الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فإنه مما هو مستقر في الشريعة المحمدية والملة الحنفية أن الله عز وجل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الكتاب لغاية أسمى وهي تحقيق مصالح العباد في دينهم ودنياهم وفي معاشهم ومعادهم ، ومن هنا رعى الإسلام الضروريات الخمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل ، وكان هدفه جلب المصالح و تكميلها ودفع المضار و تقليلها ، ولم يوكل هذا إلى عقول عباده وخاصة ما كان شأنه العبادات والغيبيات ، فالعبد لا يهتدي إلى مصلحة نفسه إلا بتوفيق الله ، فكيف يهتدي إلى مصلحة غيره ، ومن باب الأولى كيف يعرف مصالح التشريع ويتصرف فيها استقلالا من غير مستند له من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة
يقول الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ : (( أن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة تربي في الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها)) ([1])
ومن أعظم تلك العبادات التي تكلف الشارع ببيانها والتنصيص على مصالحها وطرقها الشرعية ووسائلها السلفية الدعوة إلى الله تعالى فهذه العبادة العظيمة قد حث عليها الشارع وجعل أهلها أحسن الناس قولا وأفضلهم عملا فقال جل في علاه : (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )) فصلت: 33 ، وقال: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) يوسف: 108 .
وقال : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )) النحل: 125 .
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال :
(( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأتي رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَقِ دعوةَ الظلومِ؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجابٌ )). متفق عليه
فإذا كانت هذه العبادة وهذا شأنها فلابد من مراعاة فيها شرط صحة العبادة التي لا تصح إلا بها وهي الإخلاص والمتابعة لقوله تعالى : ((فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) الكهف : 110 ، وما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد )) ، وفي رواية لمسلم : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) .
وعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله كانت هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فجرته إلى ما هاجر إليه )).
فإذا تقرر هذا فلابد للداعية إلى الله أن يراعي هذين الشرطين عند القيام بها ليكون عمله صالحا متقبلا .
قال ابن قاسم - رحمه الله تعالى - ، في " شرح التوحيد " : (( ولا بد في الدعوة إلى الله تعالى من شرطين : أن تكون خالصة لله تعالي ، وأن تكون على وفق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن أخل بالأول كان مشركاً وإن أخل بالثاني كان مبتدعاً )). ا هـ.([2] )
فإذا عرفنا هذا ، فلا يحل لأحد أن يشرع فيها أو في وسائلها ما لم يأذن به الله وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم ، وهذا القول هو الذي شهدت النصوص بأحقيته وقام عليه عمل السلف الصالح .
وإننا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأمته وسائل الدعوة سواء بالقول أو الفعل أو بهما ،
إذ كيف يبين صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة ونحو ذلك ويدعو وسائل الدعوة التي لا قيام للإسلام إلا بها ؟
وبما أنه عليه الصلاة والسلام قد بين ذلك ، فإن بيانه صلى الله عليه وسلم هو الطريقة الشرعية التي يرشد بها الغاوى ويهدى بها التائه ، وهي الطريقة التي أخرج بها النبي صلى الله عليه وسلم الناس من الظلمات إلي النور ، وهداهم بها إلي التي هي أقوم ، وسلكها من بعده صحابته الكرام وتابعوهم بإحسان وأشتد نكيرهم على من خالفها من الدعاة ، وأحدث فيها ، فليس من سبيل في إيجاد مجتمع كمجتمعهم إلا بهذه الوسائل الشرعية والطرق السلفية ، كما قال الإمام مالك - رحمه الله تعالى - : (( لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها )).([3] )
وعليه ففي الوسائل الشرعية غنية وكفاية عن الوسائل البدعية ، إذا ما من طريق فيه مصلحة للدعوة إلا وقد سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرعه لأمته .
فالخطب المشروعة كخطب الجمعة ، والعيدين : من أعظم الوسائل النافعة في الدعوة ، حيث يطرق فيها الخطيب كل موضوع تحتاجه الأمة في عباداتها ، ومعاملاتها ، وأخلاقها وسلوكها .
وفي الحِلق العلمية - التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعوهم - - ما يكفل بث العلم ونشره ، وتقريبه لم أراده .
وفي الإفتاء والاستفتاء ما يقوم المسلمين في شئون دينهم ودنياهم ويسيرهم في ذلك على شرع الله تعالى .
وفي الجهاد في سبيل الله تعالى ، ما يضمن انتشار الإسلام في أنحاء الأرض ... وهكذا فلوسائل الشرعية كثيرة جداً ، تفي بحاجة الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان .
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله تعالى - : (( ومن رحمة الله تعالى بعباده ، وبالغ حكمته في تشريعه لما يصلح الله به العباد والبلاد أنه - سبحانه - لما شرع الجهاد ، وشرع للأمة وسائل متعددة في ذلك ، ولم يجعلها إلى عقولهم ، بل أحالهم على ما شرعه لهم : فالجهاد بالنفس ، والجهاد بالمال بالقوة ... والدفاع كذلك .
وتغيير المنكر باليد وهذا لذي سلطان ، كرجال الحسبة وباللسان، ومثله القلم . وبالقلب .
والأمر بالمعروف كذلك .
والنصيحة لائمة المسلمين وعامتهم بالتي هي أحسن : مناصحة بالكلمة ، ومناصحة بالكتابة ، وتذكير بأيام الله .
والدعوة تكون بالوظائف المرتبة في الإسلام : خطب الجمع والعيدين ، والحج ، وبالتعليم ، ومجالس الذكر والإيمان ، والصدع بكلمة الحق : ببيانها حتى يكشف الله الغمة عن الأمة .
وبفتوى عالم معتبر ، بغير الله بها الحال إلى أحسن ، فتعمل ما لا تعمله الأحزاب في عقودٍ .
وهكذا بعمل فردي من عالم بارع ، ينشر علمه في الأمة : في إقليم ، في ولاية ، في مدينة ، في قرية ... وهكذا .
وبعمل جماعي على رسم منهاج النبوية لا غير ، كجماعة الحسبة ودور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،ومراكز الدعوة ورابطة العلماء )) اهـ. ( حكم الانتماء ) ( 157 ـ 158 )
وهذا الأمر - وهو شمولية الوسائل الشرعية - في غاية الظهور والوضوح ، لمن تأمل النصوص الشرعية ، ونظر في السير السلفية .
