5 ـ فائدة في بيان الحذر من الغلو في الصالحين ، وأصالة امتحان حملة الأخبار كائنا من كان .
قال رحمه الله في ( " الشهاب " شوال 1350 هـ / فيفري 1932م ) عند تفسير قوله تعالى : {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)} [الفرقان: 27 و28 و29].
(( تحذير:
عندما تتخلل محبة شخص من الناس قلبك، وتمزج بروحك ويستولي بسلطان مودته عليك، تصير أقواله وأفعاله كلها عندك مرضية، وعيوبه ونقائصه عنك محجوبة، فتمسي طوع بنانه، ورهن إشارته، يوجهك حيث شاء ويصرفك عما أراد. وهذه حالة من أخطر الأحوال عليك، لأنك فيها قد سلبت تمييزك، وخسرت إرادتك، وصرت آلة في يد غيرك؛ فقد ترى الخير وتدعى إليه فيصرفك عنه، وقد ترى الشر وتحذر منه فيوقعك فيه.
وهب هذا الخليل كان مخلصاً لك ، وحدباً عليك، فإنه غير معصوم من الخطأ والضلال. أما إذا كان شريراً مفسداً فهنالك الهلاك المحقق، والوبال الشديد.
وقد ذكر لنا الله تعالى في هذه الآية ما كان من سوء مثال الظالم بسبب انقياده لخليله، واتباعه له من غير روية وصدق تمييز.
يحذرنا من سلطان الخلة الذي يهمل معه شأن الإرادة والتمييز، ويعلمنا أن علينا أن نحافظ على إرادتنا وتمييزنا، ونظرنا لأنفسنا مع الصديق والعدو، ومع الخليل وغير الخليل، بل نحافظ عليها مع الخليل أكثر، لأنه مظنة الخوف بما له من المكانة في القلب والسلطان على النفس.
إرشاد:
لما كان خليل المرء بهذه المنزلة فعليك أن تختار من تخالل، فلا تخالَّ إلاّ من حسنت سريرته، واستقامت سيرته، وغلب الصواب على أقواله وأعماله، ليكون دليلك إلى الخير، وسائقك إليه، مع محافظتك على إرادتك وتمييزك معه على كل حال.)) (المجلد : 1 / ص 404 ـ 405/ ط : الطالبي )