بسم الله الرحمن الرحيم
المطلب العال للبيت الخال

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فالبيت الخال مطلبٌ سامٍ وأملٌ عالٍ، وصية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأمنية لسلفنا الكرام، يسعى له المجدون ،ويسلوا به العاملون، روضة الصالحين ،وبستان العارفين وجنة المحبين، فيه فوائد عديدة وثمرات جلية منها:

  1. التفرغ للعبادة.
  2. تجنب المعاصي التي يتعرض لها بالمخالطة.
  3. الوقاية من الفتن والخصومات.
  4. الخلاص من شر الناس.
  5. قطع الطمع فيما عند الناس.
  6. مجانبة الحمقى والمغفلين.

لهذه الفوائد وغيرها جاءت وصية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟
قال: ((املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)).
أخرجه أحمد في ((المسند)) و ((الزهد)) والترمذي في ((السنن)) والروياني في ((المسند)) وابن المبارك في ((الزهد)) وهناد في ((الزهد)) وابن وهب في ((الجامع)) والطبراني في ((الكبير)) و ((مسند الشاميين)) والبيهقي في ((الشعب)) و ((الآداب)) و ((الزهد)) وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) و ((الرقة والبكاء)) و ((العزلة والانفراد)) والبغوي في ((شرح السنة)) وأبو نعيم في ((الحلية)) وقوام السنة في ((الترغيب والترهيب)) وصححه الألباني.
وعن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) و ((المعجم الأصغر)) و ((مسند الشاميين)) وابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) وحسنه الألباني.
قال الطيبي رحمه الله في ((الكاشف عن حقائق السنن)) : ((وقوله: ((وليسعك بيتك)) الأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطب، أي تعرض لما هو سبب اللزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار)) اهـ.

وتتأكد هذه الوصية عند الفتن.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي)).
قالوا: فما تأمرنا؟
قال: ((كونوا أحلاس بيوتكم)).
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو داود في ((السنن)) والترمذي في ((السنن)) وابن ماجه في ((السنن)) ونعيم بن حماد في ((الفتن)) والآجري في ((الشريعة)) والحاكم في ((المستدرك)) وابن بطة في ((الكبرى)) وصححه الألباني.

وبمثل هذا أوصى جماعة من سلفنا الصالح.
وعن ابن مسعود رضى الله عنه أتاه رجل فقال: أوصني.
قال: (ابك على خطيئتك، وكف لسانك، وليسعك بيتك).
أخرجه أبو داود في ((الزهد)) وابن المبارك في ((الزهد)) وهناد في ((الزهد)) وابن أبي عاصم في ((الزهد)) وابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) والطبراني في ((الكبير)) وقوام السنة في ((الترغيب والترهيب)).
قال الهيثمي رحمه الله في ((مجمع الزوائد)) : رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمر قال: حدثني آل عبد الله: أن عبد الله أوصى ابنه.
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: (كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل، أحلاس البيوت، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض).
أخرجه الدارمي في ((المسند))وابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) و ((التواضع)) وابن عبد البر في ((الجامع)).
وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: (نعم صومعة المرء المسلم بيته، يحفظ عليه نفسه وسمعه وبصره، وإياكم ومجالس السوق؛ فإنها تلهي وتطغي).
أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) وابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)).
وقال محقق ((العزلة والانفراد)): إسناده صحيح.
وعن الحسن البصري رحمه الله قال: (صوامع المؤمنين بيوتهم).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) وأبو نعيم في ((الحلية)) وابن عدي في ((الكامل)).
قال ابن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد)): وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صوامع المؤمنين بيوتهم من مراسيل الحسن وغيره.
وأخرجه موصولا ابن عدي في ((الكامل)) عن الحسن عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال: وهذا زاد فيه ابن بنت مطر هذا أنس والنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا من قول الحسن.
وقال أبو العباس السراج: سمعت فتح بن نوح, يقول: سمعت أحمد بن حنبل, يقول: أشتهي ما لا يكون, أشتهي مكانًا لا يكون فيه أحدٌ من الناس.
أخرجه ابن الجوزي في ((مناقب الإمام أحمد)).
وقال ابن الصلاح رحمه الله في ((معرفة أنواع علوم الحديث)) : وقد روينا: ... أن يحيى بن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟
قال: (بيت خال، وإسناد عال).
فهذه الوصايا بلزوم البيت والاستكانة في أحلاسها ليست غاية وإنما وسيلة لتحقيق مطالب عظيمة وغايات نبيلة تصب في نيل رضي الله عز وجل.
وهذه الأحاديث والآثار لا يفهم منها الانقطاع عن الناس ومجانبتهم، بل المراد منها أن يقلل المرء من الاختلاط بالناس، إلا فيما لا بد منه، ويهدف لتحقيق عبادة الله تعالى.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
🏻 كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
العلوص ليبيا: يوم الجمعة 16 شوال سنة 1442 هـ
الموافق لـ: 28 مايو سنة 2021 ف