فلكم أسلم بسببها من كافر ،وتاب بها من فاسقٍ ، واهتدى بها من ضال ، واسترشد بها من غاوٍ .
وإنما يهزل المسلمون ، ويضعفون إذا كانت الوسائل البدعية هي السائدة بينهم ، لأن هذه الوسائل لا تخرج إلا منحرف المعتقد ، ضعيف الإيمان ، متلطخاً بأوضار البدع .
وهذه الوسائل البدعية إنما يصار إليها عند ضعف التمسك بآثار النبوة ، فإنه " كلما ضعف تمسك الأمم بعود أنبيائهم ، ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك ". ([4])
وإذا تعلقت القلوب بهذه البدع فإنها تحجب عن السنن بحيث لا ترى فيها ما تراه في تلك المحدثات ، ومن ثم تزهد فيها ، وترغب عنها .
وقد روي الدارمي بسند صحيح عن حسان بن عطية - رحمه الله - أنه قال : (( ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لا يعيدها إليهم إلي يوم القيامة )).
وقد روى ذلك من قول أبي هريرة – رضي الله عنه - ويروى مرفوعاً ولا يصح .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : (( فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته ، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره .
بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ، ومنفعته به ، ويتم دينه ، ويكمل إسلامه ، ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه : تنقص رغبته في سماع القرآن ، حتى ربما كرهه ، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها : لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة
ومن أدمن على أخذ الحكمة والأدب من كلام حكماء فارس والروم : لا تبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع ، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم : لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ، ونظير هذا كثير ، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها )). رواه الإمام أحمد ([5] ) .
وهذا الأمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء ،والعباد والأمراء ،والعامة ، وغيرهم .
ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع ، وكرهتها ، لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافاً عليه ولا له لكان الأمر خفيفاً ، بل لابد أن يوجب له فساد منه تقص منفعة الشريعة في حقه ، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه ...) اهـ. ( اقتضاء الصراط / 1 / 483 ـ 484 ) ([6] )
فمن هذا الباب أشتد نكير سلفنا الصالح على القصاص وعلى أهل السماع المجرد ، وفي زمننا هذا على أهل التمثيل والمسرح والأناشيد الإسلامية فلا يخرج عن ذلك مما نحن نريد بيانه وفي صدد تفتيت شبه أهله، الجمعيات البدعية التي أصلها من تنظيمات الماسونية ، فإذا كان سلفنا الصالح صاح على أهل السماع الذين ما كان عملهم يتجاوز مجرد تلحين بعض القصائد والترنم بها وما ذاك إلا لقصد إصلاح القلوب وهداية الضال وجذب المعرض عن ذكر إلى الخير والصلاح ، فماذا نقول بالله عليكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن الجمعيات التي أصل منشأها تحطيم الإسلام لا إرادة الخير لأهله !!!
ألا يكفي لدعاة الجمعيات هذه عبرة و هذه وقفة من سلفنا الصالح مع أهل البدع من سد عليهم باب الابتداع في وسائل الدعوة إلي الله !!! ما لهم أصلحهم الله يتكلفون ويتعسفون في استدلالاتهم لتبرير مشروعية وسيلة يهودية في دعوتنا السلفية : مرة أنها ضرورة ... ومرة أنه لم ينه عنها على الإطلاق بل تعمل في أحوال دون الأحوال ولقوم دون القوم !!! ... ومرة أنها مصلحة دعوية ... ومرة أنها لتخفيف الشر وتقليل المفاسد ... ومرة ينفع الله بها ... ووو
عجيب عجيب لما وصل إليه إخواننا ممن نأمل فيهم رفع راية أهل الحديث وإحياء سنن أهل الأثر في أيام شدة فيها غربة أهل السنة والجماعة !!! بحيث أصبحت أصولهم السلفية ، أصول الغلاة والتجريح عند المميعة الذين ميعوا منهجهم بسبب التذبذبات والتعسفات والتكلفات التي سلكوها في مداهنة الباطل وأهله ومناهجهم وسائلهم ، ما ذاك إلا لضعفهم في مقاومة الباطل ووحشة قلة السالك في مجتمع عم فيه الفساد وطم إلا من رحمه الله ، مع عدم بصيرتهم بالطرق الإصلاحية السلفية التي سلكها سلفنا الصالح في الإصلاح والتجديد وعدم حسن ظنهم فيما جعل الله فيه البركة والخير ، وانخداعهم بالوسائل المستحدثة المصطنعة الجديدة التي اتخذتها الماسونية مطية لتحطيم الدول الإسلامية
يا أخي إني أنبه وأذكر لعلك تنتبه وتتفكر فيما حملت وأرجفت به يديك من غير تأمل ولا نظر في قول الأخ : " إن النهي عن الجمعيات ليس على إطلاقه, وذلك حين تؤسس جمعية على أسس شرعية واضحة تخدم الكتاب والسنة لا تدخل قطعاً في النهي "
مع إنه قد بينا وهاء هذه العلة العليلة بما ذكرناه من الفوائد الجليلة ، فكان أولى بك إن كنت من أهل التحقيق وممن شأنك التدقيق إن تأتينا بفرائد نبيلة مستخرجة من بحر عميق ، أما تكتفي بتحصيل الحاصل وتستغني بالتذليل وهو قد سبق أن قتله الدليل ، فهذا منك عند العقلاء يعد من التطويل الذي ليس تحته طائل إلا التشغيب و التهويل
وذلك :
هل يصح يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعدما ظهرت مخازي الجمعيات وأنه ما من جمعية تأسست إلا وتحزبت كما يشهد بذلك الواقع فنأتي ونقول بعد هذا كله : إن النهي عن الجمعيات ليس على إطلاقه بالله عليكم ؟؟ ألا يكفي في ضعف هذه المقولة من قولنا فيما قلناه سابقا : " ولو سلمنا بذلك لكان لهذا وجه عند ابتداء ظهور هذه الجمعيات وتأسيسها , فالأنظار تختلف في الشيء الجديد.
