وتتميما للفائدة أقول : إن من عمي عنه الحق وانطمست عليه الحقائق آل به الأمر إلى أن يجد نفسه ولابد واقفا في عدة خنادق ، فإن أحيط به في خندق صاح من آخر ، وإلا فمن استبصر بالأصول وجد الحلول وزال عنه المعلول
وذلك :
إن الذي حذر من الجمعيات هم أئمة السنة ، بل أعلام السنة في هذا الزمان الشيخ الألباني والشيخ مقبل رحمهما الله والشيخ ربيع حفظه الله ولا يخفى عليكم أن هؤلاء الثلاثة أعلم بالحزبية ووسائلها في هذا العصر ، وما آلت إليه وسائلها من الفساد والإفساد ومنها الجمعيات ، فمثلا الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ أطال الله عمره في خدمة السنة ـ له قدم راسخ في هذا بل ممن يعتمد عليه في هذا الفن والصنعة وكما جاء في آداب الطلب أنه ينبغي على طالب العلم أن يأخذ علم أي الفن كان على من يحسنه ويتقنه وهؤلاء الثلاثة هم عمدة هذا الفن وفي معرفة مضار الحزبية والجمعيات
وزد على ذلك كل من أتى من بعدهم فهم عيال على علمهم وممن تكلم في فنهم ، فحري بطالب العلم أن يستمسك بسمتهم وهديهم وله في ذلك أسوة حسنة بسلفه الصالح ومن ذلك قول الإمام يحيى بن معين رحمه الله لما سئل في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: " بيت خالي، وإسناد عالي. "
فبالله عليك يا طالب العلم هل ترضى لنفسك بأن تترك هذا السند العالي والبحر وتذهب إلى السواقي !!! نعم قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر ، وفي الزوايا خبايا ، ولكن فيما نحن في بيان صدده نقول : الذي يوجد في النهر موجودا في البحر و أزيد منه وأتقن وأحقق وأنفس وأفضل وأثمن
ثم " إن المجيزين هذه الجمعيات أجازوها بضوابط معينة، والتي لا تتقيد بأغلبها هذه الجمعيات، وأما المانعون منعوا هذا لمفاسد ظاهرة، والتي لا تنفك عنها هذه الجمعيات.
فإن المتأمل للأدلة الشرعية العارف بواقع هذه الجمعيات، يدرك تمام الإدراك أن غالب هذه الجمعيات التي أخذت بظاهر فتاوى المجيزين لم تتقيد بالضوابط التي قيَّدوا به الجواز، وكذلك وقعوا في بعض المفاسد والمخالفات الشرعية التي حذَّر منها المانعون، ومن ثَمَّ لا أرضًا أبقوا، ولا زرعًا أنبتوا.
والباحث عن الحق المتجرد عن الهوى، يعلم أن الجرح المفسَّر يقدَّم على التعديل المجمل، وأن الحاظر يقدَّم على المبيح ، فلو سلمنا جدلاً أن هناك من أهل العلم من أجاز إنشاء الجمعيات الدعوية مطلقًا دون قيود وضوابط، ثم جاء آخرون من أهل العلم فقالوا بعدم جواز إنشاء هذه الجمعيات لِمَ يحتف بها من مفاسد ومحرمات ظاهرة، فمَن يقدَّم: الحاظر -الجارح جرحًا مفسرًا-، أم المبيح -المعدل تعديلاً مجملاً-؟!
بلا شك: الحاظر يقدَّم؛ لأن معه زيادة علم يجب الأخذ بها، وعدم إهمالها." وقد ذكر هذا الشيخ الفاضل خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله ومما جاء في هذا المقال ما يلي : (( .... الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه .
أما بعد، فإن تفرق الأمة إلى شيع وأحزاب وفرق محرمٌ بنص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، إلا أن قدر الله الكوني نفذ، وتفرقت الأمة، وخالفت أمر الله سبحانه بالاجتماع على المنهج الحق؛ فصار لكل حزب منهج خاص به، يفارق به منهاج النبوة الذي حمله أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل حزب بمنهجه مغرور فرح، كما قال سبحانه: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
ومن صور الحزبية التي استحدثت في الزمان القريب: هذه الأحزاب السياسية البدعية التي اتخذت الدين مطية لها؛ لتحقيق أغراضها وأطماعها في الرئاسة والملك.
