الحث على الكسب الحلال والإجمال في طلبه
الشريعة الإسلامية تحث على الكسب الحلال بطرقه المشروعة والاقتصاد فيه ـ حذرا من انشغال به عن أمر الآخرة ـ وتكره البطالة والخمول ، ولذا فضلت اليد العليا على اليد السفلى ، وجعلت المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وما ذاك إلا للحفاظ على النفس من الفقر وذل السؤال ، واحتساب الأجر للإنفاق على العيال وبمن يعول
قال الله تعالى في محكم تنزيله : {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } الجمعة 10
قال العلامة السعدي في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " ( ص 825)
(( { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ } لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة ، مظنة الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره ، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا }
أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح.)) ا.هـ
وقال رحمه الله في " تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن " ( ص 137 ) :
(({ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } لطلب المكاسب المباحة ، { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي : ينبغي للمؤمن الموفق وقت اشتغاله في مكاسب الدنيا أن يقصد بذلك الاستعانة على قيامه بالواجبات ، وأن يكون مستعينا بالله في ذلك ، طالبا لفضله جاعلا الرجاء والطمع في فضل الله نصب عينيه ، فإن التعلق بالله والطمع في فضله من الإيمان ومن العبادات .
ولما كان الاشتغال بالتجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله وطاعته أمر الله بالإكثار من ذكره .
فقال : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي : في حال قيامكم وقعودكم ، وفي تصرفاتكم وأحوالكم كلها ، فإن ذكر الله طريق الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب ، ومن المناسب في هذا أن يجعل المعاملة الحسنة والإحسان إلى الخلق نصب عينيه ، فإن هذا من ذكر الله ، فكل ما قرب إلى الله فإنه من ذكره ، وكل أمر يحتسبه العبد فإنه من ذكره ، فإذا نصح في معاملته وترك الغش تقرب في هذه المعاملة إلى الله ؛ لأن الله يحبها ، ولأنها تمنع العبد من المعاملة الضارة ، وكلما سامح أحدا أو حاباه في ثمن أو مثمن أو تيسير أو إنظار أو نحوه فإنه من الإحسان والفضل ، وهو من ذكر الله ، قال تعالى : { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } [البقرة : 237] )) ا.هـ
و قال سبحانه جل في علاه : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } الملك 15.
قال الإمام الهمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع " الفوائد " ( 38 ) عند تفسير هذه الآية
(( .. أمرهم أن يأكلوا من رزقه الذي أودعه فيها فذللها لهم ووطأها وفتق فيها السبل والطرق التي يمشون فيها وأودعها رزقهم فذكر تهيئة المسكن للانتفاع والتقلب فيه بالذهاب والمجيء والأكل مما أودع فيها للساكن ثم نبه بقوله وإليه النشور على أنا في هذا المسكن غير مستوطنين ولا مقيمين بل دخلناه عابري سبيل فلا يحسن ان نتخذه وطنا ومستقرا وإنما دخلناه لنتزود منه إلى دار القرار فهو منزل عبور لا مستقر حبور ومعبر وممر لا وطن ومستقر فتضمنت الآية الدلالة على ربوبيته ووحدانيته وقدرته وحكمته ولطفه والتذكير بنعمه وإحسانه والتحذير من الركون الى الدنيا واتخاذها وطنا ومستقرا بل نسرع فيها السير إلى داره وجنته فالله في ما ضمن هذه الآية من معرفته وتوحيده والتذكير بنعمه والحث على السير إليه والاستعداد للقائه والقدوم عليه والإعلام بأنه سبحانه يطوي هذه الدار كأن لم تكن وانه يحي أهلها بعد ما أماتهم واليه النشور )) ا.هـ
و قال العلامة المفسر عبدالرحمن السعدي رحمه الله في " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان "
( 838) : (( أي: هو الذي سخر لكم الأرض وذللها، لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم، من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية والبلدان الشاسعة، { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } أي: لطلب الرزق والمكاسب. )) ا.هـ
وجاء في كتاب " أضواء البيان " (ج 8 / ص 238) للعلامة الأصولي المفسر الأمين الشنقيطي رحمه الله عند تفسير هذه الآية : (( .... وكنت أسمع الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية إنها من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتا للإنسان في حياته بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها فإذا مات كانت له أيضا كفاتا بدفنه فيها.