أمّا أنّ المسلمين مع كل هذه المدة من ظهور هذه الجمعيات يلهثون وراء ذلك, وما رجعوا إلا بخفي حنين, فهل نضرب بتجارب المسلمين خلال هذه الفترة الطويلة ؟ ونعيد أذهاننا إلى الوراء عند بداية ظهورها؟, فأين حديث رسول صلى الله عليه وسلم ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين))؟ متفق عليه من حديث أبي هريرة. "
ويزيد وضوح وهاء حجتهم قول الشيخ خالد حفظه الله " إن المجيزين هذه الجمعيات أجازوها بضوابط معينة، والتي لا تتقيد بأغلبها هذه الجمعيات، وأما المانعون منعوا هذا لمفاسد ظاهرة، والتي لا تنفك عنها هذه الجمعيات.
فإن المتأمل للأدلة الشرعية العارف بواقع هذه الجمعيات، يدرك تمام الإدراك أن غالب هذه الجمعيات التي أخذت بظاهر فتاوى المجيزين لم تتقيد بالضوابط التي قيَّدوا به الجواز، وكذلك وقعوا في بعض المفاسد والمخالفات الشرعية التي حذَّر منها المانعون، ومن ثَمَّ لا أرضًا أبقوا، ولا زرعًا أنبتوا.
والباحث عن الحق المتجرد عن الهوى، يعلم أن الجرح المفسَّر يقدَّم على التعديل المجمل، وأن الحاظر يقدَّم على المبيح ، فلو سلمنا جدلاً أن هناك من أهل العلم من أجاز إنشاء الجمعيات الدعوية مطلقًا دون قيود وضوابط، ثم جاء آخرون من أهل العلم فقالوا بعدم جواز إنشاء هذه الجمعيات لِمَ يحتف بها من مفاسد ومحرمات ظاهرة، فمَن يقدَّم: الحاظر -الجارح جرحًا مفسرًا-، أم المبيح -المعدل تعديلاً مجملاً-؟!
بلا شك: الحاظر يقدَّم؛ لأن معه زيادة علم يجب الأخذ بها، وعدم إهمالها." ا.هـ
ثم فحوى كلامكم يدل على أن الأصل في الجمعيات التحريم إلا إذا حققت مصلحة فتستثنى من هذا التحريم .
فنقول للقوم فهل هذه المصلحة التي تدعونها محققة أو ظنية ؟؟
وبالله عليكم لا داعي من قولكم أن هذه الجمعية شعارها الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ، فهذا لا يبرر شيئا ولا يشفع شيئا ، مما عرفناه من الواقع أنه ممن الدعوة ظهرت نهيك عن منهجها إلا وقامت بهذا الشعار المطاط ، بل جميع الفرق الضالة ما كان شعارها إلا الحق سواء الرافضة أو الخوارج أو الصوفية أو المعتزلة أو الأشاعرة وغيرهم .
فإن قلتم ظنية ونرجو ونأمل ... فقد دفعتم بالأمة السلفية إلى الهلاك والدمار مما تتخيلون وتتوهمون وعليه تبنون الأحكام ، وإلا فشرعتنا الحكيمة مبنية على اليقين " ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ " ، أما الظنون فهو باب الوساوس والقلق والاضطراب والتذبذب .
وإن قلتم مصلحة محققة هذا ضرب من التكذيب ما عليه واقع الجمعيات وما أثرته على الأمة الإسلامية من المعاطب والمهالك ، وحال القائل هذه المقولة كحال ممن يكذب كذبة فيصدقها ، ويدعو الناس إليها .
والذي يوضح ذلك أنه ما من جمعية تأسست إلا وانحلت وخربت وتحزبت ، وقد عرفتم ما ترتب على الجمعيات من الفساد والإفساد مما ذكرناه سابقا ، ونزيد بيانا وتوضيحا لعل القوم يستيقظون من سباتهم
لا يخفى عليكم أن الشريعة الإسلامية جاءت للحفاظ على الضروريات الخمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل ، وأن الجمعيات الماسونية مما تخل بهذه الضروريات العظيمة وتهتك حرمتها
فأولها : الدين : فمن أهم مطالب الشرع أن لا يتفرق الناس في دينهم فاجتماع الناس على دين واحد هذا مطلب من المطالب الضرورية ، وإذا صار الخلاف في الدين فإنه حينئذ يكون هناك بعد عن المصالح المرجوة في الأمة وذهاب إلى الفساد والاختلال والضياع قال الله تعالى : (( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه )) الشورى : 13 ، هذا مما أجمعت عليه الرسل وهو مصلحة الدينية العامة "([7] ) ، وأن الجمعيات مما تخل بهذا الأصل الأصيل بل ما هي إلا سبب التفرق والتفريق والتحزب كما آل أمر جميع الجمعيات التي أنشئت من عهدها الأول إلى يومنا هذا ، فكيف لو زدنا أنها بوابة الابتداع والتشريع والتحسين كما هو حال أهلها ، بل ما هي إلا وكر من أوكار تصوير ذوات الأرواح ووسيلة من وسائل الانتخابات وهي مما يعقد عليها الولاء والبراء ، ونهيك ما فيها من الغش والخيانة في الدعوة على الله والمداهنة والمجاملة على الباطل ، فواحدة من هذه الوحدات تعد من الطامات والمخلات بالعقيدة السلفية فكيف بها إذا اجتمعت فماذا يكون حال أهلها وما قيمة هذا المطلب العظيم عندها وفي ساحتها بما أوقعت فيه من الجنايات المهلكة ؟!! نترك الجواب للعاقل اللبيب
ثانيا : النفس : فقد عنى الشارع بالنفس عناية فائقة، فشرع من الأحكام ما يحقّق لها المصالح ويدرأ عنها المفاسد، وأرشد إلى ما يحميها ويقيها مما يكون سببا في هتك حرمتها ، وما ذاك إلا لحفظها وصيانتها من الاعتداء عليها بالقول والفعل ، ومما يعلم ولا يخفى عليكم يا معشر طلبة العلم أن الابتداع والتحزب سبب الاختلاف و الاختلاف سبب الاقتتال وإزهاق النفوس البريئة ، والجمعيات وسيلة حية لهذا الاختلاف بل أصبحت في عصرنا هذا من أكبر أوكار الاختلاف والافتراق وكل واحدة تدعي أنها محقة وصاحبتها على الباطل
روى عبدالله بن أحمد بن حنبل عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، قال ابن عباس، فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا في القرآن يومهم هذه المسارعة، قال فزجرني عمر رضي الله عنه ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئباً حزيناً، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي فقال: مالذي كرهت مما قال الرجل آنفاً، فقلت يا أمير المؤمنين متى يتسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى يحتقوا يختصموا ومتى يختصموا يختلفوا، ومتى يختلفوا يقتتلوا، قال لله أبوك إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها " ([8] )
قلت ـ العلامة يحيى النجمي رحمه الله ـ : ما أشبه الليلة بالبارحة إن الاختلاف الذي خافه عبدالله بن عباس ووافقه عليه عمر رضي الله عنهما على أمة محمد قد وقع ثم وقع ثم وقع وما تفرقت أمة محمد شيعاً وأحزاباً كمن سبقهم إلا بسبب الاختلاف، وكان أول خلاف وقع في هذه الأمة هو خلاف الخوارج ثم خلاف الروافض بقيادة زعيمهم عبدالله بن السوداء الذي زعم لهم أن علياً لم يمت وأنه في السحاب ثم خلاف القدرية ثم المعتزلة ثم المرجئة ثم الجهمية.
