وهنا أيضا بعض التنبيهات يتقاطر القلم حروفها لعل ينجلي بها ضباب الجهل والعمى والمصلحية والأغراض النفسية ، فنثرتها بغرض زيادة التوضيح وما يهدف إليه مقالي من تبيانه ، في هذه الموجة الظلماء التي طالما أرادت أن تطمس ميزات الإسلام ونقاوته ونزاهته في شرعه وأصوله وأحكامه التي رضيها الله تعالى لعباده الصلحاء التي جاء بها الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وسار عليها الأئمة النبلاء وطبق أحكامها الخلفاء فعاشوا تحت ظلها في العلياء .
فلا يخفى على من له مسكة عقل ومن له نظرة في مخططات اليهود قديما وحديثا أن تلك القواعد التي يرجف بها المميعة والحركات الثورية المتحزبة ، وكذا الاختلاط والجمعيات أنها بضاعة مبسترة جائرة ويشهد الله أنها مصنوعة في معامل ـ اليهود و ـ المستشرقين ، ثم استوردها هؤلاء فيما استوردوا من أفكار وادعوها لأنفسهم زورا وبهتانا ([1] ) ، وأصبغوها بصبغة مسائل اجتهادية ، لكي لا يثرون عليهم ثائرة غيرة أهل الإسلام كبيرهم وصغيرهم ، وليعلم أن هذا القناع من أخبث الأقنعة وأفتك بأحكام الدين الإسلامي ، لأنه مقنع بستار العلم وصاحبه اتخذ عكازة المعذرة بحجية مسائل اجتهادية ، وهو متجنب المصارحة والعداوة لأحكام أئمة السنة ، فكم انخدع من أهل الإسلام بهذا الثياب الخداع وإن كان شفافا ، وإن كنا نقول لمن انخدع بهذه الدعاوى الباطلة والمدارس الجائرة ، "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" .
نعم هذه القواعد المخترعة الجائرة والجرائم الباطلة من الجمعيات والاختلاط وغيرها أصبحت لها مدارسا وهيئات وجمعيات ودولا تحميها وتدافع عنها وتمويلها بالتشجيعات الحسية والمعنوية ، فكثر مروجوها وتساقط في فتنتها من تساقط ، ومنهم من عجز عن مواجهتها كما قال الإمام مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ ، فلا يرعبنكم تلك الشعارات التي حملها من حملها ولا تغتروا بمن وقع في تلك الموجات العارمة ، فالعاقبة والدائرة دائما وأبدا للحق طال الزمان أو قصر ، وإياكم وإياكم أن يسبق أحدكم لسانه وقلمه في تخذيل الحق ، وتذكروا قول الله تعالى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] .
ولكم في هذا أسوة وعبرة في سلفكم الصالح ، فاعتبروا يا أولي الألباب ما جرى لإمام السنة أحمد الشيباني ـ رحمه الله ـ فكان أمة في مواجهة بدعة تحميها وتدافع عنها دولة ولها مدارس ، فصبر الإمام أحمد في وجه قوة تلك البدعة ودسها بأقدامه وحصدها وزلزل عروشها بالسنة والصبر والثبات والتميز ، وأنكر على من أنكر من خاصة أهل السنة وأئمتها من لم يقف موقفه ، تمر الأيام وتأتي فكانت العاقبة للحق ونصر الله به السنة وقمع به البدعة وأخلد ذكره ورفع قدره وأذل خصومه وأخمد ذكرهم ، واعتذر إليه من اعتذر من أئمة السنة ، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ شأنه شأن الإمام أحمد وتلك سنة الله في خلقه وتاريخ يعيد نفسه ، ماذا يريدون من الإسلام والسنة ؟! ما لكم لا تعقلون !!
ثم يا مسلم هذا التنبيه لا يعني أنك لا تحترم عالمك وشيخك ، كلا وألف كلا ، فاحترام علماء الإسلام سنة عمن سلف ، وأصل أصيل في الإسلام لا يهون من أمره ولا يشغيب حوله ، ولكن حبهم واحترامهم يكون على ما نبه عليه أئمة الهدى والتقى ، ومن ذلك ما ذكره الإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ في ( السير)(4/208) بسند رجاله ثقات أثبات، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين - وكان أفضل هاشمي أدركته - يقول: يا أيها الناس، أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا.
