ويجمع ذلك ما جاء عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: (( عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ) ) رواه البزار وصححه الحاكم
فهذا الحديث من جوامع الكلم التي أختص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخل في (( عمل الرجل بيده )) أشياء كثيرة ليس لها حصر ، ويدخل فيه عمل المرأة أيضا بيدها ، لأن الأصل ما ثبت في حق الرجل يثبت في حق المرأة ، وما ثبت في حق المرأة يثبت في حق الرجل إلا ما خص بدليل [1]
وفي هذا الحديث الشريف إشارة إلى نوع من أنواع المكاسب الطيبة ألا وهو التجارة ، فالتجارة من عمل اليد ، وانفعها وأطيبها أن تكون مبرورة وهي ما كانت مبنية على الصدق والنصح والبيان ، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهم )) متفق عليه
قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله في " بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " (ص 201 )
(( هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة ، والمعاملات الضارة ، وأن الفاصل بين النوعين : الصدق والبيان
فمن صدق في معاملته ، وبين جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة ، ومن العيوب والنقص ، فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله ، والسلامة من الإثم ، وبنزول البركة في معاملته ، وفي الآجلة بحصول الثواب ، والسلامة من العقاب .)) ا.هـ
فإذا كانت التجارة بهذه الأهمية وأنها تعد من المعاملات النافعة بين الخلق ، فالمقام يتطلب منا أن نظهر ونبين ما ينفع فيها فيسعى إلى تحصيله ، ويعرف ما يضر منها فيجتنب ، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة أحكامها وفقه آدابها ، و قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين )) حسن الإسناد (صحيح وضعيف سنن الترمذي 1 / 487 )
الأصل في البيوع : الحِل لقول الله تعالى : (( وأحل الله البيع )) البقرة 275 ، فكل صورة من صور البيع يدعي أنها حرام فعلى المدعي البينة يعني الدليل [2]
حكمه :
البيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
أما الكتاب : فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] .
وأما السنة : فمثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً» متفق عليه ، وقوله: «لا يبع أحدكم على بيع بعض» متفق عليه ، والأحاديث في هذا كثيرة.
وأما الإجماع : فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
وأما النظر الصحيح : فلأن الإنسان يحتاج لما في يد غيره من متاع الدنيا، ولا وسيلة إلى ذلك إلا بالظلم وأخذه منه قهراً، أو بالبيع.
فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيعُ فأحله الله ـ عزّ وجل ـ، وفي حل البيع دليل على شمول الشريعة الإسلامية، وأنها ليست كما قال أعداؤها: لا تنظم إلا المعاملات التي بين الخالق والمخلوق، بل هي تنظم المعاملات بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقين بعضهم مع بعض، وتنظيمها للمعاملة بين المخلوقين بعضهم مع بعض من أهم الأمور، لأنه لولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضاً، واعتدى الناس بعضهم على بعض، فكان من الحكمة ومن مقتضى عدل الله ـ عزّ وجل ـ أن تنظم المعاملات بين الخلق ، لئلا ترجع إلى أهوائهم وعدوانهم، ثم إن أطول آية في كتاب الله هي آية الدين، وهي في المعاملات بين الخلق فكيف يقال: إن الشريعة الإسلامية تنظم المعاملة بين الخالق والمخلوق فقط؟ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ: «علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: أجل» أخرجه مسلم ، يعني آداب قضاء الحاجة، ففي السنة آداب قضاء الحاجة، وفي القرآن آداب الجلوس، قال الله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا} [المجادلة: 11] ، وآداب الاستئذان، وآداب الدخول، قال الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61] ، فالشريعة ـ والحمد لله ـ شاملة لكل شيء، لكن من الأشياء ما تنص عليه الشريعة بعينه، ومن الأشياء ما يكون داخلاً تحت قاعدة عامة من قواعد الشريعة، ولقد أخطأ من قال: إن النصوص لا تفي بعشر ما يحتاج الناس إليه، بل نقول: إن النصوص وافية بكل ما يحتاج الناس إليه، ولكن من الأشياء ما هو منصوص عليه، ومنها ما يدخل تحت القواعد العامة يدركها من رزق علماً وفهماً.[3]




[1] " شرح بلوغ المرام ( 3 / 460 ـ 461 ) للعلامة ابن عثيمين رحمه الله
[2] " شرح بلوغ المرام للعلامة ابن عثيمين رحمه الله " ( 3 / 457 )
[3] " الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 3 / 509 ـ 510 )