والشاهد من هذا الأثر أن المحاقة موجبة للاختلاف، ومعنى المحاقة: أن كل واحد من المتخاصمين يقول الحق معي، وهي معنى قوله يحتقوا، ومتى يحتقوا يختلفوا، ومتى اختلفوا اقتتلوا، إما بالألسن والأقلام وإما بالأيدي والسيوف ." ا.هـ ([9] )
رحم الله العلامة المحدث يحيى النجمي قد صدق ورب الكعبة فيما نبه عليه ما عليه الواقع المرير من التمزق والافتراق ، وتعظم المصيبة أن يكون هذا التمزق بين أهل الحق ومنهج أهل الصدق وترى الخرق يتسع على الراتق ، فهل وهذه الحالة نسكت ونسلم ، ونترك الأمواج تفعل بنا ما شاءت !! ويكون حالنا كمن ألقي في اليم مكتوفاً وقيل له إياك إياك أن تبتل بالماء !! أما نواجه ونصارع ونتحمل ونحمي سفينتنا من تلك الأمواج ؟؟
بالطبع سيكون جواب العقلاء الشرفاء : أن نسعى للمواجهة والمصارعة والتحمل ما يصيبنا من المشاق والأعباء من أجل حماية دعوتنا والمحافظة عليها وصيانتها من كل الدخيل .
وعليه وهذه الحالة فصاحب السنة سيسعى إلى جمع كلمة الأمة بالطرق الشرعية والوسائل السلفية ويدعو إلى السنة ويصدع بالحق الذي عنده ويشرح محاسنه ويوضح معالمه ويبين حكمه، وفي مقابل هذا تجده ينشط في التحذير والتنبيه على مضار العوامل الداخلية والخارجية التي تضر بدعوته السنية ويبالغ من التنفير والتحذير من هذه العوامل الخبيثة بأنجع العبارات وأنفع البيانات بما يسد ويقطع الطرق المؤدية إلى المخالفات المضلات التي منشأها السفسطات ، فيدفعها بالسنة ويرفعها بالحكمة .
أما أصحاب التشغيبات وممن ركب المضلات وجلب تلك العوامل المستدمرة الخبيثات فسيسعى أن يحافظ على تلك البضاعة الكاسدة وينشأ لها سوقا حتى تفرض كيانها بعد أن ظفرت على مكانها في الأمة بين العامة
ومصداق ذلك إنه لما بينا زيف ووهاء الجمعيات البدعية وذكرنا أنها ما هي إلا وسيلة ماسونية لا تخدم الشريعة مهما ألبسناها من الألبسة الشفافة فلا يشفع لها ذلك أن تكون وسيلة مشروعة ، وبرهنا على ذلك بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة ، قاموا علينا بني جلدتنا ببكاء وصياح ممزوج بالشتم والسباب ، وإن كنا نتوقع من القوم أكثر من ذلك حيث لو كنت في مجمعهم على قرب منهم لانهالوا عليك بالضرب ، وهذا ليس ببعيد وما يخفى على اللبيب مما عليه أخلاق أهل التشغيب .
وإلا فصاحب السنة يدعو إلى السنة ولا يجادل عليها " وكان مالك يكره المجادلة عن السّنن ، وجاء عن الهيثم بن جميل أنه قال : قلت لمالك : يا أبا عبدِ الله ، الرجل يكون عالما بالسنن يُجادل عنها ؟ قال : لا ، ولكن يخبر بالسّنَّة ، فإنْ قُبِل منه ، وإلاّ سكت ." ([10] )
فكيف لو لم يجادل بالسنة ، بل ما بضاعة حججه إلا سباب وشتائم واستفزاز وتخرصات التي هي في ميدان العلم هباء منثور ومما طارت بها الرياح ، والله أنها لتعد عند العقلاء من السفاهات ومما يستحي من ذكرها لتنبههم عليها ، فكيف طاوعت أنفسهم وقالوها !!
يا قومنا هذا منك ليس من هدي الأنبياء ولا من شيم العقلاء ولا من أخلاق الفضلاء ولا من سمت الشرفاء ، وإنما هو من أخلاق السفهاء وممن شيمهم الكبرياء والعلو والاستعلاء الذين يسعون في تحطيم صاحب الحق إما بطحنه ودسه بأرجلهم([11])، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل ، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق وحادوا عنه إلى طريق أخرى وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان ، فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ ، وإن جاء الحق ناصرا لهم وكان لهم صالوا به وجالوا وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به، فإن قُهروا وذلوا وعجزوا عن ذلك كله ولوا مدبرين مستهزئين على مضض وحرقة تقطع قلوبهم تحسرا وانهزاما بسبب ما أصابهم ونزل بهم ، وما ذاك إلا للجبن والخور المتملك و المسيطر على شخصيتهم المهزوزة العاجزة في جانب مواجهة الحق وأهله ، لأنهم لو كان لديهم أدنى الجهد والطاقة لمواجهة الحق ومقاومته ما تأخروا قدر أنملة من التذليل ما عندهم من الدليل ، وإني أنزهكم عن ذلك ولا أحب لكم أن تكونوا أنموذجا في مقام التدليل لما هو عليه تعليقكم العليل .
