شبكة الأمين السلفية - Powered by vBulletin
النتائج 1 إلى 20 من 20

الموضوع: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة



    ـ شروط البيع وهي سبعة [1] :
    1- التراضي : يشترط التراضي من البائع والمشتري، ودليل ذلك:
    الأول: من القرآن قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، ومعنى {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}: أي تجارة صادرة عن تراضٍ منكم.
    الثاني: من السنة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما يروى عنه: «إنما البيع عن تراضٍ»[2] .
    الثالث: أن النظر الصحيح يقتضي ذلك أيضاً ، لأننا لو لم نشترط التراضي لأصبح الناس يأكل بعضهم بعضاً، فكل إنسان يرغب في سلعة عند شخص يذهب إليه ويقول له: اشتريتها منك بكذا قهراً عليك، وهذا يؤدي إلى الفوضى والشغب والعداوة والبغضاء.
    ومن هذا الباب ذكر الإمام موسى الحجاوي الحنبلي رحمه الله في " زاد المستقنع " ( ص 165 ) أنه " لا يصح البيع من مكره بلا حق "
    قال العلامة الفقيه المحقق المدقق محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في " الشرح الممتع " ( 3 / 520 ) والمكره هو الملجأ إلى البيع، أي: المغصوب على البيع ومن ذلك :
    ـ لو أن سلطاناً جائراً أرغم شخصاً على أن يبيع هذه السلعة لفلان فباعها، فإن البيع لا يصح ، لأنها صدرت عن غير تراضٍ .
    ـ ومثل ذلك أيضا : ما لو علمت أن هذا البائع باع عليك حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز لك أن تشتري منه ما دمت تعلم أنه لولا الحياء والخجل لم يبع عليك، ولهذا قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: يحرم قبول هدية إذا علم أن الرجل أهداها له على سبيل الحياء والخجل ، لأن هذا وإن لم يصرح بأنه غير راضٍ، لكن دلالة الحال على أنه غير راضٍ.
    وقوله: «فلا يصح من مكره بلا حق»
    أفادنا ـ رحمه الله ـ أنه إذا كان مكرهاً بحق فلا بأس؛ لأن هذا إثبات للحق، أي: إذا أكرهنا الإنسان على البيع بحق، فإن هذا إثبات للحق وليس ظلماً ولا عدواناً.
    مثال ذلك: شخص رهن بيته لإنسان في دين عليه وحل الدين فطالب الدائن بدينه، ولكن الراهن الذي عليه الدين أبى، ففي هذه الحال يجبر الراهن على بيع بيته؛ لأجل أن يستوفي صاحب الحق حقه فيرغم على ذلك.
    مثال آخر: أرض مشتركة بين شخصين وهي أرض صغيرة لا تمكن قسمتها، فطلب أحد الشريكين من الآخر أن تباع فأبى الشريك الآخر، فهنا تُباع الأرض قهراً على من امتنع؛ لأن هذا بحق من أجل دفع الضرر عن شريكه.
    فالضابط إذاً: (أنه إذا كان الإكراه بحق فإن البيع يصح ولو كان البائع غير راض بذلك)؛ لأننا هنا لم نرتكب إثماً لا بظلم ولا بغيره فيكون ذلك جائزاً.
    مسألة ذكرها في الروض [3] :
    إذا أكره على شيء فباع ملكه من أجل دفع ما أكره عليه، بمعنى أنه جاء إنسان ظالم وأكرهه، وقال له: لا بد أن تدفع لي الآن مائة ألف ريال وإلا حبستك، والرجل ليس عنده شيء فباع بيته ليسدد مائة ألف ريال فما حكم بيعه لبيته؟
    الجواب: إننا إذا طبقنا مسألتنا هذه على هذا الشرط، فهل هذا الرجل أكره على بيع البيت، أو أكره على دفع المال؟
    الجواب: أكره على دفع المال، فجائز أن يذهب إلى شخص يستلف منه أو يستقرض أو يأخذ من الزكاة وما أشبه
    ذلك، إذاً فهو لم يكره على بيع البيت فيكون البيع صحيحاً.
    بقي أن يقال: هل يكره أن يُشترى منه بيته؛ لأنه مكره على بيعه ولا يرغب أن يخرج عن ملكه؟
    الجواب: قال الفقهاء: إنه يكره أن يُشترى منه .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يكره؛ لأننا إذا اشترينا منه فقد أحسنا إليه لدفع ضرورته، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً:
    إن كان الناس كلهم سيُضربون عن شرائه ويؤدي ذلك إلى أن يتراجع المُكره، فهنا نقول: يحرمُ الشراء منه، ويجب علينا ألا نشتري إذا علمنا أن في ذلك رفعاً للإكراه.
    أما إذا كان المُكره لا يمكن أن يتراجع عن إكراهه، فلا وجه لكراهة الشراء منه، بل إن الشراء منه في الواقع إحسان إليه.

    [1] "الشرح الممتع " (3 / 520ـ 521 )
    [2] أخرجه ابن ماجه في (التجارات/ باب بيع الخيار) (2185)؛ وابن حبان (4967) إحسان؛ والبيهقي (6/17) عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ
    [3]"الروض المربع مع حاشية ابن قاسم " (4/332)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

    الشرط الثاني:أن يكون العاقد جائز التصرف.
    قال الفقيه العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
    العاقد هو البائع والمشتري ...
    وجائز التصرف من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرّاً، بالغاً، عاقلاً، رشيداً.
    فالأول:أن يكون حرّاً، وضده العبد، والعبد لا يصح بيعه ولا شراؤه إلا بإذن سيده؛ ووجه ذلك أن العبد لا يملك، فما في يد العبد ملك لسيده؛ والدليل على هذا، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المُبتاع» ، فهنا نقول: العبد لا يصح بيعه إلا بإذن سيده.
    الثاني:أن يكون بالغاً، وضد البالغ الصبي.
    ولهذا قال المؤلف: «فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي» حتى وإن كان مراهقاً له أربع عشرة سنة، وكان حاذقاً جيداً في البيع والشراء، فإنه لا يصح بيعه؛ لأنه صغير لم يبلغ.
    والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، فاشترط الله لدفع أموالهم شرطين: بلوغ النكاح وذلك بالبلوغ، والرشد.
    الثالث:أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، فالمجنون لا يصح تصرفه، ومن ذلك المُهَذْري لا يصح بيعه، فلو أن رجلاً أصيب بالهذرات، أي: هرم وكبر، وجاء إلى إنسان، وقال له: أنا أبيع عليك بيتي وسيارتي فلا يصح البيع منه لفقد العقل، ومن شرط جواز التصرف أن يكون الإنسان عاقلاً.
    الرابع:أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، بحيث لا يبذله في شيء محرم، ولا في شيء لا فائدة منه، كأن يبيع الشيء الذي يساوي مائة بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بمائة، فالمهم أنه يحسن التصرف، وضد الرشيد السفيه؛ ولهذا قال المؤلف: «وسفيه» أي ولا يصح تصرف سفيه بغير إذن وليّ، فإن أذن له فلا بأس.(1
    )

    (1) " الشرح الممتع " ( 3 / 522 ـ 523 )

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

    الشرط الثالث :أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة
    وهذه تقتضي ثلاثة شروط :
    الأول: أن يكون فيها نفع ، فخرج منه محرمة النفع، مثل آلات اللهو، فإنه لا يجوز بيعها؛ لأن منفعتها محرمة، وكذلك الخمر؛ لأن منفعته محرمة.
    الثاني: أن يكون النفع مباحاً ، فخرج منه ما لا نفع فيه كالحشرات، فلا يصح بيعها، فلو أن شخصاً جمع صراصر في إناء، وقال لإنسان: أبيع عليك هذه الصراصر فلا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع، لكن لو جمع جراداً في إناء، وقال: أبيع عليك هذا الجراد فهنا يجوز البيع؛ لأن فيها نفعاً مباحاً؛ إذاً الحشرات لا يجوز بيعها؛ لأنها ليس فيها نفع.
    الثالث: أن تكون الإباحة بلا حاجة ، احترازاً مما إذا كانت مباحة النفع لحاجة كالكلب، فالكلب يباح نفعه لكن لا مطلقاً بل لحاجة كالصيد، والحرث والماشية، فلا يصح بيع الكلب، حتى وإن كان كلب صيد، ولو كان معلماً مع أن فيه نفعاً مباحاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ثمن الكلب ([1] )




    ([1]) انظر " الشرح الممتع " ( 3 / 524)