ومن أجل هذا، فقد اجتمعت كلمة العلماء الربانيين على تحريم الانتماء إلى هذه الأحزاب المعاصرة، وعلى التحذير من مناهجها الفاسدة المبنية على أصول الفرق البدعية: القديمة الظهور، المستمرة إلى وقتنا هذا.
ولما رأى شياطين الإنس والجن، اجتماع كلمة السلفيين على منهاج النبوة، ونبذهم لهذه الأحزاب، راموا خرق هذا الاجتماع، بتزيينهم صورة جديدة من صور التفرق، لكنهم ألبسوها لباس المصلحة الدعوية، وهذه الصورة هو ما يسمَّى بـ: "الجمعيات الدعوية".
هذا، وإنه منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام أنشئت في مصر جمعية أهل الحديث والأثر، والتي أنشأها في دَرَوة – المنوفية: محمود الدَّرَوي –وفَّقه الله-، ثم أعقبها بحوالي عام: فرع طرة البلد-القاهرة.
ولما استشارني الدَّروي في شأن إنشاء الجمعية وافقته بادي الرأي؛ من أجل أن تكون خَلَفًا لجمعية أنصار السنة التي أنشأها العلامة محمد حامد الفقي –رحمه الله- على منهج السلف الصالح، وكذلك أن تصير نواة لمدارس حديثية تملأ ربوع مصر على غرار مدارس الحديث في اليمن، والتي وضع نواتها العلامة المحدث مقبل بن هادي –رحمه الله-، ونحو المدارس الحديثية التي ملأت الهند، وخرج منها ثلة من العلماء الفحول.
وأن تكون الجمعية منفذًا رسميًّا للدعوة السلفية في مصر يعترف به ولاة الأمر، ويتمكن أهل العلم وطلبة العلم من خلاله من بثِّ دروسهم والقيام بدعوتهم على أوسع نطاق في مختلف أنحاء مصر دون أي عراقيل
فكان تشجيعي لمن أنشأ الجمعية نابعًا من هذا المنطلق: العلم والتعليم والدعوة، وأن يكون الهدف إخراج طلبة علم راسخين في علمهم، لعلَّ الله سبحانه يتفضل على أحدهم ويصير عالِمًا ربانيًّا يغير الله به وجه هذه البلاد، ويطهرها من مظاهر الشرك والوثنية والبدع والمحدثات.
وكان إقراري إياها مصحوبًا بالتحذير من مغبات الحزبية، ومن خطورة الانزلاق في التعاملات المشبوهة التي قد تحتف بمثل هذه الجمعيات، وأنها وإن سميت في القانون المصري الذي ينظم هذه الجمعيات: "جميعة"، إلا أني لم يكن إقراري لها على هذه الصفة المشهورة عن الجمعيات الدعوية القائمة على جمع التبرعات وكفالة الأيتام...إلخ، إنما لتكون مدرسة حديثية على غرار مدرسة دماج التي أنشأها العلامة مقبل بن هادي –رحمه الله-،.....
قلت: وفي عمر الجمعية القصير،كنت دائم النصح لإخواننا القائمين على الجمعية لتصحيح مسارهم، ولسدِّ أي باب يُفتح عليهم قد يكون سببًا لانحراف الجمعية عن هدفها الواضح الذي بيَّناه آنفًا.
ولكنَّ الخطأ الذي وقعت فيه هو التسرع في إقراري لإنشاء الجمعية دون أن أعطي لنفسي الوقت الكافي لتمحيص مسألة حكم إنشاء الجمعيات –والذي بيَّناه في بداية هذه المقدمة-، مع دراسة فتاوى الأكابر من أهل العلم من المجيزين والمانعين.
واعلم –فهمك الله- أن العلماء الذين أجازوا إنشاء الجمعيات الدعوية، أجازوا هذا بضوابط وقيود، لم يجيزوها على الإطلاق.
وأن العلماء المانعين ابتداء من إنشاء هذه الجمعيات، منعوا هذا لعدة مفاسد ومخالفات شرعية لا تنفك عنها –في الغالب الأعم- أي جمعية دعوية.
وبعد دراسة متأنية لهذا الموضوع –والتي وضعت لك زبدتها في هذا البحث- تبيَّن لي أنه لا تعارض بين فتاوى المجيزين والمانعين، كما سوف يظهر لكل منصف تجرد عن الهوى؛ حيث إن المجيزين –كما سبق- أجازوا هذا بضوابط معينة، والتي لا تتقيد بأغلبها هذه الجمعيات، وأما المانعون منعوا هذا لمفاسد ظاهرة، والتي لا تنفك عنها هذه الجمعيات.
