني لا يتأخر ، وما كان شرعي قد يتأخر لأنه من أعمالهم باختيارهم . فهذا الترابط بين مشيئة الله تعالى ، ومشيئة العبد ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله .
فجعل له السمع والبصر والفؤاد والعقل ، وهداه النجدين وعلمه طريق الخير من الشر ثم دعاه أن يسلك سبيل الخير والسعادة دون سبيل الشر والشقاء ، فإذا به يختار طريق الشقاء وذلك وفقا لمعدنه الذي غلب عليه وقدره الذي قدره عليه فكل ميسر لما خلق له ، فالله يعلم معدنه قبل خلقه فمن كان من الكبريت يعلمه الله وخلقه حين أراد خلقه من معدنه بما قدره عليه وعلمه منه ، وهذا إقامة للحجة عليه ، وحتى لا يقول يوم القيامة لِمَ لمْ تبين لي الحجة ولِمَ لم ترسل لي الرسل ؟؟
وهنا أضرب مثالا ، والمثال يتضح المقال :
لو أن وجلا له ولدان ، ويعلم أن أحدهما ذكي فطن يحب العلم ويحب الدراسة ، ومطيع بار بأبيه مؤدب ، والآخر بليد ، غير مؤدب عاص ، سيء الخلق عاق مشاغب ولا يحب الدراسة ولا يحب العلم و..و..
فالرجل يعلم ذلك من ولديه لأنه يملكهما قبل دخول المدرسة وقبل طلب العلم ،(( كما يعلم الله عباده قبل خلقهم )) ومع ذلك أدخلهما إلى المدرسة ويسر لهما سبيل طلب العلم ؛ فهل يُلام الرجل لمّا أدخل الثاني المدرسة مع الأول مع علمه بحاله؟؟ الجواب لا يلام ؛ لأن ذلك من عدله بين أولاده ، وحتى لا يقول الولد العاق في يوم توزيع الجوائز الذي يكافئ فيه الأول الناجح أبي ظلمني ؛ لأنه لم يدخلني المدرسة ولم ييسر لي سبيل طلب العلم ..بل يقال له هذا عملك وهذه نتائجك التي تحكم عليك بالخسارة ، وهكذا لا يلام ملك الملوك ، ويقال لأهل الشقاء :{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) الأنعام .
وقال تعالى أنهم يقرون بأنهم هم من كفر وأنهم حقت عليهم كلمة العذاب بكفرهم وفسقهم وأعمالهم . { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)}.
وقال تعالى يخبر عن اعترافهم بذلك :{ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} الملك .
بقيت مسألة مهمة وهي ما حكم من مات من أولاد المسلمين والمشركين قبل البلوغ وقبل بلوغ الحجة .
قال الخازن : قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفا وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا.
وأجاب العلماء عنه بأنه لعله صلى الله عليه وسلم نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص لفظة «إني لأراه مؤمنا فقال: أو مسلما» الحديث، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم ذلك قال به..

وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاث مذاهب قال الأكثرون: هم في النار تبعا لآبائهم وتوقف طائفة فيهم .
والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ويستدل له بأشياء منها خبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس فقالوا:
يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين. رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله سبحانه وتعالى:{وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه قبول قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله أعلم.
وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله خالق أعمال العباد جميعها خيرها وشرها وأن الله سبحانه وتعالى بيّن بصريح اللفظ أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار ولا مزيد على بيان الله عز وجل لأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار فلما عمل بما يوجب دخول النار به علم أنه له من يضطره إلى ذلك العمل الواجب إلى دخول النار وهو الله عز وجل. والله أعلم .







منقول من صفحته الفسبوك