الحمد لله القائل في كتابه العزيز: }هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فيَتَّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ{، وأصلى وأسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله القائل: ((فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ)).
أما بعد:
فأنت في بعض المجالس، تتفاجئ بأحد الإخوان يريد أن يسأل عن شبهة قد تلقفها؛ إما من أحد المجالس التي بها أهل زيغ أو من أحدى الفضائيات أو تشربها من أحد المواقع عبر الشبكة.
فأقاطعه لا تسأل عن الشبهات في هذه المجالس، ولا تعرض الشبهة على العامة حتى لا تتشربها القلوب، ولا تفتنا بما وقعت فيه.
ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه)).
وكان ابن القيم رحمه الله يُورِدُ على شيخُ الإسلام إيرادًا بعد إيراد؛ فقال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له: لا تجعلْ قلبَك للإيرادات والشُّبُهَات مثل السفنجة فيتشربَها، فلا ينضح إلا بِها، ولكنِ اجعلْه كالزجاجة المصمتة، تمرُّ الشُّبُهَات بظاهرِها ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعُها بصلابته، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْتَ قلبَك كُلَّ شُبهةٍ تمرُّ عليها، صارَ مقرًّا للشُّبهات.
قال ابن القيم رحمه الله: فما أعلمُ أنِّي انتفعتُ بوصيَّة في دَفْع الشُّبُهَات كانتفاعي بذلك.
ويدلكم على خطر التعرض للمتشابه والجلوس في المجالس التي تورد فيها الشُّبُهَات، ما جاء عن سلفنا الصالح ففي كتاب ((السنة)) لعبد الله بن أحمد، وغيره: دخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث.
قال: لا.
قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله عز وجل.
قال: لا. لتقومان عني أو لأقومن.
قال: فقام الرجلان فخرجا.
فقال بعض القوم: يا أبا بكر ما كان عليك أن يقرأا آية من كتاب الله عز وجل؟
فقال محمد بن سيرين: إني خشيت أن يقرأا آية عليَّ فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي.
وذكر اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) وغيره: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب أسألك عن كلمة.
فولى أيوب وهو يقول: لا ولا نصف كلمة مرتين يشير بإصبعه.
وجاء في كتاب ((السنة)) لعبد الله بن أحمد: وقال ابن طاووس لابن له وتكلم رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول.
ثم قال: أشدد أشدد.
وأخرج الإمام مالك في ((الموطأ)) أن عمر بن عزيز قال: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
أقول: فلا تزرع أخي ما تشربته من شبه في مجالس العامة، ولا تفتن إخوانك بما افتتنت به، ولا تثير فينا الشكوك، وأسأل الله عز وجل أن يعافيك؛ فالسلامة لا يعدها شيء، واهرب من هذه المجالس وفر منها فرارك من الأسد؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام:68].
وإلا فما أحوجك إلى درة عمر رضي الله عنه، وتضرب بها كما ضرب صبيغ عندما كان يسأل عن المتشابه.
فاحذر وحاذر من أن تلقي سمعك وتسلِّم قلبك لمن يثير الفتن ويورد الخصومات ويروج الشبهات ويورد المتشابهات.
أختم كلامي بوصية مباركة من إمام جليل وعالم كبير يقول سفيان الثوري رحمه الله: (من سمع بدعة، فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم).
فعلق عليه الحافظ الذهبي - رحمه الله – بعدما أورده في كتابه ((سيَر أعلام النبلاء)) فقال: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبَه خطَّافة.
وخير من هذا وذاك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك إن يرتع فيه ألا ولكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)).
فأسأل الله أن يثبت قلبي وقلوبكم يوم تزل القلوب، كما أسأله سبحانه مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على طاعته ويجنبنا وإياكم فتن الشبهات والشهوات.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الخميس 13 المحرم سنة 1436 هـ
الموافق لـ: 6 نوفمبر سنة 2014 م


رد مع اقتباس
