ــ محاورة بين صحابي وتابعي أو قل بين الشيخ والتلميذ ، والأدب الجم الذي كانوا عليه.ــ
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم برحمتك يأرحم الراحمين .اللهم حسن أخلاقنا كما حسنت خلقتنا ، وآتي نفوسنا تقواها فأنت خير من زكاها ، وأدبنا على الأخلاق التي أرسلت بها نبيك واشرح صدورونا لذلك وجعلنا ممن لقبول الحق ابتعاء مرضاتك ،على يدي أو لسان من جاءنا به لوجهك .
هذه مناقشة ومحاورة هادئة بين صحابي عالم فقيه ، كبير جليل ، و تابعي في العلم لم يفته الصحب إلا بالصحبة والشيء القليل ،أو قل بين الشيخ والتلميذ وكلاهما صاحب دليل ، وأنظر إلى الأدب العذب كالسلسبيل ،الذي كان عليه القوم قبل الرحيل ، ذكرها شيخ السنة صاحب إرواء الغليل ، فائدة قيمة تشفي العليل ، فإليكها أخي دون تحريف أو تبديل .
فائدة رائعة عزيزة :
ذكر الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة [حديث 1700]هذا الحديث فقال: يُذكر عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: << اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته >> ثم عقبه بقوله ضعيف جدا ،وبعد أن تكلم عليه وبين ما فيه قال : هذا ولعل أصل الحديث موقوف فرفعه {كثير بن عبد الله } أحد رواته عمدا أو خطأ، فقد رأيت الشطر الأول منه من قول معاذ بن جبل - رضي الله عنه- في مناقشة هادئة رائعة بين ابن مسعود وأبي مسلم الخولاني التابعي الجليل ، لابأس من ذكرها لما فيها من علم وخلق كريم ، ما أحوجنا إليه في مناظراتنا ومجادلاتنا ، وأن المنصف لا يضيق ذرعا مهما علا وسما إذا وجه إليه سؤال أو أكثر في سبيل بيان الحق ، فأخرج الطبراني في مسند الشاميين [ص289]بسند جيد عن الخولاني : أنه قدم العراق فجلس فى رفقة فيها ابن مسعود ، فتذاكروا الإيمان، فقلت :أنا مؤمن .فقال ابن مسعود : أتشهد أنك في الجنة ؟ فقلت : لاأدري مما يُحدث الليل والنهار .فقال ابن مسعود:لو شهدت أني مؤمن لشهدت أني في الجنة .قال أبو مسلم :فقلت : يا ابن مسعود ! ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصناف : مؤمن السريرة مؤمن العلانية ، كافر السريرة كافر العلانية ، مؤمن العلانية كافر السريرة ؟ قال نعم .قلت: فمن أيهم أنت ؟ قال : أنا مؤمن السريرة مؤمن العلانية .قال أبو مسلم :قلت: وقد أنزل الله عز وجل :{{ وهو الذي خلقكم فمن كافر ومنكم مؤمن}} فمن أي الصنفين أنت؟ قال : أنا مؤمن .قلت : صلى الله على معاذ.قال: وماله ؟ قلت : كان يقول :<< اتقوا زلة الحكيم >> وهذه منك زلة ياابن مسعود ! فقال : استغفر الله .
قال الشيخ معلقا عليها : رضي الله عن ابن مسعود ما اجمل إنصافه ، وأشد تواضعه ،لكن يبدو لي أنه لا خلاف بينهما في الحقيقة ، فابن مسعود نظر إلى المآل ، ولذلك وافقه عليه أبو مسلم .وهذا نظر إلى الحال ولهذا وافقه ابن مسعود ، وأما استغفاره فالظاهر أنه نظر إلى أن استنكاره على أبي مسلم كان عاما فيما يبدوا من ظاهر كلامه .والله أعلم .
قلت : انظروا يرحمكم الله إلى تواضع عبد الله ابن مسعود وهو من هو في العلم والصحبة ،وكيف كان يسمع إلى التابعي ،وانطروا وإلى أدب إبي مسلم الخولاني وكيف كان يُذكر الصحابي بالعلم،وهكذا ينبغي أن يعظم العلماء وأن يعتذر للمجتهد منهم المخطيء ، فانظروا يرحمكم الله إلى أدب شيخ السنة الألباني رحمه الله كيف يتأدب في تقديم الاعتذار للصحابي رضي الله عنه ، وكيف جمع بين القولين حتى لايقول قائل أن التابعي أبو مسلم تعالى على الصحابي ورد عليه وأفحمه، كما نرى اليوم انه إذا نبه طالب علم على زلة عالم ، فرح بها اتباعه وظنوا ان شيخهم المتعالم قد أجهز على الشيخ العالم ،وأفحمه بالحجة ، فما بلكم لو جلس إليه ، وغابت عن الشيخ مسألة أو دليل مسألة وذكره بها خذا الطويلب فهاهنا تسيل الأقلام وتسود الصحف وتتطاول الألسن وتهرف بما لاتعرف ، فلان رد على فلان ، ولا حول ولاقوة إلا بالله من زمن نعيش فيه تمتد ألسنة المبتدعة المتعالمين الأغرار الأغمار إلى أعراض علماء السنة حماة الشريعة الكبار دون ورع ولا أدب ، وقديما قيل : من تأدب ساد ، ومن لم يتأدب طرد عن الباب .
والسلام عليك ورحمة الله .