باب تحريم الكذب: قال الله تعالى: (( ولا تقف ما ليس لك به علم )) الإسراء: 36. وقال تعالى: (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )).


القارئ : والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال رحمه الله تعالى " باب تحريم الكذب قال الله تعالى (( ولا تقف ما ليس لك به علم )) وقال تعالى (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ))
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) متفق عليه وعن عبدالله بن "

الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين " باب تحريم الكذب " الكذب هو أن يخبر الإنسان بخلاف الواقع فيقول حصل كذا وهو كاذب أو قال فلان كذا وهو كاذب أو ما أشبه ذلك فهو الإخبار بخلاف الواقع واعلم أن الكذب أنواع:
الأول الكذب على الله ورسوله وهذا أعظم أنواع الكذب لقول الله تعالى (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) واللام في قوله (( ليضل الناس بغير علم )) اللام لام عاقبة وليست لام التعليل فهي كقوله تعالى في موسى صلى الله عليه وسلم (( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا )) وهم ما التقطوه لهذا ولكن الله تعالى جعل العاقبة أن كان لهم عدوا وحزنا وهكذا من افترى على الله كذبا فإنه بافترائه يضل الناس بغير علم
والافترا على الله نوعان:
النوع الأول أن يقول قال الله كذا وهو يكذب كاذب على الله ما قال الله شيئا
والثاني أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله لأن المقصود من الكلام معناه فإذا قال أراد الله بكذا كذا وكذا فهو كاذب على الله شاهد على الله بما لم يرده الله عز وجل لكن الثاني إذا كان عن اجتهاد عن اجتهاد سائغ وأخطأ في تفسير الآية فإن الله تعالى يعفو عنه لأن الله قال (( وما جعل عليكم في الدين من حرج )) وقال (( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )) أما إذا تعمد أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله اتباعا لهواه أو إرضاء لمصالح أو ما أشبه ذلك فإنه كاذب على الله عز وجل وهكذا من بعده الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول قال رسول الله صلى الله كذا ولم يقله لكن كذب عليه وكذلك أيضا إذا فسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير معناه فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) المعنى أن من كذب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم متعمدا فقد تبوأ مقعده من النار وسكن في مقعده من النار والعياذ بالله فهذان النوعان من الكذب هما اشد أنواع الكذب الكذب على الله والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الناس كذبا على رسول الله هم الرافضة الشيعة فإنه لا يوجد في طوائف أهل البدع أحد أكثر منهم كذبا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما نص على هذا علماء مصطلح الحديث رحمهم الله لما تكلموا على أن الحديث الموضوع قالوا إن أكثر من يكذب على الرسول هم الرافضة وهذا شيء مشاهد معلوم لمن تتتبع كتبهم
أما القسم الثاني من الكذب فهو الكذب على الناس والكذب على الناس نوعان أيضا:
كذب يظهر الإنسان فيه أنه من أهل الخير والصلاح والتقى والإيمان وهو ليس كذلك بل هو من أهل الكفر والطغيان والعياذ بالله فهذا هو النفاق النفاق الأكبر الذين قال الله فيهم (( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بؤمنين )) ولكنهم يقولون بألسنتهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون وشواهد ذلك في القرآن والسنة كثيرة أنهم أعني المنافقين أهل كذب يكذبون على الناس في الإيمان في دعوى الإيمان وهم كاذبون
وانظر إلى قوله تعالى في سورة المنافقين حيث صدر هذه السورة ببيان كذبهم فقال تعالى (( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله )) أكدوا هذه الجملة بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات نشهد إن اللام ثلاث مؤكدات يؤكدون أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله فقال الله تعالى (( والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون )) في قولهم نشهد إنك لرسول الله كاذبون هذا أيضا من أنواع الكذب وهو أشد أنواع الكذب على الناس لأن فاعله والعياذ بالله منافق
والنوع الثالث: الكذب في الحديث بين الناس الحديث الجاري بين الناس يقول قلت لفلان كذا وهو لم يقله قال فلان كذا وهو لم يقله جاء فلان وهو لم يأت وهكذا هذا أيضا محرم ومن علامات النفاق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ) ثم ساق المؤلف رحمه الله الأدلة على تحريم الكذب منها قوله تعالى (( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا )) (( لا تقف )) أي لا تتبع (( ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا )) وإذا كان هذا نهيا عما لم تحط به علما فما بالك بما أحطت به علما وأخبرت بخلافه يكون هذا أشد وأعظم وبهذا نعرف أن الإنسان إذا تكلم بالكلام
فإما أن يكون قد أحاط به علما فكلامه هذا مباح في الأصل ما لم يكن رأي إلى مفسدة
الثاني أن يقفو ما يعلم أن الأمر بخلافه فهذا كذب واضح صريح
والثالث أن يقفو ما لم يحط به علما ولا يعلم أن الأمر بخلافه فهذا أيضا منهي عنه (( ولا تقف ما ليس لك به علم )) فينهي أن يتكلم الإنسان في أمرين في حالين:
الحال الأولى: أن يعلم أن الأمر بخلاف ما تكلم به
والثانية: أن يتكلم بأمر لا يعلم هذا كله منهي عنه أما إذا تكلم بما يعلم فهذا أمر لا بأس به وذكر الآية الأخرى (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) (( من قول )) نكرة في سياق أيش النفي ومؤكدة مؤكد عمومها بمن (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) أي قول تقوله عندك رقيب عتيد يعني حاضر مراقب يكتب ما تقول (( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) (( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى )) يعني نسمع سرهم ونجواهم (( ورسلنا لديهم يكتبون )) ما أعظم الأمر كل كلمة تخرج منك مكتوبة تكتب وسوف تلقى ذلك يوم القيامة كما قال تعالى (( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك )) أنت حسيب نفسك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قال بعض السلف " والله لقد أنصفك من جعلك على حسيبا على نفسك " فالحاصل أن الله يقول (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) هذا الرقيب العتيد أي الحاضر يكتب كل شيء كل قول سواء كان لك أو عليك أو من اللغو الذي ليس لك ولا عليك
ولما قيل للإمام أحمد رحمه الله وكان مريضا يئن من مرضه قيل له إن فلانا وأظنه طاووسا يقول إن الملك يكتب حتى أنين المريض أنين المريض وهو يئن من المرض ومن شدته يكتب عليه أمسك رحمه الله أعني الإمام أحمد أمسك عن الأنين وصار يتصبر ولا يئن خوفا من ايش؟ من أن يكتب عليه هؤلاء الذين يحفظون ألسنتهم وجوارحهم ويعرفون قدر الأمور أمسك حتى عن الأنين أما نحن نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بالعفو فإطلاق اللسان عندنا كثير وقد قال عليه الصلاة والسلام ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا وأن يوفقنا لما نحب ويرضاه من القول والعمل