فإن المتأمل للأدلة الشرعية العارف بواقع هذه الجمعيات، يدرك تمام الإدراك أن غالب هذه الجمعيات التي أخذت بظاهر فتاوى المجيزين لم تتقيد بالضوابط التي قيَّدوا به الجواز، وكذلك وقعوا في بعض المفاسد والمخالفات الشرعية التي حذَّر منها المانعون، ومن ثَمَّ لا أرضًا أبقوا، ولا زرعًا أنبتوا.
والباحث عن الحق المتجرد عن الهوى، يعلم أن الجرح المفسَّر يقدَّم على التعديل المجمل، وأن الحاظر يقدَّم على المبيح ، فلو سلمنا جدلاً أن هناك من أهل العلم من أجاز إنشاء الجمعيات الدعوية مطلقًا دون قيود وضوابط، ثم جاء آخرون من أهل العلم فقالوا بعدم جواز إنشاء هذه الجمعيات لِمَ يحتف بها من مفاسد ومحرمات ظاهرة، فمَن يقدَّم: الحاظر -الجارح جرحًا مفسرًا-، أم المبيح -المعدل تعديلاً مجملاً-؟!
بلا شك: الحاظر يقدَّم؛ لأن معه زيادة علم يجب الأخذ بها، وعدم إهمالها.
وسوف يظهر لك –أيها القارئ المنصف- أنه لما عرضت بعض هذه المحرمات والمفاسد على بعض المجيزين من أهل العلم، كانت فتواهم موافقة للمانعين.
وسوف يظهر لك أيضًا أن الجمعيات التي تنشأ تبعًا للقانون الوضعي القائم على المنهج الديمقراطي يصعب تلافي مفاسدها -بل من الناحية العملية قد يستحيل تلافي بعضها-، حيث إن بعض هذه المفاسد هي مفاسد ذاتية في الجمعيات، أي: لا تنفك عنها.
لذلك فإني أقول -مؤكِّدًا-: أنا أبرأ إلى الله سبحانه من الحزبية، ومن الجمعيات الحزبية.... )) ا.هـ ( شبكة سحاب )
فمن كلام الشيخ خالد حفظه الله يستفاد أن الجمعيات وسيلة إلى تفريق الأمة لا اجتماعها ، وأن الذي يحذر من إنشاء الجمعيات ومباشرة العمل من خلالها يسعى إلى جمع كلمة أهل السنة والجماعة فمن الجرم وقلب الموازين أن يقال عنه بأنه يسعى إلى تفريق الأمة ، فمن ظن هذا الظن فأقل الشيء في حقه أن نقول عنه أنه ما عرف مكر الحزبية ووسائلهم وإن كانت نيته إن شاء الله صالحة مع حبه الخير لمنهجه السلفي المبارك
ثم انظروا بارك الله فيكم فالشيخ خالد كان يأمل من هذه الجمعية أن تخدم السنة والعلم كما خدمتها مدرسة دماج ولكن شتان بينهما فهذه بنيت على السنة وآخر بنيت على وسيلة ماسونية وإن سميت جمعية أهل الحديث والأثر فالأسماء لا تغير شيء وإنما العبرة بالحقائق وما تؤول إليه الأمور
ثم نأتي إلى مسألة تحقيق المصالح وتخفيف الشر الذي يدعيه أصحاب الجمعيات ما هي المصالح التي حققتها الجمعيات منذ إن نشأت !!!؟؟؟ فقد عرفنا الشر الذي وقع من جرائها وخرج منها بل مفاسد ، ومنها التحسين والتحزب والمعاصي ، فنريد أن نعرف المصالح التي تحققت منها ؟؟!!
فنحن نتظر الجواب ؟؟ ولا ندري كم سنة نتظر ؟؟؟ وإلى متى ؟؟؟
ثم الذين فتحوا تلك الجمعيات فهل قبل إقدامهم على إنشائها استشاروا الشيخ الوالد ربيع بن هادي حفظه الله بصفته أنه أعلم بهذه الوسيلة وما تؤول إليه من الشر ومقدار المصالح المتحققة منها ؟؟
أم أنهم تورطوا ويريدون الآن المخرج والمنفذ بالتكلف والتعسف في الاستدلال لها ، مع ما هم فيه من الصياح من جراء الجراحات التي أصبتهم فاستثقل عليهم الدواء والعلاج !!!