واعلموا رحمكم الله أنه من ابرز علامات أهل الزيغ والانحراف وأهل البدع والاختلاف أنهم يبتدعون أقوالا و أفعالا ويوجبون على أمة محمد صلى الله عليه وسلم اعتناقها واعتقادها وإلا أقاموا على خصمهم الدنيا وأقعدوها ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " (3 / 279)
(( وَالْخَوَارِجُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي بِدْعَتِهِمْ وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ وَمَالَهُ . وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا . وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ . )) ا.هـ
وقال أيضا في " منهاج السنة النبوية " (5 / 103)
(( والخوارج تكفر أهل الجماعة وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم وكذلك أكثر الرافضة ومن لم يكفر فسق وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ويكفرون من خالفهم فيه وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ولا يكفرون من خالفهم فيه بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق )) ا.هـ
ثم ليعلم أن منشأ ضلال أهل الزيغ في تفسيق وتبديع وتكفير أهل الحق وخروج عليهم وعنهم ما مبدأه إلا صغار المحدثات من الأمور التي من شأنها الاستحسان
قال الإمام أبومحمد البربهاري رحمه الله في " شرح السنة " (23) : (( واحذر صغار المحدثات من الأمور فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارا وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت وصارت دينا يدان بها فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام .
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أو أحد من العلماء فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار)) ا.هـ
ومن ذلك ما رواه الدارمي عن الحكم بن المبارك أنه قال : أنبأنا عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه - قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري-رضي الله عنه- فقال: (( أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. ، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شئ؟ ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد بها التكبير والتهليل والتسبيح، فقال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة محمد صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تُبل،وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم؛ وأيم الله لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج. )) ا.هـ ([12])
فليتأمل القراء الكرام ما آل إليه أمر أصحاب تلك الحلقة الذين ابتدعوا شيئا قد يعد عند ممن يستحسن بعقله أنه من صغار الأمور... و أن هذا شيء مما يقرب إلى الله ... وما هو إلا مصلحة للعبد ... وهو حافز ليشغل نفسه بذكر الله ويكون عصمة له من الغيبة وغيرها من المحرمات ... والذكر له أصل في الشرع يدل عليه فما الذي يمنع منه ... وإلى غير تلك التعليلات العليلة ، هل نفعت أصحابها ؟؟ أم أن تلك الصغيرة جرت إلى الكبيرة ، وصدق من قال : " إن الصغائر بريد الكبائر " و " البدع بريد الكفر " ؟؟
ما نفعتهم ولا شفعت لهم عملهم ، بل ما كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يهدروا دم القوم ويقاتلهم لرد عدوانهم ، وهذا دليل على أن البدعة سبب من أسباب انتهاك حرمة نفس المسلم إما بالقتل أو بالتعزير ويدل على ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلم يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله ، وأني رسولُ الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ : الثَّيِّبِ الزَّاني ، والنفسِ بالنفسِ ، والتَّاركِ لدينه المفارق للجماعة )) متفق عليه
قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " (139 ) (( ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء في قتل الدَّاعية إلى البدع ، فإنَّهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين ، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه ، فإن استخفى بذلك ولم يَدْعُ غيرَه ، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا ، وإذا دعا إلى ذلك ، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة . وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الأمر بقتال الخوارج وقتلهم ... فيستدلَّ بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين ، ويحسم مادة الفتن )) ا.هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (12 / 500) (( وَلِهَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ يَأْمُرُونَ بِقَتْلِ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِأَجْلِ إفْسَادِهِ فِي الدِّينِ سَوَاءً قَالُوا : هُوَ كَافِرٌ أَوْ لَيْسَ بِكَافِرِ . )) ا.هـ
وقال أيضا في (28 / 346) (( وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا : قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ . وَقَالُوا : إنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ؛ لَا لِأَجْلِ الرِّدَّةِ )) ا.هـ
ومما جاء في باب التعزير أن " عمرا رضي الله عنه بلغه أن صبيغا يسأل عن المتشابه أعد له عراجين النخل فبينما عمر يخطب قام فسأله عن (( الذاريات ذروا فالحاملات وقرا )) الذاريات: 1 ـ 2 ، وما بعدها فنزل عمر فقال ما اسمك قال أنا عبد الله صبيغ قال عمر وأنا عبد الله عمر إكشف رأسك فكشفه فرأى عليه شعرا فقال له لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف ثم أمر فضرب ضربا شديدا وبعث به إلى البصرة وأمرهم أن لا يجالسوه فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسا إلا قالوا عزمة أمير المؤمنين فتفرقوا عنه حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما كان في نفسه شيئا فأذن عمر في مجالسته فلما خرجت الخوارج أتي فقيل له هذا وقتك فقال لا نفعتني موعظة العبد الصالح " ([13])
