القضية الثالثة: الإجازة.


وهنا قبل الكلام عن المراد بها أو عن الصور أو ما يتعلق بها نقول حَدُّها، ما هو حد الإجازة؟، كثير منهم تعرضوا لمسألة الإجازة من غير بيان للحد، لماذا؟، لأن الحد مبني على صور كثيرة، ولكنَّ الإجازة منها ما هو معتبر، وكثير منه غير معتبر، ولهذا نقول حَدُّها الإذن بالرواية لفظًا أو كتابة.

والإجازة لها نوعان:

النوع الأول: أن تكون الإجازة مع المناولة، وصورة الإجازة المقرونة بالمناولة أو معها المناولة، أن يدفع الشيخ أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به، أو يحضر الطالب الأصل للشيخ ويقول له الشيخ في الصورتين، سواءً ناوله أو الطالب أعطاه الأصل فرآه الشيخ ونظر فيه وتأمل.

وقال في الصورتين: هذه روايتي عن فلان فاروها عنِّي، يعطيه أصل السماع أو فرع مقابل عليه، أو الطالب يأتي به بحديث الشيخ المقابَل على أصل الشيخ أو على أصل قوبِل على أصل الشيخ لينظر فيه الشيخ، فيقول له خذه ويعطيه، يناوله مناولة.

فيقول: هذا سماعي من فلان، أو هذا حديثي عن فلان فاروه عنِّي، إذًا هذه إجازة مقرونة بماذا؟ مقرونة بمناولة.

وهذا النوع في الإجازة هو أرفع أنواع الإجازة، لماذا كان أرفع الأنواع؟ لما فيه من التعيين-تعين المُجَازِ به وتعيين المُجَازِ له-، فاجتمع له في هذه الإجازة أركان الإجازة، مجيز ومجاز و مجازٌ به وماذا؟ وصيغة الإجازة.

ولكن هذا النوع له شرط حتى يتم، وتتم له أن يكون في أرفع درجات الإجازة، شرطه: أن الشيخ عندما يناول الطالب الكتاب أو المسموع، يمكن الطالب-هذه في الصورة الأولى، لأن الصورة التي جاء بها الطالب صورة الأولى-، أن يمكن الشيخ الطالب من أصل السماع هذا، يمكنه يعطيه إياه لينسخه إن لم يكن عنده، أو ليقابله، أو يعطيه هو هبة أو عارية ينسخ فَيُرجِعْ إلى الشيخ.

أما إذا كان الأصل الذي مع الطالب أتى به وهو أصله وله، فنظر الشيخ فيه وأجازه وتأمله وقال له، فرجع إليه هذا لا إشكال لأنه هو له، أما في الأول لا بد ماذا؟ أن يمكن الطالب من الكتاب، إما على سبيل الهبة والاهداء أو على سبيل العارية عارية مؤداه.

فهذا النوع نوع ماذا؟ نوع ظاهر في أنه رفيع وعالٍ وصحيح في الرواية، فيصح أن تروي به، لكن لو أن الشيخ أعطى الطالب، وقال له هذه مسموعاتي عن فلان، أعطاه ثم استرده منه ما مكنه من الكتاب، أخذه، لم يستطع الطالب أن ينسخ الكتاب، لم يمكن من أن يكون عنده على سبيل العارية أو على سبيل الهدية.

فهنا لا مزية إلى هذه المناولة إلا فقط يعني: لا شيء فيه أرفع من غيرها مما لم تحصل به المناولة، وفيها إذن بالرواية فيما لو تحصل على الكتاب، فيما لو تحصل على هذه المسموعات، إذًا هذا نوع من أنواع ماذا؟، الإجازة، وهي الإجازة المقرونة بماذا؟، بالمناولة.

النوع الثاني: الإجازة المجردة عن المناولة.
إجازة مجردة عن المناولة، يجيز من غير ماذا؟، أن يناوله ولا يعطيه، هذا النوع من حيث الكيفية نوعان، ومن حيث الصيغة أنواع، ما معنى من حيث الكيفية نوعان؟.

من حيث الكيفية نوعان:

النوع الأول في الكيفية: المشافهة بها، أن يشافه الطالب بالإجازة.

مثلًا: أن يقول: أجزتك رواية صحيح البخاري عنِّي مما هو من مسموعاتي، فيشافهه، يا محمد يا أحمد يا زيد يا عمر يا بكر، فهذا ماذا؟، يشافه الطالب وهذا أرفع، هذا رفيع، المشافهة بها أرفع من النوع الثاني.

