قوله: «أو من يقوم مقامه» يعني من يقوم مقام المالك وهم أربعة أصناف: الوكيل، والوصي، والولي، والناظر، هؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك.
فالوكيل : هو من أُذن له بالتصرف في حال الحياة ، والدليل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري
في صحيحه (4/ 207 / دار طوق النجاة) من طريق شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى
لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ » ([1] ) الوصي : هو من أمر له بالتصرف بعد الموت، مثل أن يوصي شخص بشيء من ماله إلى زيد،
فهذا الموصى إليه يجوز أن يتصرف فيما وصي فيه بما يراه أصلح، وهو ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك .
الناظر : هو الذي جعل على الوقف، أي: وكل في الوقف، مثل أن يقول رجل: هذا البيت وقف على الفقراء والمساكين، والناظر عليه فلان ابن فلان، فهذا ـ أيضاً ـ يصح تصرفه مع أنه ليس بمالك، لكنه قائم مقام المالك، ونسمي هذا ناظراً، وقد وقف عمر ـ رضي الله عنه ـ ما ملكه في خيبر، وقال: تليه حفصة، ثم ذوو الرأي من آله ، فحفصة جعلها عمر ـ رضي الله عنهما ـ ناظرة على وقفه.([2] ) الولي: هو من يتصرف لغيره بإذن الشارع.
والولاية نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة : ولاية الحكام، كالقضاة مثلاً، فإن لهم ولاية عامة على الأموال المجهول مالكها، وعلى أموال اليتامى إذا لم يكن لهم ولي خاص، وعلى غير ذلك.
أما الولاية الخاصة: فهي الولاية على اليتيم من شخص خاص، كولاية العم على ابن أخيه اليتيم، وجعلنا هذا وليّاً ولم نجعله وكيلاً؛ لأنه استفاد تصرفه عن طريق الشرع، والوكيل والوصي والناظر عن الطريق الخاص بالمالك، أما الولي فولايته مستفادة من الشرع.
وعلى هذا، فإذا وكل إنسان إنساناً في بيع شيء فباعه صح، مع أن الوكيل ليس بمالك، ولكنه قائم مقام المالك، لكن يجب على الوكيل أن يتصرف بما يراه أصلح، فإذا كانت السلعة تزيد فإنه لا يبيعها حتى تنتهي الزيادة، بخلاف الذي يتصرف لنفسه فإنه يجوز أن يبيع السلعة بما هو دون، والفرق بينهما أن المتصرف لغيره يجب أن يتصرف بالأحظ، والمتصرف لنفسه يتصرف بما شاء، فمثلاً لو أعطيت هذا الرجل مسجلاً يبيعه، فصار الناس يزيدون في المسجل حتى بلغ مائة أو مائتين، فلا يجوز له أن يبيعه والناس يزيدون فيه حتى يقف السعر، لكن لو باعه مالكه بمائة ريال وهو يساوي مائتين جاز؛ لأن المالك يتصرف لنفسه، وذاك يتصرف لغيره.
وانظر إلى هذه المسألة وهي التصرف للغير بالأحظ، حتى في العبادات، فالإمام يجب أن يصلي بالناس حسب السنة، وغيره يصلي ما شاء، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» ([3] ). ([4] )
([1]) قال الإمام الألباني في ( إرواء الغليل ) (5/ 128) : (( صحيح ، أخرجه البخارى (2/414) وأبو داود (3384) وابن ماجه (2402) والشافعى (1333) والبيهقى (6/112) وأحمد (4/375) وابن حزم فى " المحلى " (8/436 , 437) من طريق شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحى يتحدثون (وفى رواية: سمع قومه يحدثون) عن عروة البارقى ، فذكره ... ))
([2]) أخرجه أبو داود في الوصايا/ باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف (2879) ؛ والبيهقي (6/160) . وإسناده صحيح كما في «الإرواء» (6/30) .
وأصل الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ دون ذكر من يلي الوقف، أخرجه البخاري في الشروط/ باب الشروط في الوقف (2737) ؛ ومسلم في الوصية/ باب الوقف (1632) .
([3]) أخرجه البخاري في الأذان/ باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (703) ؛ ومسلم في الصلاة/ باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (467) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
([4]) ( الشرح الممتع ) (8/ 128 ـ 130)