أقول : بالله عليكم يا دعاة الجمعيات ما قدر جناية عبدالله صبيغ على الأمة الإسلام وعلى ضرورياتها بمقابل مضار الجمعيات وما خلفته من المعاطب والمحن والإحن في الأمة الإسلامية وشبابها ، إلا أنه كان يتبع بعض متشابه القرآن فيسأل عنه فعلم عمر رضي الله عنه أنه مفتون وقد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه وكان أولى به أن يشتغل بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام([14])، فضربه عمر رضي الله عنه وأمر بهجره حتى تحققت توبته ، فماذا نقول عن الجمعيات وما ترتب عليها من الفساد والإفساد في العقيدة والمنهج والسلوك وفي العلم والعمل !!! كيف يكون موقف عمر رضي الله عنه منها لو رآها ؟؟
المقصود من هذا التطويل وما وصلنا إليه من التدليل نريد أن نوصل للقراء الكرام أن البدع ووسائلها من أسباب انتهاك حرمة نفس المسلم ، والمتسبب في ذلك هو ممن باشر هذه المضلات وركب هذه المحدثات ولا كرامة له ، مع إن الواجب عليه والذي ينبغي له أن يصون نفسه بإبعادها من المواطن التي تخل بكرامتها وحرمتها ويسعى للمحافظة على عزتها وشرفها باعتصام بالكتاب والسنة على ما كان عليه سلف الأمة في العلم والعمل ، وإلا " فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه "
ثالثا : العرض : فهو من الضروريات الخمس الذي يسعى الإسلام للحفاظ عليه ، فيجب على المسلم أن يحافظ على عرضه وعلى عرض أخيه المسلم، وأن يعف نفسه عن الحرام والشكوك ، كما أنه يجب أن يحافظ على أهل بيته ومحارمه من الفساد وأسبابه، فهو مسئول عن ذلك بين يدي الله عز وجل ، ومن أكبر الفساد الشرك والبدع وأسباب الافتراق والاختلاف ، والجمعيات وكر من أوكار هذا ، فمن عرض نفسه لهذه المواطن فهو قد عرض نفسه للطعن فيه وتهمته " ورحم الله امرأ كف الغيبة عن نفسه ، وله أصل من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يتسامر مع زوجته صفية بنت حيي وقد انصرفت منه وهي قد حضرت في البيت وهو معتكف في المسجد فأبصره رجلان من الأنصار فأسرعا ـ أسرعا خجلا من النبي عليه الصلاة والسلام واستحياء منه ـ فالرسول عليه الصلاة والسلام خاف أن يقذف في قلوبهما شرا قال : (( إنها صفية )) فقالا : سبحان الله ! فقال : (( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم شرا )) أو قال : (( شيئا ))، المهم ينبغي للإنسان أن يدفع التهمة عن نفسه "([15])
فكيف لو ارتاد مواطن الطعن وباشر في تكثيف وسائل ماسونية ماذا يكون حاله وبأي نظرة ينظر إليه !! وبأي القدر يحترم ؟؟ ومن يحترمه ؟؟ فكيف لو دافع عنها وقعد وأصل لها !!! ودعا إليها !! فماذا سنقول لهذا الصنف وبأي حجة ندافع عنه ونكف ألسنة من الطعن فيه !!
قال العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ "جامع العلوم والحكم " (337 )
(( ولو ظهر لرجل من أخيه شرٌّ ، فأبغضه عليه ، وكان الرَّجُل معذوراً فيه في نفس الأمر ، أثيب المبغضُ له ، وإن عُذِرَ أخوه ، كما قال عمر :" إنَّا كُنَّا نعرفكُم إذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهُرنا ، وإذ ينْزل الوحيُ ، وإذ يُنبِّئُنا الله مِنْ أخبارِكُم ألا وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدِ انطُلِقَ به ، وانقطعَ الوحيُ ، فإنَّما نَعْرفكم بما نَخْبُركم ، ألا مَنْ أظهرَ منكم لنا خيراً ظننَّا به خيراً ، وأحببناه عليه ، ومَنْ أظهر منكم شرّاً ، ظننا به شراً ، وأبغضناه عليه ، سرائرُكم بينكم وبينَ ربِّكم - عز وجل – " .
وقال الربيع بن خُثَيْم : لو رأيت رجلاً يُظهر خيراً ، ويُسرُّ شرّاً ، أحببتَه عليه ، آجرَك الله على حبِّك الخيرَ ، ولو رأيت رجلاً يُظهر شرّاً ، ويسرُّ خيراً أبغضته عليه ، آجرَك الله على بُغضك الشرَّ .)) ا.هـ
وقد سئل العلامة المجاهد محمد بن هادي المدخلي حفظه الله عن شيء مما نحن في بيانه السؤال التالي :
((يقول إذا أتى شيخ سلفي إلى جمعية إحياء التراث أو جمعية التربية ...السلفيون بعمل الشيخ السلفي مأزرة لهم ؟
فأجاب حفظه الله : والله الشيخ السلفي ينصح في هذا ولو كان شيخا سلفيا ، ويُعلم أن هذه الجمعية ، ليست سلفية أو هذه الجماعة ليست سلفية ، ويقال له : أنت الناس يغترون بك ، فيضلون بسببك ، قال الحسن البصري رحمه الله لابن يسار حينما قال ــ أي ابن يسار ــ: " الحمد لله إني ما ضربت في الفتنة بسيف " في فتنة ابن أشعث في خروج على الخليفة في العراق ، قال له مسلم بن يسار ، قال : " لكن يكفي أنك كنت ذاك اليوم معهم ، الناس يرونك فيقولون : هذا مسلم بن يسار " فخرجوا معهم بسببك ، فكان يبكي حتى يشفق عليه الحسن ، يكفي أن يراك الناس ويقولون هذا مسلم بن يسار ، لو كان هذا الفعل ما هو صحيح ، ما خرج فيهم مسلم بن يسار ، لو كان هؤلاء ما هم على الحق ما خرج معهم مسلم بن يسار ، وقد كان مسلم بن يسار أجل قبل ذلك وأعلى عند الناس في التابعين من الحسن البصري ، فمن ذلك الحين ... على الحسن وأرتفع الحسن ولم يذكر مسلم بن يسار كما ذكر الحسن ، هذا مسلم بن يسار " الحمد لله " يقول : " أنا ما ضربت بسيف " ، صح ، لكن ما قتلت ولا أزهقت نفسا ولا سفكت دما ، يكفيك بس أن الناس ضلوا بسببك .
فالعالم ولو كان عالما و الشيخ ولو كان شيخا الحق أحق منه وأعلى منه ، ولو تُرك هذا الباب ، باب النصيحة استحياءً أو إجلالا ونحو ذلك لضاع الدين ، لكن يقال للعالم الفلاني وللشيخ الفلاني هؤلاء لا تأتي إليهم طريقتهم غير صحيحة ، وليسوا على عقيدة سلفية ، فإن أبى قيل : فلان يذهب ولا نوافقه على ذهابه كائنا من كان ، و هؤلاء أهل خلاف للسلفيين وللعقيدة السلفية والطريقة السلفية ، والشيخ الفلاني لعل له تأول لكن تأويله مردود عندنا ، لما ؟ لأن الناس بعد ذلك ستجدون مصداق ما قلته لكم ، سيحتجون بذهابه ، يقولون لو كان فيهم شيء ما راح لهم الفلان ، فهذا الذي قلناه هذا قول السلف فحينئذ ينظر أي طرفين أحق بالحق ، فهذا هو الواجب علينا جميعا
وأما أن نذهب نكثر ونشد من أزره هذا غير صحيح نحن إذا كثرنا عددهم ، الآن نحن نعاني مشكلة من ذهاب الشيخ واحد فإذا ذهب أشياخ وذهب عدد من طلبة العلم ومن عموم أهل السنة زادت البلية والمحنة فهذا القول غير صحيح وهو قول باطل ، مهما كان مصدره ، ومن كان فاعله .
