النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    1,132

    افتراضي طريق العزة والكرامة ليس في البيت الأبيض ولا في الأمم المتحدة ولا في الفتكان ولا في الشرك والصلبان إنها من هنا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين وعلى آله وصحبه وسلم ،وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
    أما بعد:
    اعلم - أرشدني الله وإياك - لطاعته ، والاعتزاز به وحده ، أن العزة بالنفس لا تكون إلا بعبادة الله وحده وطاعته ، ولا يكون ذلك إلا بالعلم النافع على منهج النبوة ، وأمّا سلوك غير هذا السبيل من موالاة الكفار ومحبة أهل الأهواء والبدع والإشادة بما هم عليه ؛ والافتخار بالآباء والأجداد ، والانتساب إلى غير الإسلام ، فكل ذلك سلوك لسبيل الذلة والمهانة ، وكل من خالف أمر رسول الله فعليه الذلة والصغار وعاش حقيرا ذليلا حتى لو كان من الملوك الذين ملكوا الدنيا ؛ فشؤم المعصية والمخالفة يلاحقه ، وقد أبى الله تعالى إلا أن يجعل الذل والصغار على من طلب العزة في غير دينه كما قال عمر رضي الله عنه :" يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأقل الناس، وأحقر الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله".أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 82،وقال "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .والزهد لابن المبارك (584).
    قال : أبو بكر محمد بن أبي إسحاق الكلاباذي البخاري في " بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار(1/136): فَالذِّلَّةُ هِيَ التَّعَزُّزُ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الذِّلَّةُ الشُّذُوذَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَالِاعْتِزَالَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاتِّبَاعَ لِغَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] .
    فَلَا أَذَلَّ مِمَّنْ رُدَّ إِلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَانْفَرَدَ فِي مُتَابَعَةِ هَوَاهُ، وَظُلْمَةِ رَأْيِهِ، وَانْقَطَعَ عَمَّنْ لَهُ الْعِزَّةُ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَنِ انْقَطَعَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِإِعْرَاضِهِ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَعْرَضَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِهِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَالَفَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، فَهُوَ الْوَحِيدُ الْعَزِيزُ، الشَّرِيدُ، الطَّرِيدُ، الْحَقِيرُ، الذَّلِيلُ، النَّذْلُ، جَلِيسُ الشَّيْطَانِ، وَبَغِيضُ الرَّحْمَنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ،فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْخُذُ الشَّاةَ وَالْعَاصِيَةَ» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الذِّلَّةُ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهَا مُتَابَعَةَ الْهَوَى فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّعَزُّزَ بِمَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى.انتهى .
    قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
    قال ابن جرير (20/444): بعد أن ذكر أقوال المفسرين من السلف :والذي هو أولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال : من كان يريد العزة فبالله فليتعزز، فلله العزة جميعًا، دون كل ما دونه من الآلهة والأوثان.
    قال ابن كثير (2/435):قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا على من سَلَكُوا مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ ومناصرتهم ومحبة المنحرفين من أهل الأهواء والبدع : {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} ؟ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِزَّةَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فَاطِرٍ: 10] وَقَالَ تَعَالَى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الْمُنَافِقُونَ:8].
    وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّهْيِيجِ عَلَى طَلَبِ الْعِزَّةِ مِنْ جَنَابِ اللَّهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.ويُنَاسبُ أَنْ يُذْكَرَ هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْد الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَفَخْرًا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ)).تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
    قلت :هو المسند في (4/133) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/85، وقال: رواه أحمد والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (2431) والأرنئوط في تحقيق المسند(28/445).
    ولكن معناه صحيح فقد ورد ما يبين ذلك ففي سنن البيهقي (4771):عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " انْتَسَبَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَحَدُهُمَا كَافِرٌ وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ، فَانْتَسَبَ الْكَافِرُ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: سِوَاهُمْ، فَخَرَجَ مُنَادِي مُوسَى يُنَادِي: أَيُّهَا الْمُنْتَسِبَانِ، قَدْ قُضِيَ بَيْنَكُمَا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْكَافِرُ، أَمَّا أَنْتَ فَانْتَسَبْتَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، وَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، فَقَصُرْتَ عَلَى أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَبَرِئْتَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَبَرِئْتَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ .
    وهو في صحيح الجامع (
    1492 - 669)وقال :(صحيح) ... [ن هب الضياء] عن أبي. الصحيحة 1270: حم، طب.
    وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَمَا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخَرَيْهِ، خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ "المسند (2739) وإسناده صحيح.صحيح الجامع قال الألباني في التعليقات الحسان (5745): صحيح ـ ((التعليق الرغيب)) (4/ 21).
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي
    يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد. قال الألباني في المشكاة (4899) حسن .وصحيح الجامع(1756)وصحيح الترغيب (2922).
    فإذا كان هذا في الافتخار والاعتزاز بالآباء والأجداد وهي من طبيعة البشر يكون كالفحم في نار جهنّم أو يكون المفتخر المعتز بذلك أهون على الله من الخراء الذي يدحرجه الجعلان بأنفه ، فكيف بمن يفتخر ويعتز بالأديان والأوثان ، ما أنزل الله بها من سلطان ، ويطلب رضا الكفار وعزتهم ، وأهل الأهواء وضلالهم ؛ فلا فرق بينه وبين من يفتخر بالآباء بل قد يكون أشد وأكبر لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.
    وقال ابن كثير - رحمه الله- (6/536) في تفسيره وقوله تعالى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} أَيْ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَلْزَمْ طَاعَةَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَهُ الْعِزَّةُ جَمِيعُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النِّسَاءِ: 139] .
    وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يُونُسَ: 65] ، وَقَالَ: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الْمُنَافِقُونَ: 8] .
    قَالَ مُجَاهِدٌ: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ} بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} .
    وَقَالَ قَتَادَةُ: {
    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} أَيْ: فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
    وليعلم العاقل الذي يطلب الشرف والعزة في الدنيا والآخرة لينال بذلك رضا الرحمن لا رضا الإنسان أنّ السنة هي الميزان الذي يبين مدى مقدار العزة والكرامة والشرف الذي يكرم بها العبد ويعز ، فمن عاش على السنة ومات عليها فهو المكرم وهو العزيز ، ومن مات على البدعة ، ومخالفة السنة فهو الذليل الحقير ..

    وليعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبٌ لِصحة العمل، والعملُ بها واجب، لصحة العزة والشرف والكرامة ، يقولُ تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} .
    عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: " مَنْ يُكْرِمِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِطَاعَتِهِ يُكْرِمْهُ اللهُ بِجَنَّتِهِ , وَمَنْ يُكْرِمِ اللهَ تَعَالَى بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ لَا يدْخِلَهُ النَّارَ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِاللهِ يُغْنِكَ اللهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدٌ أَغْنَى بِاللهِ مِنْكَ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدٌ أَفْقَرَ إِلَى اللهِ مِنْكَ " حلية الأولياء(3/221).
    فالإكرام: أن يكرم الله العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبته ومعرفته. والإهانة: أن يسلبه ذلك.
    قال أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله - في فتاويه: "وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه، ويرفع به درجته"
    قلت : وليس من شك أن من أكرمه الله فقد أعزه ، ورفع من قدره وشأنه ، وهكذا يعز أولياءه ويذل أعداءه .
    ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّداً، ذل وهلك : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . يقول ابن القيّم - رحمه الله - في " زاد المعاد ".. " والمقصودُ أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنُّصرةُ، كما إن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ والفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته، وجعل شقاوةَ الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمنُ، والفلاحُ والعزّةُ، والكفايةُ والنُّصرةُ، والولاية والتأييدُ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلةُ والصِّغارُ والخوفُ والضلالُ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة .انتهى .
    وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ، وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ " رواه أحمد في المسند(5114) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح ، وقال الألباني صحيح في تخريج مشكلة الفقر (24)، وفي جلباب المرأة المسلمة ، وعلق البخاري منه (4/40) 88 - بابُ ما قِيلَ فيه الرماح وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي».
    والمعنى أن من كان طالبا للعزة فليطلبها بطاعة الله وعبادته وحده : بالكلم الطيب، والعمل الصالح، وبركوب سفينة السنة ، والتمسك بها ومحبتها واتباعها ، ونشرها والذود عنها ، ونبذ ما سواها، ومن السنة التي هي من أعظم الدين التمسك بالجماعة ، والتوادد والتراحم في الله تعالى ، وعدم التفرق في الدين .
    وقال بعض السلف رحمهم الله : "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله" .
    قلت : ومن طاعة الله تعالى طاعة رسوله واتباع سنته ، وولاية أولياءه وخفض الجناح للمؤمنين ، والتواضع لهم وعدم التكبر والترفع عن الخلق وخاصة إخوانه المؤمنين وأخص من ذلك طلبة العلم .
    وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت:"إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ".
    وفي عصرنا الأمر كذلك فإن نرى ونسمع بكثرة من يطلب العزة عند أصحاب الجاه والسلطان ، وعند أرباب الطرق والحزبيات ، وأهل الأهواء من أرباب الأموال ، بل لا يبعد لو قال قائل أنه أصبح الأمر الغالب على النّاس ، أنهم يطلبون العزة من الجدار الواقف ، أمّا الدين فأصبح غريبا يهان ولا يحترم حتى أن قوما انتسبوا إلى العلم ، ذلوا وهانوا العلم الذي اكتسبوه بمشقة كبيرة وتعب ، السنين الطوال ، ثم هانوا بالتعصب
    والتقليد وطلب رضا الخلق من أصحاب الجاه ومشايخ الحزبيين والطرقيين لتشرف نفوسهم وتعز - زعموا وبأس مطية الرجل زعموا - ولا حول ولا قوة إلا بالله . يحكى أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كان يمر على الناس ولا يسلم عليهم فلامه بعض أصحابه في ذلك
    فقال:

    يقولون لي فيك أنقباضٌ وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما
    أرى الناس من واناهُمُ هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النفس أُكرما
    وإني إذا ما فاتني الأمر لم أكن ... أقلِّب كفي إثره متندّما
    ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا مطمعٌ صيَرته ليَ سُلَّما
    وما كلُّ برقٍ لاح لي استفزّني
    ... ولا كلُّ من في الأرض أرضاه منعما
    إذا قيل هذا منهلٌ قلت قد أرى ... ولكنَّ نفس الحر تحتمل الظما
    أنهيتها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيمَ أو لِما؟
    ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكنْ لأخدما
    أأشقى به غرساً وأجنيه ذلّةً
    ... إذاً فاتباع الجهل قد كان ألزما
    ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم .. ولو عظّموه في النفوس لَعُظِّما

    ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهّما
    إنَّ الّذِى يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ". ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه.
    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعز دينه وأولياءه وأن يذل أعادءه وأعداء دينه وأوليائه إنه سميع قريب مجيب .



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    5,915

    افتراضي رد: طريق العزة والكرامة ليس في البيت الأبيض ولا في الأمم المتحدة ولا في الفتكان ولا في الشرك والصلبان إنها من هنا

    بارك الله فيك شيخنا الفاضل

    هذه ملفات رفعتها على موقع نور اليقين
    حمل من هنا


    http://www.up.noor-alyaqeen.com/ucp.php?go=fileuser




معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •