بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة بين الظل والشمس

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:
فهذه مسألة فقهية قد يندر وقوعها في صلاة جامعة، ولعلها تعرض لبعض المصلين وخاص في صلاة النهار في الساحات القريبة من المبني أو المظلات التي ينشأ عنها الظل.
هذا الوقوف متصور وواقع في الصلاة التي تقع جماعة مثل صلاة الجنائز أو الاستسقاء وقد تقع في صلاة الجماعة في أفنية البيوت وغيرها.
فالخلاصة أن هذه الصورة واقعة وليست من نسج الخيال.
وكذلك المنفرد قد يشرع في صلاته في الظل، وربما تحرك الظل حتى يكون المصلي بين الظل والشمس.
سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((فتاوى نور على الدرب)) : ((ما حكم الصلاة بين الظل والشمس الفرض والنفل، وما الحكمة من عدم النوم بين الظل والشمس؟
فأجاب: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الجلوس بين الظل والشمس وأن هذا مجلس الشيطان لكنني لم أحرر هذه المسألة تحريراً بالغاً وأكتفي بالجواب عن ذلك بأن بعض العلماء ذكر أن من الحكمة في النهي هو أن الدورة الدموية تنتقل من الظل البارد إلى الشمس الحارة وهذا بلا شك يؤثر عليها تأثيراً بالغاً أن تنتقل من حار إلى بارد ومن بارد إلى حار، ثم إنه قد قال بعض العلماء أيضاً إن من المجرب أنه يحدث الزكام وإذا صح الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام وإني قلت لك أنني لم أحرره، فلا حاجة إلى أن تتبين كمال الحكمة من ذلك فهو نور على نور فالحكمة في موافقة أمر الله ورسوله)) اهـ.
وقال رحمه الله : ((الجلوس بين الشمس والظل منهي عنه سواء في الصلاة أو غير الصلاة، حتى لو نمت، جعلت رأسك مثلًا في الشمس ورجليك في الإظلال أو بالعكس فقد يمنع، لكن لو فرض أنك قائم تصلي والظل يمشي حتى كنت بين الظل والشمس فالظاهر أن شاء الله لا شيء فيه لأنك لم تتعمد الجلوس بين الظل والشمس)) اهـ [1].
والأولى في حق من مشى الظل حتى وقع شخصه بين الظل والشمس وهو في الصلاة أن يقال له امشِ وتحرك في مكان يكون ظلًا أو شمسًا، والحركة في الصلاة للمصلحة والحاجة مشروعة، وقد تحرك النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته في أمور أقل شأنًا من الوقوف بين الظل والشمس.
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان بابنا في قبلة المسجد، فاستفتحت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه).
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو داود في ((السنن)) والنسائي في ((السنن)) والترمذي في ((الجامع)) وابن حبان في ((صحيحه)) وحسنه الألباني.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: (هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر فحضرت الصلاة يعني فصلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه).
أخرجه أبو داود في ((السنن)) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) وقال الألباني: حسن صحيح.
بل جاء الأمر بترك الوقوف أو الجلوس بين الشمس والظل، وهذا الأمر للوجوب ولم أقف على دليل يصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان أحدكم في الفيء وفي رواية: في الشمس، فقلص عنه الظل، فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل؛ فليقم)).
أخرجه أبو داود في ((السنن)) ومن طريقه البيهقي في ((السنن الكبرى)) وأخرجه الحميدي في ((المسند)) والفاكهي في ((أخبار مكة)) وصححه الألباني.
وفي رواية: ((إذا كان أحدكم جالسا في الشمس فقلصت عنه , فليتحول من مجلسه)).
أخرجها أحمد في ((المسند)) والبزار في ((المسند)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إذا كان أحدكم في الفيء، فقلص عنه؛ فليقم؛ فإنه مجلس الشيطان).
أخرجه أحمد في ((المسند)) ومعمر في ((جامعه)) ومن طريقه للبغوي في ((شرح السنة)) والبيهقي في ((السنن الكبرى))
قال الإمام الألباني في ((الصحيحة)) (7/301): ((وتابعه عبد الوارث: ثنا محمد بن المنكدر به؛ لكن رفعه. رواه أحمد (2/383) .
وهذا الموقوف والمرفوع رجاله ثقات)) اهـ.

وصورة ابتداء الوقوف بين الظل والشمس في الصف اجتمع فيها أمر ونهي.
أما الأمر فهو الأمر بتسوية الصفوف فيأخذ من عدة نصوص:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: ((أقيموا صفوفكم وتراصوا)).
أخرجه البخاري ومسلم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة)).
أخرجه البخاري.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: ((عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)).
أخرجه مسلم.
قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله في ((التنوير شرح الجامع الصغير)): ((وهذا الوعيد دليل وجوب تسوية الصفوف وقد عضدته عدة أحاديث)) اهـ.

أما النهي فهو الجلوس بين الظل والشمس أيضًا يأخذ من عدة نصوص:
عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى أن يقعد بين الظل والشمس)).
أخرجه ابن ماجه في ((السنن)) وصححه الألباني رحمه الله.
وعن أبي عياض، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس بين الضح والظل، وقال: ((مجلس الشيطان)).
أخرجه أحمد في ((المسند)).
قال الإمام الألباني رحمه الله في ((الصحيحة)) (رقم: 3110): وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير كثير.
وقال الإمام الألباني رحمه الله في ((الصحيحة)) (7/302): ((وإنما خرجت هذا هنا لهذه الزيادة: (وقال: مجلس الشيطان)؛ فإنها تدل على أن النهي تعبدي، وليس كما قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بريدة:
((يحتمل أن يكون أراد كيلا يتأذى بحرارة الشمس)) !
فإن هذا التعليل لا علاقة له ظاهرة بمجلس الشيطان. والله أعلم)) اهـ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مقيل الشيطان بين الشمس والظل)).
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في ((أخبار أصبهان)) وفيه من لا يعرف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (حرف الظل مقعد الشيطان).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) بإسناد رجاله ثقات.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: (حرف الظل مقيل الشيطان).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) و ((الأدب)) والدولابي في ((الكنى والأسماء)) وفيه تلميذ المسيب نفيع الجمال وهو: أبو دلهمس.
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (8/490): روى عن سعيد بن المسيب قوله روى عنه قرة بن خالد سمعت أبى يقول ذلك؛ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا؛ وبقية رجاله ثقات.
قال ابن منصور رحمه الله كما في ((مسائل الكوسج)) ((قُلْتُ [لأبي عبد الله أحمد بن حنبل]: تكره أَنْ يَجْلِسَ الرجلُ بين الظلِّ والشَّمسِ؟
قال: هذا مكروه، أليس قد نهي عن ذا؟
قال إسحاق [بن راهوية]: قَدْ صَحَّ النهي فيه عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم، ولكن لو ابتدأ فجلس فيه أهون)) اهـ.
والنهي عند السلف للتحريم كما هو متقرر عند المحققين من العلماء.
فمما سبق من أدلة وتقرير ما ذُكر من كلام أهل العلم يتبين أن الأمر لتسوية الصفوف على الوجوب، والنهي عن الوقوف بين الظل والشمس للتحريم وكذلك جاء الأمر للوجوب لترك الوقوف بين الظل والشمس.
فالوقوف بين الظل والشمس اجتمع فيه أمر ونهي، تعارض مع تسوية الصف الذي جاء فيه أمر فقط، فيترجح تغليب اجتماع الأمر والنهي على انفراد الأمر، فيطرد من وقف للصلاة بين الظل والشمس، كما كان يطرد من وقف في الصف بين السواري في صلاة الجماعة.
فصورة الوقوف للصلاة في الصف بين الظل والشمس مشابهة للصلاة بين السواري، ويخرج حكمها عليه أيضًا.
عن عبد الحميد بن محمود، قال: صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو داود في ((السنن)) والنسائي في ((الصغرى)) و ((الكبرى)) والترمذي في ((الجامع)) وابن خزيمة في ((صحيحه)) وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وعبد الرزاق في ((المصنف)) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) والبيهقي في ((الكبرى)) والبغوي في ((شرح السنة)) والضياء في ((المختارة)) وصححنه الألباني.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: (كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا).
أخرجه ابن ماجه في ((السنن)) وابن خزيمة في ((صحيحه)) ومن طريقه ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وأخرجه الروياني في ((المسند)) والطيالسي في ((المسند)) والبيهقي في ((الكبرى)).
قال الألباني: حسن صحيح.
وهذان الحديثان ذكرهما المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) وبوب عليهما: (باب كراهة الصف بين السواري للمأموم).
قال العلامة الشوكاني رحمه الله في ((نيل الأوطار)): ((والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة الصلاة بين السواري.
وظاهر حديث معاوية بن قرة عن أبيه وحديث أنس الذي ذكره الحاكم أن ذلك محرم. والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر بن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف. أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس والأول أشبه لأن الثاني محدث. قال القرطبي: روي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم.
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه قال أحمد وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك انتهى. وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة)) اهـ.
فالخلاصة:
يدفع من صلى منفردا بين الظل والشمس وذلك لأنه اجتمع في حقه الأمر بترك هذا المكان والنهي عن الوقوف فيه.
كذلك يطرد من وقف في الصف في جماعة بين الظل والشمس لتغليب اجتماع الأمر بترك المكان والنهي عن الوقوف فيه على الأمر بتسوية الصفوف، وقياسًا على تغليب جانب النهي في الوقوف بين السواري على الأمر بتسوية الصف – المراد بالتسوية في المسافة بين الصف والذي يليه -.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
🏻 كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: ليلة الجمعة 18 المحرم سنة 1443 هـ
الموافق لـ: 28 أغسطس سنة 2021 ف

[1] https://www.youtube.com/watch?v=y0giBUZ2Yt4