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

    قوله: «أو من يقوم مقامه» يعني من يقوم مقام المالك وهم أربعة أصناف: الوكيل، والوصي، والولي، والناظر، هؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك.
    فالوكيل : هو من أُذن له بالتصرف في حال الحياة ، والدليل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري
    في صحيحه (4/ 207 / دار طوق النجاة) من طريق شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى
    لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ » ([1] )
    الوصي : هو من أمر له بالتصرف بعد الموت، مثل أن يوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد،
    فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وصي فيه بما يراه أصلح، وهو ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك .
    الناظر : هو الذي جعل على الوقف، أي: وكل في الوقف، مثل أن يقول رجل: هذا البيت وقف على الفقراء والمساكين، والناظر عليه فلان ابن فلان، فهذا ـ أيضاً ـ يصح تصرفه مع أنه ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك، ونسمي هذا ناظراً، وقد وقف عمر ـ رضي الله عنه ـ ما ملكه في خيبر، وقال: تليه حفصة، ثم ذوو الرأي من آله ، فحفصة جعلها عمر ـ رضي الله عنهما ـ ناظرة على وقفه.([2] )
    الولي: هو من يتصرف لغيره بإذن الشارع.
    والولاية نوعان: عامة وخاصة.
    فالعامة : ولاية الحكام، كالقضاة مثلاً، فإن لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك.
    أما الولاية الخاصة: فهي الولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية العم على ابن أخيه اليتيم، وجعلنا هذا وليّاً ولم نجعله وكيلاً؛ لأنه استفاد تصرفه عن طريق الشرع، والوكيل والوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع.
    وعلى هذا، فإذا وكل إنسان إنساناً في بيع شيء فباعه صح، مع أن الوكيل ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك، لكن يجب على الوكيل أن يتصرف بما يراه أصلح، فإذا كانت السلعة تزيد فإنه لا يبيعها حتى تنتهي الزيادة، بخلاف الذي يتصرف لنفسه فإنه يجوز أن يبيع السلعة بما هو دون، والفرق بينهما أن المتصرف لغيره يجب أن يتصرف بالأحظ، والمتصرف لنفسه يتصرف بما شاء، فمثلاً لو أعطيت هذا الرجل مسجلاً يبيعه، فصار الناس يزيدون في المسجل حتى بلغ مائة أو مائتين، فلا يجوز له أن يبيعه والناس يزيدون فيه حتى يقف السعر، لكن لو باعه مالكه بمائة ريال وهو يساوي مائتين جاز؛ لأن المالك يتصرف لنفسه، وذاك يتصرف لغيره.
    وانظر إلى هذه المسألة وهي التصرف للغير بالأحظ، حتى في العبادات، فالإمام يجب أن يصلي بالناس حسب السنة، وغيره يصلي ما شاء، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» ([3] ). ([4] )


    ([1]) قال الإمام الألباني في ( إرواء الغليل ) (5/ 128) : (( صحيح ، أخرجه البخارى (2/414) وأبو داود (3384) وابن ماجه (2402) والشافعى (1333) والبيهقى (6/112) وأحمد (4/375) وابن حزم فى " المحلى " (8/436 , 437) من طريق شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحى يتحدثون (وفى رواية: سمع قومه يحدثون) عن عروة البارقى ، فذكره ... ))

    ([2]) أخرجه أبو داود في الوصايا/ باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف (2879) ؛ والبيهقي (6/160) . وإسناده صحيح كما في «الإرواء» (6/30) .
    وأصل الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ دون ذكر من يلي الوقف، أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الوقف (2737) ؛ ومسلم في الوصية/ باب الوقف (1632) .

    ([3]) أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703) ؛ ومسلم في الصلاة/ باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (467) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.

    ([4]) ( الشرح الممتع ) (8/ 128 ـ 130)

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

    الشرط الخامس
    يشترط أن يكون المبيع أو الثمن مقدوراً على تسليمه، أي: يقدر على تسليمه، فيكون كل من البائع والمشتري قادراً على تسلم أو تسليم ما انتقل من ملكه أو إلى ملكه، ودليل هذا الشرط ما يلي:
    أولاً: قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] ، فبيع ما لا يقدر على تسليمه من الميسر؛ ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمنه الحقيقي؛ لأن المشتري مخاطر قد يحصل عليه وقد لا يحصل، فإذا قدر أن هذا الذي لا يقدر على تسليمه يساوي مائة لو كان مقدوراً على تسليمه، فسيباع إذا كان لا يقدر على تسليمه بخمسين، فيبقى المشتري الآن إما غانماً وإما غارماً، إن قدر عليه فهو غانم، وإن فاته فهو غارم، وهذه هي قاعدة الميسر.
    ثانياً: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، ووجه الدلالة أن ما يعجز عن تسليمه لا يرضى به الإنسان غالباً، ولا يقدم عليه إلا رجل مخاطر قد يحصل له ذلك، وقد لا يحصل له.
    ثالثاً: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر، أخرجه مسلم ؛ ووجه كونه غرراً أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن تنقص قيمته، وحينئذٍ إن تمكن المشتري من تسلُّمِه صار غانماً، وإن لم يتمكن صار غارماً، وهذا هو الضرر.
    والذي لا يقدر على تسليمه لا شك أنه غرر، إذ قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد.
    رابعا : عن حكيم بن حزام قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال " لا تبع ما ليس عندك "[1]
    ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس داخلا في ملك البائع عند البيع لعدم قدرته على تسليمه بعد العقد .
    خامسا : ونستدل عليه ـ أيضاً ـ بالنظر الصحيح، وهو أن المسلمين يجب أن يكونوا قلباً واحداً متآلفين متحابين، وهذا البيع يوجب البغضاء والتنافر؛ وذلك أن المشتري لو حصل عليه لكان في قلب البائع شيء يغبطه ويحسده عليه، ولو لم يقدر عليه لكان في قلب المشتري شيء يغبط البائع ويحسده عليه، وكل ما أدى إلى البغضاء والعداوة فإن الشرع يمنعه منعاً باتّاً؛ لأن الدين الإسلامي مبني على الألفة والمحبة والموالاة بين المسلمين.([2] )

    ([1]) قال الإمام الألباني في ( إرواء الغليل ) (5/ 132) : أخرجه أبو داود (3503) والنسائى (2/225) والترمذى (1/232) وابن ماجه (2187) وكذا الشافعى (1249) وابن الجارود (602) والدارقطنى (292) والبيهقى (5/267 , 317 , 339) وأحمد (3/401 , 403) والطبرانى فى " المعجم الكبير " (1/152/1) وابن حزم (8/519) من طرق عن حكيم بن حزام بألفاظ متقاربة هذا أحدها وأوله: " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت: يأتينى الرجل يسألنى من البيع ما ليس عندى أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال ... " فذكره والسياق للترمذى , وقال: " حديث حسن ".
    قلت: وإسناده صحيح , وصححه ابن حزم ، وقد استوعبت ألفاظه فى كتابى " أحاديث البيوع وآثاره ".

    ([2]) (الشرح الممتع ) (8/ 142 ـ 143) ، ( الفقه المالكي وأدلته ) ( 5 / 23)

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    362

    افتراضي رد: عون المعبود في بيان ما جاء من أحكام البيوع وآدابه في الكتاب والسنة

    الشرط السادس :([1] ) أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة عند البائع والمشتري، فلا يكفي علم أحدهما ، فلا بد أن يكون معلوماً عند المتعاقدين ، ودليل هذا الشرط

    أولا : حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ : " أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر" ، والمجهول بيعه غرر لا شك.
    ثانيا : حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» ([2] )، فالعلم بالمسلم فيه هنا بالوصف؛ لأنه يسلف السنة والسنتين في الثمار، وهي لم تخلق الآن، إذاً يكون العلم بالوصف، ولكن لا بد من شرطين:
    1 ـ أن يكون الموصوف مما يمكن انضباطه بالصفة.
    2 ـ أن يضبط بالصفة.
    ثالثا : لما فيه من سد باب العداوة والخصومات والتنازع التي قد تقع بين المتعاملين والمتعاقدين مما هو معلوم ، إذ أن بيع الغرر ، وما كان أمره مجهولا ذريعة لحصول التنازع والعداوة والشحناء بين المسلمين .

    مسألة: مما يدخل ويلحق بهذا الشرط بيع الأنموذج : وهو أن يأتي البائع بشيء من البضاعة والسلعة مما يدل على الباقي منها ، مثال ذلك أن يأتي بصاع أو ربع الصاع أو فنجال من البر، ويقول : أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، فهذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية، فهذا البيع صحيح؛ لأن العلم مدرك بهذا، وما زال الناس يتعاملون به.
    يقول عنه الإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : أنه يسمى في لغتنا العامية بـ " النمونة "
    وهو مما يسمى عندنا في بلاد الجزائر بـ "العَيِّنة "

    ([1]) (الشرح الممتع ) (8/ 147 ـ 151) ، ( الفقه المالكي وأدلته ) ( 5 / 25)

    ([2]) أخرجه البخاري في السلم/ باب السلم في كيل معلوم (2240)
    ومسلم في المساقاة/ باب السلم (1604) .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة من الأدعية والأذكار
    بواسطة أم محمد محمود المصرية في المنتدى مـنــبر الأســـرة المـــســلـــمـــة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-Jan-2017, 10:38 PM
  2. (كتاب) معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة لابن برجس رحمه الله
    بواسطة أبو عبد المحسن زهير التلمساني في المنتدى منبر العلوم الشرعية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-Dec-2013, 10:42 AM
  3. [صوتيا] الهجر في ضوء الكتاب والسنة
    بواسطة أبو عبد المصور مصطفى الجزائري في المنتدى مكتبة الأمين العلمية الــشـاملة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-Nov-2012, 09:18 PM
  4. الثناء على الصادقين في الكتاب والسنة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله
    بواسطة أبو عبد المصور مصطفى الجزائري في المنتدى المنبــر الإسلامي العــام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-Mar-2011, 12:57 PM
  5. معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة للشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله
    بواسطة أبو عبد المحسن زهير التلمساني في المنتدى منبر العلوم الشرعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-Feb-2011, 04:04 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •