بسم الله الرحمن الرحيم
التدرج والتخطيط للإجرام من مسلك الشيطان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فالمشاهد لما يحدث من جرائم وفساد وإفساد وما يرى ويسمع من تخطيط للوصول للأهداف الدنيئة، من اصطياد الذئاب البشرية للفتيات الغافلات والعبث بهن، واستدراج الضحية للإجهاز عليها، وما يفعله مروجو المخدرات، بل وعلى الصعيد الدولي وما تفعله بعض الدول العظمى – كما يقال - لتحريش بين أبناء الوطن الواحد وقلب الحكومات وزعزعة الأمن وسلب الخيرات وضرب المسلمين في دينهم، ومنه تغدية منبع الإرهاب والأفكار الهدامة لتشويه صورة الدين الصحيح والمنهج القويم، وهم لا يأتون أول ما يأتون للحدث والشاب أقتل فجر دمر بل يغرسون شبههم وينفثون سمومهم مع شيء من الترغيب في الجنة وما قرب إليه والترهيب من النار وما قرب إليها، وأشدهم في هذا الجرم من يعمل وتخطط لضرب المسلمين في عقيدتهم وإيمانهم وتشكيكهم في دينهم ويعمل في الليل والنهار لإخراج الناس من نور التوحيد والسنة إلى ظلمات الشرك والبدعة وكل هذه الأفعال أفعال الشياطين.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في قوله تعالى: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا }.
قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخَ العلمُ عُبدت).
أخرجه البخاري.
تدرج بهم الشيطان من التصوير المحرم لتذكرهم والاقتداء بهم في عبادهم إلى أن أوقعهم من أتى بعدهم في الشرك
.

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((تفسير القرآن الكريم سورة النمل)) (ص: 400) : ((إن الإنسان إذا فعل معصية سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل – والعياذ بالله – إلى الكفر)) اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله في ((تفسير القرآن الكريم سورة سبأ)) (ص: 212-213) : ((فلهذا انتَبِهوا لدعوة أهل الشَّرِّ والفَساد فإنهم لن يَأتوا إليكم وَيقولوا -مثَلًا-: ازنُوا! اشرَبوا الخَمْر! ولكنهم يُخادِعون، وَيأتون بأسباب الزِّنا وطُرُق الزِّنا بسبيل التَّقدُّم والحُرِّية والمُساواة وما أَشبَه ذلك؛ فمثَلًا: خلُّوا المَرأةَ تَخرُج للسُّوق مُتبَرِّجةً، وخلِّها تُشارِك الإنسان في العمَل، ودعوها تُشارِكه في الدِّراسة ودعوها تكون إلى جَنْبه في الكُرسيِّ، فأنتم إذا جعَلْتم المرأةَ تُخالِط الرَّجُل وتمَشِي معه زالت الغَريزة الجِنْسية في نفوس كل واحد منهما، لأنه سيَكون الأمر عاديًّا بينهما، فجُلوسه لجَنْب امرأة كجُلوسه بجانب ذكَرٍ، لكن إذا حبَسْتم ذلك وقُلْتم: إن الرجال هنا والنِّساء هنا. اشتاقَتْ نُفوس كلِّ واحِد منهم إلى الآخَر، وحينئذٍ يَزداد طلَبُ الرجُل للمرأة والمرأةِ للرجُل! !
وانظُرْ كيف هذا الخِداعُ؟ ! وما علِموا أنهم إذا اختَلَطوا حصَل الزِّنا، بل لمُجَرَّد الاختِلاط تَحصُل مَفسَدة وما حصَلت الحوامِلُ سِفاحًا والعاهِراتُ والفاجِراتُ إلَّا بالاختِلاط، لكِنَّ هؤلاءِ الدُّعاةَ إلى الشَّرِّ يَمكُرون بالناس؛ لأنهم لو أَتَوْا بالبَشِع على وجهه هكذا نفَرَت منه النُّفوس، ولا قبِلَته، لكن يَأتون بصِيغة المَكْر والخِداع والمُبرِّرات الفاسِدة حتى يَقبَله ضُعفاء النفوس، ومَن ليس عندهم نظَر عَميق.
فالسَّطْحيُّون يَقبَلون مثل هذا الغُرورِ، ولكِنَّ المُتعمِّقين في النظَر يَرفُضون هذا رَفضًا باتًّا، وَيقولون: إن تَلبُّس هَؤلاءِ بالإِصْلاح ما هو إلَّا خِداع ومَكْر؛ هذا مَعنَى قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ})) اهـ.
فالذين يستدرجون الناس من معصية إلى ما هو أكبر منها حالهم حال الشياطين.

هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم السبت 20 شعبان سنة 1442 هـ
الموافق لـ: 3 أبريل سنة 2021 ف