و أبو معاوية ـ أي : محمد بن خازم ـ عن يحيى بن سعيد، عن علي: يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتى صار علينا شينا . ا.هـ
فحب أئمة الإسلام يكون على ما جاء به الإسلام لا غلو فيه ولا إفراط ، فالإسلام لا يقر الخطأ ويعظمه ويدعو أهله أن ينافحوا عن الباطل ومخترعات الماسونية كلا وألف كلا ، فالباطل يرد إن قال به من قال ويضرب به عرض الحائط ويدس بالأقدام احتراما وتعظيما لله رب العالمين ودينه الحنيف ، ما لكم لا تشعرون ! ولا تفقهون !
ورحمه الله الإمام الألباني إذ ينبه على هذا الخطر العظيم وكل يدعي أنه شيخه ، ولكن الأقوال يصدقها الأعمال أو تكذبها ، فأين هي ؟! دعاوى جوفاء !
يقول رحمه الله في كتابه الفذ (صفة الصلاة )(ص 41 ـ 48)
(( أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها
ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات تقليدا أعمى - ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء والله عز وجل يقول:{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون }
1 - أبو حنيفة رحمه الله
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله وقد روي عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها :
1 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( ابن عابدين في " الحاشية " 1 / 63 )
2 - ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه ) . ( ابن عابدين في " حاشيته على البحر الرائق " 6 / 293 )
وفي رواية : ( حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي )
زاد في رواية : ( فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا )
وفي أخرى : ( ويحك يا يعقوب ( هو أبو يوسف ) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد )
3 - ( إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي ) . ( الفلاني في الإيقاظ ص 50 )
2 - مالك بن أنس رحمه الله
وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقال :
1 - ( إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 32 )
2 - ( ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 91 )
3 - قال ابن وهب : سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال : ليس ذلك على الناس . قال : فتركته حتى خف الناس فقلت له : عندنا في ذلك سنة فقال : وما هي قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه . فقال : إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع . ( مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ص 31 - 32 )
3 - الشافعي رحمه الله
وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب
وأتباعه أكثر عملا بها وأسعد فمنها :
1 - ( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي ) . ( تاريخ دمشق لابن عساكر 15 / 1 / 3 )
2 - ( أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد ) . ( الفلاني ص 68 )
3 - ( إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت ) . ( وفي رواية ( فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ) . ( النووي في المجموع 1 / 63 )
4 - ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) . ( النووي 1 / 63 )
5 - ( أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون : كوفيا أو بصريا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا ) . ( الخطيب في الاحتجاج بالشافعي 8 / 1 )
6 - ( كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي ) . ( أبو نعيم في الحلية 9 / 107 )
7 - ( إذا رأيتموني أقول قولا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب ) . ( ابن عساكر بسند صحيح 15 / 10 / 1 )
8 - ( كل ما قلت فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي أولى فلا تقلدوني ) . ( ابن عساكر بسند صحيح 15 / 9 / 2 )
9 - ( كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني ) . ( ابن أبي حاتم 93 - 94 )
4 - أحمد بن حنبل رحمه الله
وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها حتى ( كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ) ولذلك قال : 1 - ( لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ) . ( ابن القيم في إعلام الموقعين 2 / 302 )
وفي رواية : ( لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير )
وقال مرة : ( الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير ) . ( أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 276 - 277 )
2 - ( رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار ) . ( ابن عبد البر في الجامع 2 / 149 )
3 - ( من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة ) . ( ابن الجوزي في المناقب ( ص 182 )
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقال : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى : " فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأى أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة وربما أغلظوا في الرد لا بغضا له بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورا له بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه "
قلت ( بشير) : وفي الختام فنطلب من أهل الإسلام تأمل كلام الأمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ جيدا ، وخير الكلام ما قل ودل ، والحمد الله رب العالمين

([1]) (دفاع عن السنة )( ص 36 ) للعلامة أبي شهبة ـ رحمه الله ـ