الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
أما بعد :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذا جواب سؤالك عن هذه الجملة التي وردت في كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – ولكن قبل أن أدخل في صلب الموضوع أنبه على مسألة مهمة جدا لمن يقرأ لشيخ الإسلام فإن ينبغي أن ينظر إلى أصل المسألة التي يتكلم عنها الشيخ ، ثم يتتبعه فيها ليعرف الكلام الذي يريد أن يأخذه أن يقصد به أصل المسألة وليس غيرها فإن شيخ الإسلام ابن تيمية يستطرد كثيرا في سرد مسائل ويضرب الأمثلة من غير أصل المسألة حتى يظن القارئ أنه يتكلم على ه\ه المسألة المستطرد فيها وهي مجرد تقريب للفهم ثم تراه يعود إلى أصل المسألة بعد صفحة أو صفحتين أو أكثر أو أقل .
فلا بد من معرف أصل المسألة ، وتتبعه فيها إلى النهاية أي أن يدخل في مسألة أخرى .
ولا ينبغي أخذ جملة أو أن يبتر كلاما ثم يستشهد به أو يستدل به فلا بد من معرفة السابق واللاحق لهذه الجملة وهل هي من أصل المسألة أو مما استطرد فيه وهل هي تقرير أو حكاية ..
وهذا كلام المسئول عنه مبتور وليس هو المسألة التي يتكلم عنها الشيخ ؛ وهي مسألة القول في القرآن وما يتبعه ثم استطرد الشيخ فتكلم عن حكم المجتهد إذا أخطأ وحكم مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم من اتبع هواه وقصر في طلب الحق إلى أخر ما جاء .. وأن الحكم بالتكفير يختلف باختلاف حال الشخص ثم يعقب الشيخ أنه ليس كل من أخطأ يكون كافرا ..
وإليك توضيح ذلك في كلام الشيخ :
ففي «مجموع الفتاوى» (12/ 180):قال الشيخ :
«وَأَمَّا " التَّكْفِيرُ ": فَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَنْ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ: لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ.
وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَشَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فَهُوَ كَافِرٌ.
وَمَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَقَصَّرَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِلَا عَلَمٍ: فَهُوَ عَاصٍ مُذْنِبٌ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ فَاسِقًا وَقَدْ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ تَرْجَحُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ.
فَ " التَّكْفِيرُ " يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ وَلَا مُبْتَدَعٍ وَلَا جَاهِلٍ وَلَا ضَالٍّ ‌يَكُونُ ‌كَافِرًا؛ بَلْ وَلَا فَاسِقًا بَلْ وَلَا عَاصِيًا لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " وَقَدْ غَلِطَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُ وَجْهًا مِنْ الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ وَيَعْزُبُ عَنْهُ وَجْهٌ آخَرُ لَا يُحَقِّقُهُ فَيَبْقَى عَارِفًا بِبَعْضِ الْحَقِّ جَاهِلًا بِبَعْضِهِ؛ بَلْ مُنْكِرًا لَهُ»
فقوله - رحمه الله - : فَ " التَّكْفِيرُ " يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ {‌يَكُونُ ‌كَافِرًا } وَلَا مُبْتَدَعٍ {‌يَكُونُ ‌كَافِرًا } وَلَا جَاهِلٍ {‌يَكُونُ ‌كَافِرًا } وَلَا ضَالٍّ {‌يَكُونُ ‌كَافِرًا } ؛ بَلْ وَلَا {يكون فَاسِقًا} بَلْ وَلَا {يكون عَاصِيًا} لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " فالكلام فيه حذف وهكذا ينبغي أن يفهم .
فالتكفير ليس لكل أحد ، وأن ليس كل وصف من هؤلاء يكون صاحبه كفرا إذا كان مجتهدا وقصد طلب الحق وقصر في طلبه واتبع شيئا من هواه فيه ، فعقيدة أهل السنة والجماعة عدم التكفير في الفروع حتى يترك أصل الإيمان وهو المعتقد قال الشيخ في «مجموع الفتاوى» (11/ 138):
«كَمَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ مَنْ تَرَكَ فُرُوعَ الْإِيمَانِ لَا ‌يَكُونُ ‌كَافِرًا حَتَّى يَتْرُكَ أَصْلَ الْإِيمَانِ. وَهُوَ الِاعْتِقَادُ»
فهذا فعل أهل البدع من الخوارج قال الشيخ في «مجموع الفتاوى» (3/ 419):
«وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَجَعَلَهُمْ إخْوَةً وَجَعَلَهُمْ مُتَنَاصِرِينَ مُتَرَاحِمِينَ مُتَعَاطِفِينَ وَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بالائتلاف وَنَهَاهُمْ عَنْ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فَقَالَ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} . وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللَّهِ} الْآيَةَ. فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَفْتَرِقَ وَتَخْتَلِفَ حَتَّى يُوَالِيَ الرَّجُلُ طَائِفَةً وَيُعَادِيَ طَائِفَةً أُخْرَى بِالظَّنِّ وَالْهَوَى؛ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ كَانَ هَكَذَا.
فَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ كَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ فَارَقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ خَالَفَهُمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَخِّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَوْ كَانَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ قَدْ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ ‌يَكُونُ ‌كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا بَلْ قَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ،وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي دُعَاءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: قَدْ فَعَلْت} . لَا سِيَّمَا وَقَدْ يَكُونُ مَنْ يُوَافِقُكُمْ فِي أَخَصَّ مِنْ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَكُمْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ مُنْتَسِبًا إلَى الشَّيْخِ عَدِيٍّ " ثُمَّ بَعْدَ هَذَا قَدْ يُخَالِفُ فِي شَيْءٍ وَرُبَّمَا كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ فَكَيْفَ يُسْتَحَلُّ عِرْضُهُ وَدَمُهُ أَوْ مَالُهُ؟ مَعَ مَا قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِأَسْمَاءِ مُبْتَدَعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟وَهَذَا التَّفْرِيقُ الَّذِي حَصَلَ مِنْ الْأُمَّةِ عُلَمَائِهَا وَمَشَايِخِهَا؛ وَأُمَرَائِهَا وَكُبَرَائِهَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ تَسَلُّطَ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهَا.
والعلم عند الله تعالى .