ويقول: لو شاء الله لجعلها حديدا ونحاسا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها ولا يحفر ولا يبني وإذا مات لا يجد مدفنا فيها.
ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} لترتبه على ما قبله بالفاء أي بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ.
والأمر في قوله تعالى {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} للإباحة ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً} فيه امتنان من الله تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيها وحثا للأمة على السعي والعمل والجد والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها.
كما قال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.
وفي قوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} ، وغير ذلك من الآيات.
ومن رأى هذا التسخير اعترف لله بالفضل والقيام لله بالحمد، وتقديم الشكر كما قال تعالى {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وقوله {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} أي مع شكر النعمة الاتعاظ والعبرة والاستدلال على كمال القدرة
ومنها المعاد والمنقلب إلى الله تعالى فقوله {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق وما يتضمن من النظر والتأمل في مسببات الأسباب وتسخير الله لها كقوله تعالى {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} بعد ذكر {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} ، أي: الأصناف وتسخير الفلك والأنعام والبحر والبر فيه ضمنا إثبات القدرة على البعث فيكون المشي في مناكب الأرض واستخدام مناكبها واستغلال ثرواتها والانتفاع من خيراتها لا لطلب الرزق وحده وإلا لكان يمكن سوقه إليهم ولكن للأخذ بالأسباب أولا وللنظر في المسببات والعبرة بالمخلوقات والتزود لما بعد الممات كما في آية "الجمعة" {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}أي: عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه.
وعليه فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى والاستغناء والاستثمار والإنتاج فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود.
وقد قال النووي في مقدمة المجموع إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها حتى الإبرة لتستغني عن غيرها وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج وهذا هو واقع العالم اليوم إذ القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية.
وقد أعطى الله العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله فعليهم أن يحتلوا مكانهم ويحافظوا على مكانتهم ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا وبالله التوفيق. )) ا.هـ
ومن الأحاديث النبوية الدالة والحاثة على المكاسب الطيبة والمرغبة في أن يكون مكسب و مأكل العبد من عمل يديه يبتغي بذلك وجه الله وأجره العظيم لما هو يقدمه من الخدمة و الإنفاق على العيال والأبوين الشيخين الكبيرين
ما جاء عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : (( مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه ، فقالوا : يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " )) [1]
و عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه الصلاة والسلام كان يأكل من عمل يده )) رواه البخاري وغيره [2]
قال العلامة أبوعبدالله محمد ابن مفلح الحنبلي رحمه الله في كتابه " الآداب الشرعية " ( 3 / 232)
(( فَصْلٌ : الِاتِّسَاعُ فِي الْكَسْبِ الْحَلَالِ وَالْمَبَانِي مَشْرُوعٌ وَلَوْ بِقَصْدِ التَّرَفُّهِ وَالْجَاهِ ، وَالْكَسْبُ وَاجِبٌ لِلنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ .
يُسَنُّ التَّكَسُّبُ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ حَتَّى مَعَ الْكِفَايَةِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَقَالَ أَيْضًا فِيهَا يُبَاحُ كَسْبُ الْحَلَالِ لِزِيَادَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ قِبَلَهُ مُبَاحٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْ كَارِهٍ وَغَيْرِ كَارِهٍ .
وَقَالَ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ مَنْ اشْتَرَى وَبَاعَ ، وَلَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ بُورِكَ فِيهِ كَمَا يُبَارَكُ فِي الزَّرْعِ بِمَاءِ الْمَطَرِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَا قُوتَ لَهُ ، وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَيُقَدِّمُ الْكَسْبَ لِعِيَالِهِ عَلَى كُلِّ نَفْلٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ } كَذَا فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي " مُسْلِمٍ " مَعْنَاهُ وَلَهُ التَّكَسُّبُ لِحَاجَةٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ أَوْ لَهُمْ .
وَتُسَنُّ الصَّدَقَةُ بِمَا فَضَلَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّكَسُّبِ مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى النَّاسِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيَجِبُ التَّكَسُّبُ وَلَوْ بِإِيجَارِ نَفْسِهِ لِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَنَذْرٍ وَطَاعَةٍ وَكَفَّارَةٍ وَمُؤْنَةٍ تَلْزَمُهُ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ بِمَعْنَاهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ :
إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَطْلُبْ مَعَاشًا لِنَفْسِهِ ... شَكَا الْفَقْرَ أَوْ لَامَ الصَّدِيقَ فَأَكْثَرَا
وَصَارَ عَلَى الْأَدْنَيْنِ كَلًّا وَأَوْشَكَتْ ... صِلَاتُ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُ أَنْ تَنَكَّرَا
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ مَا مَعْنَاهُ أَقْسِمُ بِاَللَّهِ لَوْ عَبَسَ الزَّمَانُ فِي وَجْهِكَ مَرَّةً لَعَبَسَ فِي وَجْهِكَ أَهْلُكَ وَجِيرَانُكَ ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى الْإِمْسَاكِ ....
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْكَسْبُ قَدْ يُفْتَرَضُ فِي نَفَقَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّل ، فَأَمَّا إذَا وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَهُوَ أَنْ لَا تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِنَفْسِهِ ....
قَالَ : وَالْكَسْبُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ
أَوْ يَسْتَعِفُّ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّفَرُّغِ
إلَى طَلَبِ الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ
لِلنَّاسِ. انْتَهَى كَلَامُهُ ))
قال العلامة الفقيه عبدالرحمن السعدي رحمه الله في كتابه " بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " ( ص 68 ـ 77 ) عند شرحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز . وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت ، كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان )) رواه مسلم .
(( .. . وقوله صلى الله عليه وسلم : « احرص على ما ينفعك واستعن بالله » كلام جامع نافع ، محتو على سعادة الدنيا والآخرة .
والأمور النافعة قسمان : أمور دينية ، وأمور دنيوية .
والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية . فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما ، مع الاستعانة بالله تعالى ، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها ، وسلك أسبابها وطرقها ، واستعان بربه في حصولها وتكميلها كان ذلك كماله ، وعنوان فلاحه .
ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة : فاته من الخير بحسبها ، فمن لم يكن حريصا على الأمور النافعة ، بل كان كسلانا ، لم يدرك شيئا ، فالكسل هو أصل الخيبة والفشل ، فالكسلان لا يدرك خيرا ، ولا ينال مكرمة ، ولا يحظى بدين ولا دنيا ومتى كان حريصا ، ولكن على غير الأمور النافعة :
إما على أمور ضارة ، أو مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة ، وفوات الخير ، وحصول الشر والضرر ، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعب والعناء والشقاء .
ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة ، وحرص عليها ، واجتهد فيها ، لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله ، والاستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه وحوله وقوته ، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه ، فبذلك تهون عليه المصاعب ، وتتيسر له الأحوال ، وتتم له النتائج والثمرات الطيبة في أمر الدين وأمر الدنيا ، لكنه في هذه الأحوال محتاج - بل مضطر غاية الاضطرار - إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها ، والجد في طلبها .....
وأما الأمور النافعة في الدنيا : فالعبد لا بد له من طلب الرزق . فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله ، وذلك يختلف باختلاف الناس ، ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه ، وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤنته ، وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق ، وكذلك ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية ، من الزكاة والصدقة ، والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف على المال ، ويقصد المكاسب الطيبة ، متجنبا للمكاسب الخبيثة المحرمة ، فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة ، وسلك أنفع طريق يراه مناسبا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب إلى الله بها .
ومن تمام ذلك : أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته ، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها ، بل يستعين بربه متوكلا عليه ، راجيا منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها ، وأقربها تحصيلا لمراده ، ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه : فأول بركة الرزق :
أن يكون مؤسسا على التقوى والنية الصالحة .
ومن بركة الرزق : أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة .
ومن بركة الرزق : أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة ، كما قال تعالى : { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ }
[ البقرة : 237 ] ، بالتيسير على الموسرين ، وإنظار المعسرين ، والمحاباة عند البيع والشراء ، بما تيسر من قليل أو كثير ، فبذلك ينال العبد خيرا كثيرا .)) ا.هـ



[1] صحيح لغيره " صحيح الترغيب والترهيب " ( 2 / 141 )
[2] صحيح الترغيب والترهيب ( 2 / 140 )