ثم ما هذه الإلزامات والإطلاقات والتجاوزات في كلام شيخنا ربيع حفظه الله ، والله أنا واحد من الناس ما استطيع أن أزد فيه حرف من حروفه وتحميله ما لا يحتمل وأنا لا أدري كيف خرج ، حسبي أن أقف عنده ولا أزد عليه ممتثل قول عاصم بن يوسف أنه قيل له : أنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة فقال : إن أبا حنيفة قد أوتي ما لم نؤت فأدرك فهمه ما لم ندرك ونحن لم نؤت من الفهم إلا ما أوتينا ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم من أين قال ؟ " ( صلاة التروايح / 95 )
وإلا فمن يريد أن يحمل كلام الشيخ حفظه الله على ما يريد ويهواه فليسأل الشيخ بارك الله في علمه وعمره قبل أن يقدم على هذا الفعل الشنيع الفظيع إن كان صادقا
وفي الأخير أوجه نصيحتي للشاب السلفي الغيور على منهج نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى دعوة سلفه الصالح من أئمة الحديث والأثر أن يحافظ على هذه الدعوة وأصولها وأن يلزم غرز أئمتها الكبار الذين عهدناهم بالنصح والصدق وحرب للحزبية ووسائلها ، وممن اشتهروا بذلك وذاعت وشاعت دعوتهم من أول اليوم وإياك من بنيات الطريق وأهلها وكواليسهم الذين ما يتولد منهم إلا العدوان والبغي والتفرق والتحزب كما نراه من أصحاب الجمعيات ، والله لو لم تكن هذه الجمعيات وسيلة إلى الشر والتفرق والعدوان والبغي فلماذا أهلها يوالون عليها ويعادون فمن داهنهم عليها وسكت عنهم جاملوه ومن نصحهم في تركها وإغلاقها وسد باب شرها شنوا عليه الغارات كما هو ملاحظ فهذه هي بدايتهم ، فكيف إن طال بهم الأمد وبعد عنهم العهد وضاقت عليهم الطريق فكيف سيكون مآلهم معها ؟؟؟ وماذا سنجني منهم ؟؟ فلا أظن أنهم خير ممن سبقهم ممن أنشأ الجمعيات باسم الدعوة والخير فكان مآل أمره الضياع والابتداع وتسفيه أهل الإتباع ، وإلا والله صدق أئمتنا من التحذير من هذه الجمعيات وكذبوا هؤلاء ولا يسعنا إلا ما وسع أئمتنا فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ونصائحهم لنا آثار يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فلا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله في " مجموع الفتاوى " (1 / 14 ـ 17 )
(( { وَمَا تَفَرَّقُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } فَأَخْبَرَ أَنَّ تَفَرُّقَهُمْ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ مَجِيءِ الْعِلْمِ الَّذِي بَيَّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَا كَانَ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ . [ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ مَا تَفَرَّقُوا إلَّا بَغْيًا ، وَالْبَغْيُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ . . . : الْكِبْرُ وَالْحَسَدُ ] ؛ وَهَذَا بِخِلَافِ التَّفَرُّقِ عَنْ اجْتِهَادٍ لَيْسَ فِي عِلْمٍ ، وَلَا قَصَدَ بِهِ الْبَغْيَ كَتَنَازُعِ الْعُلَمَاءِ السَّائِغِ ، وَالْبَغْيُ إمَّا تَضْيِيعٌ لِلْحَقِّ ، وَإِمَّا تَعَدٍّ لِلْحَدِّ ؛ فَهُوَ إمَّا تَرْكُ وَاجِبٍ ، وَإِمَّا فِعْلُ مُحَرَّمٍ ؛ فَعُلِمَ أَنَّ مُوجِبَ التَّفَرُّقِ هُوَ ذَلِكَ .
وَهَذَا كَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فَأَخْبَرَ أَنَّ نِسْيَانَهُمْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ - وَهُوَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِبَعْضِ مَا أُمِرُوا بِهِ كَانَ سَبَبًا لِإِغْرَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ ، وَهَكَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي أَهْلِ مِلَّتِنَا مِثْلَمَا نَجِدُهُ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُتَنَازِعَةِ فِي أُصُولِ دِينِهَا ، وَكَثِيرٍ مِنْ فُرُوعِهِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَمِثْلَمَا نَجِدُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ ؛ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الموسوية أَوْ العيسوية حَتَّى يَبْقَى فِيهِمْ شَبَهٌ مِنْ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ : لَيْسَتْ الْأُخْرَى عَلَى شَيْءٍ . كَمَا نَجِدُ الْمُتَفَقِّهَ الْمُتَمَسِّكَ مِنْ الدِّينِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُتَصَوِّفَ الْمُتَمَسِّكَ مِنْهُ بِأَعْمَالِ بَاطِنَةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا يَنْفِي طَرِيقَةَ الْآخَرِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ ، أَوْ يُعْرِضُ عَنْهُ إعْرَاضَ مَنْ لَا يَعُدُّهُ مِنْ الدِّينِ ؛ فَتَقَعُ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ . وَذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِطَهَارَةِ الْقَلْبِ ، وَأَمَرَ بِطَهَارَةِ الْبَدَنِ ، وَكِلَا الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الدِّينِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ . قَالَ تَعَالَى : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } وَقَالَ : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } وَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } وَقَالَ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } وَقَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } وقال : { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } وَقَالَ : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . فَنَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ ، إنَّمَا هِمَّتُهُ طَهَارَة الْبَدَنِ فَقَطْ ، وَيَزِيدُ فِيهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ اهْتِمَامًا وَعَمَلًا . وَيَتْرُكُ مِنْ طَهَارَةِ الْقَلْبِ مَا أُمِرَ بِهِ ؛ إيجَابًا ، أَوْ اسْتِحْبَابًا ، وَلَا يَفْهَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَّا ذَلِكَ .
وَنَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ ، إنَّمَا هَمَّتْهُ طِهَارَةُ الْقَلْبِ فَقَطْ ؛ حَتَّى يَزِيدَ فِيهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ اهْتِمَامًا وَعَمَلًا ؛ وَيَتْرُكُ مِنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ مَا أُمِرَ بِهِ إيجَابًا ، أَوْ اسْتِحْبَابًا .
فَالْأَوَّلُونَ يَخْرُجُونَ إلَى الْوَسْوَسَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ ، وَتَنْجِيسِ مَا لَيْسَ بِنَجِسِ ، وَاجْتِنَابِ مَا لَا يُشْرَعُ اجْتِنَابُهُ مَعَ اشْتِمَالِ قُلُوبِهِمْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْغِلِّ لِإِخْوَانِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْيَهُودِ . وَالْآخَرُونَ يَخْرُجُونَ إلَى الْغَفْلَةِ الْمَذْمُومَةِ ، فَيُبَالِغُونَ فِي سَلَامَةِ الْبَاطِنِ حَتَّى يَجْعَلُونَ الْجَهْلَ بِمَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ الشَّرِّ - الَّذِي يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ - مِنْ سَلَامَةِ الْبَاطِنِ ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ سَلَامَةِ الْبَاطِنِ مِنْ إرَادَةِ الشَّرِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَبَيْنَ سَلَامَةِ الْقَلْبِ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ الْمَعْرِفَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا ثُمَّ مَعَ هَذَا الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ قَدْ لَا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَاتِ ، وَيُقِيمُونَ الطِّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى . وَتَقَعُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِسَبَبِ تَرْكِ حَظٍّ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَالْبَغْيِ الَّذِي هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ إمَّا تَفْرِيطًا وَتَضْيِيعًا لِلْحَقِّ ، وَإِمَّا عُدْوَانًا وَفِعْلًا لِلظُّلْمِ . وَالْبَغْيُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَتَارَةً يَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَلِهَذَا قَالَ : { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ بَغَتْ عَلَى الْأُخْرَى ، فَلَمْ تَعْرِفْ حَقَّهَا الَّذِي بِأَيْدِيهَا وَلَمْ تَكُفَّ عَنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا ........
فَظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ الِاجْتِمَاعِ وَالْأُلْفَةِ جَمْعُ الدِّينِ وَالْعَمَلُ بِهِ كُلِّهِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا أَمَرَ بِهِ بَاطِنًا ، وَظَاهِرًا ، وَسَبَبُ الْفُرْقَةِ : تَرْكُ حَظٍّ مِمَّا أُمِرَ الْعَبْدُ بِهِ ، وَالْبَغْيُ بَيْنَهُمْ . )) ا.هـ
والحمد لله رب العالمين




رد مع اقتباس