النوع الثاني في الكيفية: المكاتبة إلى الطالب، يكتب للطالب الإجازة، يكتب للطالب ماذا؟، أني أجزت فلان بن فلان من طلابه، أو من حضره أن يروي عني صحيح البخاري وجامع الترمذي وكذا من مسموعاتي فهذه دون الأولى، وإلا فهي صحيحة والرواية بها صحيحة، هذا من حيث الكيفية، إما مشافهة وإما كتابة.

أما من حيث الصيغة: فقلت هي أنواع-لعل هذه التقديمات ما أتعبتكم، أقول: لعلها-إن شاء الله-ما أتعبت ولا أرهقت، حاولنا تقريب هذه المادة المنثورة في هذه الكتب وغيرها، وتكون مرتبة بحيث إنك تعرفها، تمشي هكذا مرتب، والمعلومة تكون عندك مقننة، وهذا أدعى للبقاء والثبات بإذن الله.

أقول: أما من حيث الصيغة فهي ماذا؟، أنواع أعلاها، أعلى هذه الأنواع:

الأول: أن يجيز معينً لمعينٍ، ماذا نقصد معينً لمعينٍ؟، أن يعين المجاز به والمجاز له، كأن يقول: أجزتك أن تروي عنّْي، مثلًا صحيح البخاري أو سنن أبي داوود أو نحو ذلك.

الثاني: إجازة معينٍ بغير معين-يعني: عام-، كأن يقول الشيخ للطالب: أجزتك يا فلان أن تروي عني جميع مسموعاتي أو كل مسموعاتي، فهنا معين المجاز له معين، أما المجاز به غير معين-عام-.

الثالث: إجازة غير معينٍ بمعينٍ، كيف هذا؟، أن يقول مثلًا: أجزت كل من أدركني أن يروي عني صحيح البخاري، وهؤلاء الذين أدركوا، يعني: الذين يعنيهم بالإدراك غير منضبطين، يعني: غير معينين ما هم معروفين، فهنا إجازة غير معينٍ بماذا؟، بمعين.

الرابع: إجازة غير معينٍ بغير معين، كأن يقول: أجزت كل من أدركني بكل مسموعاتي.

الخامس: إجازة لمعدوم تبعًا لموجود، كأن يقول: أجزت لفلان بعينه هذا موجود، ومن يأتي من نسله وعقبه، فهذه إجازة لمعدوم تبعًا لموجود، وهناك صور أخرى لكن أعلى هذه الأنواع كما قلنا هو الأول، والثاني على خلاف والراجح صحته، أما الباقي فممنوع مرفوض.

وهذا الذي يحصل الآن عند كثير من الناس، يمشي إلى بعض-يعني: إجازة إجازةْ إجازة-، بعض الطلاب وبعض الناس يأخذون إجازات، ما عرفوا شرط الإجازة، ولا عرفوا كيف تصح الإجازة.

بل بعضهم لعله لم يَرَ الشيخ، خلاص مع فلان وعِلان يجيب الإجازة، بل لعله لم يقرأ على الشيخ حرفًا من الكتب التي يجاز بها، بل بعضهم يأتي فيعمم يقول: كل مسموعاتي ومقروءاتي ومكتوباتي يجيز، والطالب لعله لو قلت له اقرأ تفضل بعض المسموعات ولا المقروءات هذه من تصانيف شيخك المجيز ما عرف.

على كل حال لا ينبغي أن تبتذل، ولذلك صارت الإجازة، بعضهم عنده إجازات، عنده-ما شاء الله-دفاتر من الإجازات، ولم يأخذها بشرطها، جاء إلى الشيخ قال: بسم الله، قرأ أول حديث في صحيح البخاري بإسناده، قال:خلاص أجزتك في البخاري، وما يأتي بعد البخاري ، وكل كتاب يقع في يدي مما سمعته أو لم أسمعه.

على كل حال، هذه المعدومة الإجازة للمعلوم، أنا رأيتها لأحدهم-الله يصلحه-، هو توفي-رحمة الله عليه-، أجاز يعني: أجاز أحد الأخوة وقال: أجزت فلان بن فلان ومن يأتي من عقبه وعقب عقبه، يعني: إلى يوم الدين أجاز!!، يعني هذا استهانة بهذا الأمر العظيم، الذي توالى عليه العلماء وساروا عليه بشرطه.

وأعلى ما يكون أن الشيخ يجيز الطالب، وكان قد سمع كامل الكتاب عليه قراءة أو سماع أو غير ذلك، وأجازه به ويعرف عنه إلى آخره معلوم لمعلوم، أما أن تتبدل هكذا!!!، على كل حال هذه كما قلنا: أنواعها من حيث الكيفية نوعان، ومن حيث الصيغة أنواع.

أما صيغ الأداء، أداء ما تحمله الراوي بهذه الطريقة، يصح للراوي الذي تحمل إجازة بطريقة مقبولة معتبرة على ما تقدم، أن يذكر عبارات السماع أو القراءة على الشيخ لكن مقيدة، فيقول مثلًا: حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا فلان إجازة، أو حدثنا فلان مناولة، إجازة ومناولة ونحو ذلك.

أشار الحافظ إلى أن في عرف المتأخرين استخدموا لفظ أنبأنا في الإجازة، وسيأتي-إن شاء الله–التعليق على هذا، الذي عليه الأئمة ممن سبق، أن أنبأنا وسمعت وحدثنا كلها ماذا؟، متساوية، لكن جاء إلى المتأخرين فجاءوا بمثل هذا، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا كان قد ظهر وتبين.

الطريقة الرابعة: المناولة، وهذه المناولة لها نوعان:

النوع الأول: سبق في النوع الأول من الإجازة، وقلنا أنه أعلى أنواع الإجازات.


النوع الثاني: المناولة المجردة عند الإجازة، وصورتها: هي كصورة سابقتها، يأتي الشيخ بكل مسموعاته أو كذا فيعطي الطالب، لكن لا يجيزه أن يروي عنه، ولا يقول له اروها عني أو هذه مسموعاتي فاروها عنّْي، ممكن يقول له هذه مسموعات أنظرها، ينظرها لكن لا يجيزه بأن يرويها عنه.

حكم روايتها:
الأول انتهينا قلنا خلاص صحيحه.

الحكم: رواية الصورة الثانية، الرواية بالصورة الثانية، هل للراوي-الطالب-أن يروي عن شيخه ما لم يأذن له به؟، نعم.

الثاني: الصحيح في هذه الصورة الثانية، أنه لا بد له فيها من الإذن، أن يأذن له الشيخ أن يرويها عنه، أو أن يروي هذا المسموع عنه، أما إن لم يأذن فلا يصح أن يرويها عنه، فلا يصح على الصحيح أنه لا يرويها عنه، وإن كان قال بهذا بعضهم، لكن الصحيح أن لا يقولها رواية عن شيخه.

صيغ الأداء: إن كانت المناولة مقرونة بإجازة، فيقول: ناولني إجازة، أو أجازني ونحوها من العبارات، أو أخبرنا مناولة، أو حدثني مناولة ونحوه.

الطريقة الخامسة: المكاتبة، المراد بها أو صورتها:

أن يكتب الشيخ مسموعاته لحاضر عنده أو غائب عنه، فلان من الناس غائب لم يحضر لكنه غائب في بلد آخر، وكتابته إما بخطه أو أمر غيره فكتب، معنى هذا: هذه مسموعاتي أقول: خذ يا أحمد هذه مسموعاتي ومكتوبة لك اروها عني.
كتبتها لك كتابة مثلًا فتأخذها، إما أنا كتبت الإذن بالرواية والمسموعات، وإما آمر أحد الطلاب محمد أحمد زيد عمر بكر خالد، أقول له: أكتب أني أذنت لفلان بن فلان، فيكتب يعني: عن لساني.
فإما بخطي أو آمر غيري ممن هو موجود، أو آمر أحد الحاضرين بكتابته، وهذا قد يكون لحاضر وقد يكون لماذا؟، لغائب بعيد، فأكتب إليه من فلان إلى فلان بن فلان إلى آخره، إما أكتبها أنا أو آمر أحد الطلاب الموجودين الحاضرين فيكتبها له، هذه هي صورة المكاتبة.

والمكاتبة نوعان:

النوع الأول: مكاتبة مقرونة بإجازة.

وهذه حكم الرواية بها أنها صحيحة، جائزة بالاتفاق.

النوع الثاني: مكاتبة مجردة عن الإجازة.
حكم رواية الإجازة المجردة: كتبت إليه من غير أن أجيز له أن يرويها عني، جمهور أهل الحديث، وجماهير أهل الحديث على جواز الرواية بها، بهذه الطريقة وهذا هو الصحيح.

وهو الذي استمر عليه عمل السلف، بل وجاءت السنة به، فإن النبي-عليه الصلاة والسلام-قد كاتب وكتب إلى ملوك عدة، إلى هرقل وإلى المقوقس وإلى غيرهم، كتابًا ينذرهم ويبين لهم دعوة الحق.
وكذلك كتب أبو بكر وكتب عمر-رضي الله عنهما وعن الصحب أجمعين-، إلى الأمراء والولاة في الأقاليم والبلدان ممن هم تحت ولايتهم بأمور عدة، وأخذت الناس بذلك ولزمت الحجة بما كتب إليهم به، وهذا أصل معتبر بالشرع، ولم يقترن معها ماذا؟، إجازة.

