تريدون يا أيها القراء الكرام نموذجا وعيينة من هذا المنهج الخلفي الذي بينت بعض مضاره وفساده وسقوطه ، فانظروا بارك الله فيكم إلى" أبي متعب فتحي الخلفي " الذي اتعب قلبه لما قد استحوذ عليه من الهوى ، وكم من أمثاله لا كثرهم الله .
قد يقول القائل : ما سبب الذي أداهم إلى هذه الحيرة والاضطراب والتلون والتذبذب والنظر إلى المنهج السلفي بهذه النظرة المعكوسة ؟
السبب في ذلك : أنهم بنوا دينهم على الرجال ، وعلى تصور أشياء في اذهانهم ثم التكلف لإحقاقها والبحث عن الأدلة لتصويبها ، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة من أنهم يبنون دينهم على الدليل ثم فهمه على ما كان عليه سلف الأمة ، من ثَم يزنون جميع المناهج والرجال على هذا المنهج الرباني المعصوم .
ومن ألطف ما وقفت عليه في هذا الباب ما ذكره الإمام المبجل ابن تيمية رحمه الله في ( مجموع الفتاوى )(4 / 35 ـ 36) حيث قال : (( وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمَبْدَأَ فِي شُعُورِ النَّفْسِ وَحَرَكَتِهَا : هُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ الشَّيَاطِينُ فَالْمَلَكُ يُلْقِي التَّصْدِيقَ بِالْحَقِّ وَالْأَمْرَ بِالْخَيْرِ وَالشَّيْطَانُ يُلْقِي التَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ وَالْأَمْرَ بِالشَّرِّ . وَالتَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ مَقْرُونَانِ بِنَظَرِ الْإِنْسَانِ ؛ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَقْرُونَانِ بِإِرَادَتِهِ .
فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ فِي دَلِيلٍ هَادٍ - كَالْقُرْآنِ - وَسَلِمَ مِنْ مُعَارَضَاتِ الشَّيْطَانِ . تَضَمَّنَ ذَلِكَ النَّظَرُ الْعِلْمَ وَالْهُدَى . وَلِهَذَا أُمِرَ الْعَبْدُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ .
وَإِذَا كَانَ النَّظَرُ فِي دَلِيلٍ مُضِلٍّ وَالنَّاظِرُ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ ؛ بِأَنْ تَكُونَ مُقَدِّمَتَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا مُتَضَمِّنَةً لِلْبَاطِلِ أَوْ تَكُونَ الْمُقَدِّمَاتُ صَحِيحَةً لَكِنَّ التَّأْلِيفَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ : فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي الْقَلْبِ بِذَلِكَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ وَهُوَ غَالِبُ شُبُهَاتِ أَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَنَحْوِهِمْ .
فَإِذَا كَانَ النَّاظِرُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَنْظُورٍ فِيهِ . وَالنَّظَرُ فِي نَفْسِ الْمُتَصَوَّرِ الْمَطْلُوبِ حُكْمُهُ لَا يُفِيدُ عِلْمًا ؛ بَلْ رُبَّمَا خَطَرَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّظَرِ أَنْوَاعٌ مِنْ الشُّبُهَاتِ ؛ يَحْسَبُهَا أَدِلَّةً لِفَرْطِ تَعَطُّشِ الْقَلْبِ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَتَصْدِيقِ ذَلِكَ التَّصَوُّرِ .
وَأَمَّا النَّظَرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ : فَهُوَ مَا كَانَ فِي دَلِيلٍ هَادٍ . وَالدَّلِيلُ الْهَادِي - عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ - هُوَ " كِتَابُ اللَّهِ " وَ " سُنَّةُ نَبِيِّهِ " فَإِنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ نَوْعَيْ النَّظَرِ : هُوَ مَا يُفِيدُ وَيَنْفَعُ وَيُحَصِّلُ الْهُدَى وَهُوَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ .
فَإِذَا أَرَادَ النَّظَرَ وَالِاعْتِبَارَ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَطْلُوبٍ فَذَلِكَ النَّظَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَتَدَبُّرُهُ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } .
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَقَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ لِطَلَبِ حَكَمِهَا وَالتَّصْدِيقِ بِالْحَقِّ فِيهَا ؛ وَالْعَبْدُ لَا يَعْرِفُ مَا يَدُلُّهُ عَلَى هَذَا أَوْ هَذَا : فَمُجَرَّدُ هَذَا النَّظَرِ لَا يُفِيدُ . بَلْ قَدْ يَقَعُ لَهُ تَصْدِيقَاتٌ يَحْسَبُهَا حَقًّا وَهِيَ بَاطِلٌ . وَذَلِكَ مِنْ إلْقَاءِ الشَّيْطَانِ . وَقَدْ يَقَعُ لَهُ تَصْدِيقَاتٌ تَكُونُ حَقًّا وَذَلِكَ مِنْ إلْقَاءِ الْمَلَكِ . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ الْهَادِي وَهُوَ الْقُرْآنُ فَقَدْ يَضَعُ الْكَلِمَ مَوَاضِعَهُ وَيَفْهَمُ مَقْصُودَ الدَّلِيلِ فَيَهْتَدِي بِالْقُرْآنِ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ أَوْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَيَضِلَّ بِهِ وَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا } وَقَالَ : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ } وَقَالَ : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ } وَقَالَ : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } وَقَالَ : { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } . فَالنَّاظِرُ فِي الدَّلِيلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَائِي لِلْهِلَالِ قَدْ يَرَاهُ وَقَدْ لَا يَرَاهُ لعشى فِي بَصَرِهِ وَكَذَلِكَ أَعْمَى الْقَلْبِ .
وَأَمَّا النَّاظِرُ فِي الْمَسْأَلَةِ : فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْئَيْنِ : إلَى أَنْ يَظْفَرَ بِالدَّلِيلِ الْهَادِي وَإِلَى أَنْ يَهْتَدِيَ بِهِ وَيَنْتَفِعَ .))
فليتأمل أهل الإسلام هذا الكلام المتين وما يعلوه من اللطائف ، وإلا فنقول لأبي متعب ـ الذي أتعب نفسه ـ وكل من كان على شاكلته ممن بنى منهجه على الكذب ومصارعة أهل الحق بالكذب والإفتراء ، ما بني على الباطل فهو باطل ، فمنهجكم من أساسه مبني على الكذب فمتى يصدق ومن يصدقكم الماسونية وأعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم أو من ؟




رد مع اقتباس