نعم ، والذي عليه السلف والذي سمعتم والحمد لله هذه كتب العقائد السلف المسندة بين أيدينا وإذا جاءنا المسند فنحن نتمسك به ، ومن تمسك بالأثر فهو على الخير فهو على الطريق مدام متمسكا بالأثر
وما ضل الناس إلا بسبب تفريطهم في تطبيق هذه النصوص والآثار السلفية التي وردة عن خير القرون رضي الله تعالى عنهم ، يقول عمر بن عبدالعزيز " وقف حيث وقف القوم فإنهم بعلم نطقوا وعن بصر نافذ كفوا ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى " فرضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم هذا موقفهم .
فنحن يجب علينا أن نقف حيث وقفوا ولو كان هذا الباب خير لسابقون إليه رحمهم الله تعالى ونكتفي بهذا القدر والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد )) ا.هـ ([16])
رابعا : المال : هو أحد الضروريات الخمس الذي راعته الشريعة أيما الرعاية وهو يعد من مقاصدها الشريفة ، وقد تواردت النصوص من الكتاب والسنة على صونه والمحافظة عليه، فإنّ الشارعَ الحكيم لم يدع المسلم حرًا في التصرّف بماله كيفما شاء وعلى أي طريقة شاء له كسبه وإنفاقه، وإنما جعل له ضوابط وحدود سواء ما كان في طرق كسبه أو مجالات التي ينفق فيها ، فمن اكتسبه بالحلال والطرق المرضية وأنفقه في مراضي الله عز وجل فهو له نعمة ، أما من تعد حدوده الشرعية في طريقة كسبه ومجالات إنفاقه ولم يراع آدابه المرعية في كيفية استفادة منه فهو عليه نقمة يتحمل مسؤوليته يوم القيامة، وقد صحّ عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه ؟)) ([17])
ولهذا شرعت الشريعة ،" البيوع والإجارات والشركات وأنواع المعاملات التي تتبادل فيها المعاوضات بين الناس في الأعيان والديون والمنافع وغيرها .
فقد جاءت الشريعة الكاملة بحل هذا النوع وإطلاقه للعباد ، لاشتماله على المصالح في الضروريات والحاجيات والكماليات ، وفسحت للعباد فسحا صلحت به أمورهم وأحوالهم واستقامت معايشهم ، وشرطت الشريعة في حل هذه الأشياء الرضا من الطرفين واشتمال العقود على العلم , ومعرفة المعقود عليه وموضوع العقد ومعرفة ما يترتب عليه من الشروط ، ومنعت من كل ما فيه ضرر وظلم من أقسام الميسر والربا والجهالة ، فمن تأمل المعاملات الشرعية رأى ارتباطها بصلاح الدين والدنيا ، وشهد لله بسعة الرحمة وتمام الحكمة ، حيث أباح سبحانه لعباده جميع الطيبات ، من مكاسب ومطاعم ومشارب , وطرق المنافع المنظمة المحكمة "([18])
فمن تأمل والدقق في أمر الجمعيات منذ إن نشأت إلى يومنا هذا يجدها من أكبر الوسائل التي تخل بهذا الأصل العظيم وممن تطمس محاسنه وتخفي معالمه لما تحتوي عليه من المضار المشينة والحيل الخبيثة والمعاملات غير الشرعية ومن ذلك
1 ـ معاملتها مع البنوك الربوية وهذا مما منعت منه الشريعة وهو مما يخل بهذه الضرورة الشريفة ، فأين أنتم يا دعاة الجمعيات من تلك النصوص المحكمة الحكيمة من تحريم الربا وتعاطيها ، بل وسد الأبواب المؤدية إليها ،
مالكم لا تعقلون !! وأي الضرورة تتخيلون فتبيح لكم معاملة مع البنوك !! فنحن الآن قد عرفنا أن الجمعيات أصلا ليست بضرورة لما ترتب عليها من إخلال بأصول ومقاصد الشريعة بل هي إضرار بالضرورة ، فكيف جعلنا البنوك لها ضرورة !! عجيب والله وهي مضحكة على شباب الأمة كأن الأمة الإسلامية تعطلت وغابت وما أصبح لها عقولا !!
بالله عليك يا من تقول هذا وترجف به آما تخشى الله وتستحي منه ومن عقلاء الأمة ؟؟
تبني حكمك على شيء فاسد ثم تدعي له الضرورة ... ثم بعد ضرورة البنوك ستكون ضرورة التصوير ... ثم بعد ضرورة البنوك والتصوير ستكون ضرورة اختلاف الآراء ... ثم تناحر واختصام ثم كل واحد من المختصمين يريد أن يفرض رأيه وكيانه ولو بمخالفة الشريعة ثم ننتهي مسألة الضرورة المصطنعة إلى ضرورة وحدة الصف لا وحدة الرأي ونصحح ولا نهدم ، ونتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه وهلم جرا
وعلى كل الحال " ما بني على فاسد فهو فاسد " وذهبت ضرورة إيداع الجمعيات أموالها في البنوك أدراج الرياح ، وقد نبه الإمام ناصر الدين الألباني رحمه الله لا عدم إنشاء الجمعيات لأنها ستضطر لكي تضع أموالها في البنوك فجاء عنه في ( شريط رقم (792) من سلسلة الهدى والنور ) أنه قال : (( أنا أريد إذا سمحت أن أضيف ملاحظة أو إضافة حول كلام الأستاذ : هل تتصورون جمعية إسلامية سلفية خيرية يكون لها صندوق لحفظ المال المتوفر لديها , لا يوضع هذا المال في بنك من البنوك ,وهل هذا موجود ؟ أنبئوني بعلم ؟.
السائل : يا شيخ بالنسبة إلى هذا الموضوع لا بد أن يكون موجودًا ... يعني الحكومة تشترط أن يكون رأس المال , أو لها رأس مال في البنك !! بس أقول إن هذا أشار إليه أبو مالك , يسري في بقية الأعمال الخيرية مثلًا , فممكن أن يسري هذا إلى العدل , القضاء , إمامة المساجد , الخطابة , الوعظ , الحج , كل هذه الأمور لا بد أن يتعامل فيها مع الدولة .
الشيخ : ما أظن أن تقول هذه الأمور كلها سواء .
السائل : يعني أن المسألة تكون للقائمين يقدرون المصالح والمفاسد في هذا الموضوع وإلا فينبغي تعميم جميع الأعمال أن لا يتعامل فيها مع الدولة .
الشيخ : لنقف عند كلمتك «القائمين» هؤلاء القائمون هم من أهل العلم والفضل والصلاح والتقوى , نفترض الأمر أنهم كذلك !! أليس كذلك ... وهم يرون أن إيداع المال الخيري في البنك الذي يتعامل بالربا يجوز؟!.
السائل : نعم يرون ذلك !!.
الشيخ : وكيف يتأولون قوله عليه السلام ـ حين ذلك ـ :« لعن الله آكل الربا وموكله »
السائل : لا يأكلون الربا !!.
الشيخ : موكله , موكله , موكله : « لعن الله أكل الربا وموكله » , فهم يُؤكلون الربا , وإلا ما تفرق بين الأمرين ؟.
السائل : لا هناك فرق !!.
الشيخ :إذًا ما جوابك فيما تعلم ؟.
السائل : الله أعلم !!!.
الشيخ : هذه المشكلة !!... لذلك نحن بحاجة إلى ما ذكرناه آنفًا , ومن ضرورة إقامة الأحكام الشرعية في كل معاملاتها ومنها الجمعيات الخيرية , على أننا نعود ونذكر بأننا لا ننصح إخواننا طلاب العلم أن يشغلوا أنفسهم بهذا العمل الخيري , لأن لهذا العمل ناسا آخرين , ممن لم يطبعوا على حب العلم , والرغبة في طلب العلم , إذًا لكل مجاله , وما أشار إليه الأستاذ آنفًا من أن الجمعيات تترتب من وراءها بغضاء وشحناء وتعالي ...إلخ )) ا.هـ
وسئل – رحمه الله - ( وكان خارجًا من المسجد , وذاهبًا إلى سيارته ) : (( قال السائل : ما قولكم في الجمعيات ؟!.
قال الشيخ : أين تضع أموالها ؟؟.
السائل : في البنك !!.
فقال – عليه رحمة الله - : ما بني على باطل فهو باطل .)) ا.هـ ( راجع : شريط أسئلة السيارة )
وقال الإمام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله : (( وتلكم الجمعيات التي لا يؤذن لها إلا بشروط أن تكون تحت رقابة الشئون الاجتماعية، وأن يكون فيها انتخابات، وأن يوضع مالها في البنوك الربوية، ثم يلبّس أصحابها على الناس ويقولون: هل بناء المساجد، وحفر الآبار، وكفالة اليتامى حرام؟ فيقال لهم: يا أيها الملبّسون: من قال لكم: إن هذه حرام؟ فالحرام هي الحزبية، وفرقة المسلمين، وضياع أوقاتكم في الشحاذة، ولقد انقلبت العمرة في رمضان إلى شحاذة:
يا مشعر القراء ويا ملح البلد ............. ما يصلح الملح إذا الملح فسد )) ا.هـ ( ذم المسألة / 218 )
وقال رحمه الله في " تحفة المجيب " (117) : (( وفي نشرة مجلة (الفرقة) لعمار السفيه قال: إن جمعية الحكمة عندها ملايين ، وأنا أتساءل: هل أتى فاعل الخير بهذا المال ليخزن في البنوك أم لينفق على طلبة العلم؟ وهم يكذبون وعندي إثباتات محتفظ بها يزعمون أنّهم يدعمون طلبة العلم بمعبر، وبمأرب، و بدماج، وربما لا يجد أحدهم ثمن الصابون ليغسل ثيابه، ولا يجد أحدهم ما يرجع به إلى بلده، ثم يذهبون ويخزنونها في البنوك، وهذه المجلة عندي، فلماذا لا تنفق هذه الملايين على طلبة العلم بمعبر، وبمأرب، و بدماج، وفي مفرق حبيش، وفي عدن، وحضرموت، يقولون: لا، لا بدّ أن يبايعونا إذا أرادوا أن نعطيهم، أما أن نعطيهم لله عز وجل، فلا يعطون لله عز وجل، وراجعوا المجلة. )) ا.هـ
([1] ) " الموفقات " ( ج1 / 537 )
( [2] ) " كتاب الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقفية " ( 16 )
( [3] ) نفس المصدر ( 54 ـ 57 )
([4]) " إغاثة اللهفان " ( / 1 / 200 )
([5]) ( 4 / 105 ) وسنده ضعيف
([6] ) " كتاب الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقفية " ( 84 ـ 88 )
([7] ) " كتاب المصالح العليا للأمة وضرورة رعايتها " ( 25 ) للعلامة صالح أل الشيخ حفظه الله
([8]) كتاب السنة رقم (89) (ص 135،136).
([9])" المورد العذب الزلال " ( 99 ـ 101 )
([10] ) " جامع العلوم والحكم "( 16)
([11] ) انظر إلى كتاب " مدارج السالكين " ( 53 )
([12] ) " شرح كتاب فضل الإسلام " ( 18 ) للإمام ابن باز رحمه الله
([13] ) " ذم التأويل " ( 10 )
([14] ) نفس المصدر في الهامش
([15] ) " شرح بلوغ المرام " ( 1 / 121 ) للعلامة ابن عثيمين رحمه الله
[16] الشريط 3 الساعة 1 الدقيقة 20 من شرح كتاب " فضل علم السلف على علم الخلف "
([17] ) حسن لغيره ، انظر إلى " صحيح الترغيب والترهيب " ( 1 / 30 )
([18] ) رسالة " الدرة المختصرة في محاسن الدّين الإسلاميّ " ( 22 ـ 24 ) للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله


رد مع اقتباس