ولهذا قال القاضي عياض في الإلماع: استمر عمل السلف ومن بعدهم من المشايخ بالحديث، بقولهم: كتب إلى فلان، قال أخبرني فلان، واجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث، وعدُّوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، انتهى كلامه.

إذًا هذا هو الصحيح العمل بالكتابة صحيح معتبر.

هنا مسألة تتفرع عن هذه: هل تشترط البينة لاعتماد الخط، يعني: كل ما جاء وكتب لك خلاص، تروي خلاص، أو لا بد من بينة على هذا خط فلان أو خط عِلان.

ذهب بعض العلماء: إلى عدم اشتراطها، إلا أنها غير مشترطة، لأن كل شخص خطه الخاص به معروف، فلا تشترط البينة، خطه يعرفه ويعرف.

وذهب بعض أهل العلم: إلى اشتراط البينة، لا بد أن يبين لماذا؟، لاحتمال التشابه في الخطوط.
والصحيح الأول: هو عدم اشتراط البينة، لكن بشرط لا تشترط البينة بشرط، أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب له، أما إن كان يجهله لا يعرفه فلا.

قال الحافظ الخطيب-رحمه الله–في الكفاية: فإذا عرف المكتوب إليه خط الراوي وثبت عنده أنه كتابه إليه، فله أن يروي عنه ما تضمنه كتابه ذلك من أحاديث.

ونحوه قال القاضي عياض: وتصحيح الرواية على هذا النحو هو الذي جرى عليه عمل السلف كشعبة وأيوب وغيرهما من الأئمة، وهو كذلك في الصحيحين موجود بعدد، وجرى كما قلت عليه عمل السلف، كثير من السلف.

أخرج الطبراني في الكبير: أن عبد الله بن عون قال: كتب إليَّ نافع أن ابن عمر قال: نهي لحوم الحمر الإنسية.

وفي الصحيحين من حديث أبي عثمان النهدي قال: أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله–صلى الله عليه وآله وسلم-، قال: فذكر حديث النهي عن الحرير، فجرى عمل الشيخين على هذا، وكما قلت: هذا هو الصحيح.

صيغ الأداء: لمن تحمل بهذا الوجه له أن يقول كتبت إلى فلان، كما قاله ابن عون وغيره، كتب إليَّ فلان وله أن يأتي بألفاظ السماع المتقدمة، حدثنا وأخبرنا إلى آخره لكن مقيدة، حدثني فلان أو أخبرني فلان كتابتهن أو فيما كتب إليَّ ونحو ذلك.

وبعضهم جوز إطلاق حدثنا وأخبرنا من غير تقييد، سَوَّغَ هذا يعني: منهم، الليث ابن سعد ومنصور ابن المعتمر وغيرهما، لقول إذا كتبت لك أو إذا إليك فقد حدثتك.

وإن كان جمع من أهل العلم يرى المنع، لأنها تشتبه بما تقدم من الطرائق، كحدثنا أو نحوها بالسماع من الشيخ أو بالقراءة على الشيخ.

الطريقة السادسة: الإعلام.

وصورتها أو المراد بها: أن يقول الشيخ للتلميذ لماذا؟، للتلميذ إخبارًا له أن هذا الكتاب، أو هذه الأحاديث من مسموعاتي أو من سماعي من فلان من إعلامه، أخبرك أن هذه الأحاديث أو هذا الكتاب سماعي من فلان، أعلمتك.


هذا الإعلام أيها الأخوة: إن صحبته إجازة، هذا الكتاب سماعي من فلان فأنا أجيزك فيه، إن صحبته إجازة فتصح الرواية به كالمناولة، كَـ ماذا؟، كالمناولة الذي تقدم، المناولة المصحوبة أو المقرونة بماذا؟، بإجازة.

ذهب بعض أهل العلم: إلى عدم صحة الرواية بها، لكن القول الأول هو الصواب، أعني صحة الرواية بها.
صيغ الأداء في هذه. نقف عند هذا.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تم بحمد الله.....بتصرف يسير.....قام بتفريغه: أبو عبيدة منجد بن فضل الحداد.
الاثنين الموافق: 8/ شعبان/ 1431 للهجرة النبوية الشريفة.

لقراءة الملف منسق:
هنا

لسماع أو تحميل المادة الصوتية وهي من شرح نخبة الفكر لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحيم البخاري-حفظه الله-، في الشريط الثامن والعشرين من الدقيقة الواحدة والعشرين إلى نهاية الشريط.
هنا

ولا حرمكم الله من متعة النظر إلى وجهه الكريم