9 ـ فائدة في أن الإنسان يتعايش ويتآنس مع ما هو عليه من الطبع والأخلاق والمشاكلة
قال رحمه الله في ( " الشهاب " محرم 1352 هـ / ماي 1933 م ) : (( فطر الإنسان على محبته لنفسه، لتحمله هذه الفطرة على المحافظة عليها، والدفاع عنها، وتكميلها بكل وجوه الكمال. وكان من مقتضى هذه المحبة رغبته في الوجود والبقاء، ومما هو قوة في وجوده ومظهر لبقائه أن يرى الناس على فكره وصفاته وأحواله، فيرى نفسه ممثلة في غيره، وأفكاره وصفاته وأحواله باقية ببقاء الناس.
فالخير الكامل من طبعه، ومن مقتضى فطرته ، أنه يحب انتشار الخير والكمال في الناس ، والشرير الناقص من طبعه ومن مقتضى فطرته أنه يحب انتشار الشر والنقص فيهم. فلذا كان لازماً لتتميم وصف عباد الرحمن ذكر محبتهم الخير والكمال لغيرهم.)) (المجلد الأول / ص 492/ ط : الطالبي )
قلت ( بشير ) : قد نبه الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ على هذه النكتة النفيسة في كتابه القيم ( روضة المحبين ) (72 ـ 73) حيث قال : (( أن المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة ، وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها : أن امرأة كانت تدخل على قريش فتضحكهم فقدمت المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على من نزلت فلانة ؟ قالت : على فلانة المضحكة ، فقال : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " ، وأصل الحديث في الصحيح .
وذكر لبقراط رجل من أهل النقص يحبه فاغتم لذلك وقال : ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه .
وأخذا المتنبي هذا المعنى فقلبه وأجاد فقال :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل ))
قلت : فمن هنا تجد صاحب التوحيد و السنة والاتباع والطاعة يبحث ويحن ويشتاق إلى صاحب السنة والطاعة، وتجد صاحب النحلة الباطلة يبحث عن من يوافقه ويشاكله في نحلته وأصولها الباطلة ، بل أعظم من ذلك ، فلو اجتمعت مثلا ثلاثة نحل باطلة مختلفة في معتقداتها على صاحب الحق لاتفقت جميعها عليه لما بينهم من الجامع الذي يربطهم ألا وهو عداوة الحق وأهله ، بل تجد أصحاب القطر الواحد إذا كانوا في بلد غريب عن قطرهم يؤنس بعضهم إلى البعض في الحديث والمشاكلة والمؤانسة وإن كانوا في أوطانهم لا يجلس بعضهم إلى البعض ولا يعرف بعضهم بعضا ، ومن ذلك أيضا أصحاب الحرف ، فتجد صاحب كل حرفة يؤنس ويجلس إلى من يشاكله ويصاحبه في حرفته ، وهذا شيء مجرب




رد مع اقتباس